وکاله آریا للأنباء - الوکلاء الأذکیاء یمثلون مرحله جدیده فی تطور الذکاء الاصطناعی (الجزیره/مولده بالذکاء الاصطناعی)
لم یکن استخدام الإنترنت فی بدایاته یتطلب أکثر من متصفح وبعض الصبر. فإذا أراد المستخدم حجز رحله، تنقل بین عده مواقع للمقارنه، وإذا احتاج إلى معلومه بحث عنها بنفسه، وفی کل خطوه ظل الإنسان هو من یبحث ویختار وینفذ.
ثم تغیر المشهد مع صعود المنصات الرقمیه، إذ لم تعد المنافسه تدور حول تقدیم الخدمه الأفضل فحسب، بل حول جذب انتباه المستخدم وإبقائه أطول وقت ممکن داخل التطبیق. وأصبح وقت الشاشه ومعدلات التفاعل من أهم مؤشرات النجاح فی الاقتصاد الرقمی، بینما صُممت الخوارزمیات لتجعل العوده إلى المنصه عاده یومیه.
والیوم یبدو أن صناعه الذکاء الاصطناعی تدفع هذا المنطق إلى مرحله جدیده، فبدلا من التنافس على جذب انتباه المستخدم، تتسابق الشرکات إلى تطویر وکلاء أذکیاء قادرین على تنفیذ المهام نیابه عنه، کقراءه الرسائل الإلکترونیه وتنظیم المواعید والتسوق، ولم یعد الهدف أن یجیب الذکاء الاصطناعی عن سؤال، بل أن یصبح الواجهه التی یبدأ منها المستخدم یومه الرقمی.

کلما توسعت المهام التی ینفذها الوکیل الذکی، ازدادت حاجته إلى الوصول إلى البرید الإلکترونی والملفات والتقویم وغیرها من البیانات (بیکسابی) من اقتصاد الانتباه إلى اقتصاد الاعتماد
لم تعد فکره أن یصبح الذکاء الاصطناعی المساعد الشخصی الذی یدیر جانبا کبیرا من الحیاه الرقمیه مجرد تصور مستقبلی تتنافس الشرکات على الترویج له، بل بدأت تظهر بوصفها هدفا عملیا فی إستراتیجیات بعض الشرکات.
فقد کشفت وثائق داخلیه اطلع علیها موقع "میدیا 404" أن " مایکروسوفت " تخطط لأن یکون الهدف الأساسی من مساعدها الجدید "سکوت" (Scout) بناء اعتماد المستخدمین علیه تدریجیا، عبر إستراتیجیه تبدأ بتشجیع الاستخدام الیومی، ثم توسیع قدراته وربطه بمنظومه أوسع من الأدوات والخدمات، بما یجعله حاضرا فی تفاصیل العمل الیومی للمستخدم.
ولا تقف هذه الرؤیه عند "مایکروسوفت"، إذ ذکرت صحیفه " فایننشال تایمز "، نقلا عن مصادر مطلعه أن "میتا" تطور هی الأخرى مساعدا متقدما من فئه الذکاء الاصطناعی الوکیلی (Agentic AI)، قادرا على تنفیذ المهام واتخاذ المبادرات نیابه عن المستخدمین، مع استهداف شریحه واسعه من مستخدمی منصاتها.
ورغم اختلاف المنتجات التی تعمل علیها الشرکتان، فإن الاتجاه العام یبدو متقاربا، إذ لم یعد التنافس یقتصر على تطویر نماذج لغویه أکثر قدره، بل على بناء وکلاء أذکیاء یصبحون نقطه الدخول الرئیسیه إلى الخدمات الرقمیه، بحیث یعتمد علیهم المستخدم بصوره متزایده فی إداره تفاعلاته الیومیه مع العالم الرقمی.
ویشیر ذلک إلى تحول تدریجی فی طبیعه المنافسه داخل قطاع الذکاء الاصطناعی. فبعد أن کان نجاح المنصات الرقمیه خلال العقدین الماضیین یقاس بقدرتها على جذب المستخدم وإبقائه داخل التطبیق، أصبح الرهان الیوم یدور حول مدى قدره الوکیل الذکی على أن یصبح الأداه التی یعتمد علیها المستخدم لإنجاز أعماله الیومیه، وهو تحول قد یعید رسم العلاقه بین المستخدم وشرکات التکنولوجیا والخدمات الرقمیه.
غیر أن هذا التحول لا یغیر فقط طبیعه المنافسه بین شرکات الذکاء الاصطناعی، بل یغیر أیضا طبیعه العلاقه بین المستخدم والأنظمه الذکیه. فکلما اتسعت المهام التی من المفروض أن ینفذها الوکیل، ازداد احتیاجه إلى الوصول إلى البرید الإلکترونی، والتقویم، والملفات، وسجل التصفح، وغیرها من البیانات والخدمات الرقمیه التی یعتمد علیها المستخدم فی حیاته الیومیه، وهنا لا یعود التحدی مقتصرا على تطویر نموذج أکثر ذکاء، بل یمتد إلى کیفیه إداره هذه الصلاحیات والبیانات بصوره آمنه.

الأسود یشیر إلى أن الذکاء الاصطناعی الوکیلی یقود تحولا من "اقتصاد الانتباه" القائم على جذب المستخدم إلى "اقتصاد التفویض" الذی یعتمد على إنجاز المهام نیابه عنه (الجزیره) لماذا أصبح التفویض نموذج الأعمال الجدید؟
لا یقتصر التحول الذی تشهده شرکات الذکاء الاصطناعی على تطویر أدوات أکثر قدره على تنفیذ المهام، بل یمتد إلى إعاده صیاغه النموذج الاقتصادی الذی تقوم علیه هذه الخدمات.
وفی هذا السیاق، یرى الرئیس التنفیذی لشرکه "ناشیونال کوانتوم" وخبیر تکنولوجیا المعلومات، حسام الدین الأسود، أن ما یحدث الیوم یمثل انتقالا من "اقتصاد الانتباه" إلى ما یسمیه "اقتصاد التفویض".
ویوضح، فی حدیثه للجزیره نت، أن شرکات التکنولوجیا اعتمدت طوال العقدین الماضیین على إبقاء المستخدم متصلا بالشاشه لأطول وقت ممکن لزیاده التعرض للإعلانات وجمع البیانات، بینما أصبح نجاح الوکلاء الأذکیاء یقاس بقدرتهم على إنجاز المهام نیابه عن المستخدم بسرعه وکفاءه، حتى وإن أدى ذلک إلى تقلیل الوقت الذی یقضیه أمام الشاشه.
ویضیف أن المنافسه لم تعد تدور حول من "یسرق وقت المستخدم أکثر" بل حول من "یکسب ثقته أکثر". فکلما اعتمد المستخدم على وکیله الذکی فی إداره أعماله الیومیه، من تنظیم المواعید إلى التسوق والتواصل، أصبح انتقاله إلى خدمه منافسه أکثر صعوبه، وهو ما یخلق علاقه طویله الأمد تمثل، بحسب الأسود، نموذج أعمال مختلفا یقوم على قیمه "الفعل" وإنجاز المهام، بدلا من الاکتفاء بجذب الانتباه وإطاله زمن المشاهده.
من یملک الوکیل یملک بوابه المستخدم
وإذا نجحت شرکات الذکاء الاصطناعی فی جعل الوکیل الذکی البوابه الرئیسیه التی یمر عبرها المستخدم للوصول إلى الخدمات الرقمیه، فإنها لن تکتفی بتغییر طریقه استخدام هذه الخدمات، بل قد تعید توزیع موازین القوى داخل الاقتصاد الرقمی.
ویقول الأسود إن مزود الذکاء الاصطناعی، ولا سیما إذا نجح فی الاندماج العمیق مع نظام التشغیل، سیکون فی موقع یؤهله لأن یصبح "البوابه الوحیده" التی تمر عبرها تفاعلات المستخدم مع العالم الرقمی. فعندما یرغب المستخدم فی شراء منتج أو البحث عن خدمه، لن یتعامل مباشره مع المنصات المختلفه، بل مع وکیله الذی یختار ویتفاوض وینسق هذه العملیات.
ویضیف أن هذا التحول سیقلب قواعد المنافسه رأسا على عقب، إذ قد تتحول المتاجر الإلکترونیه، ووکالات الأسفار، ومختلف مزودی الخدمات تدریجیا إلى ما یشبه البنیه التحتیه التی تعمل فی الخلفیه، بینما تصبح العلاقه المباشره مع المستخدم من نصیب الوکیل الذکی. وبدلا من أن تتنافس هذه الشرکات على جذب المستهلک النهائی کما هو الحال الیوم، قد یصبح هدفها أن تکون الخیار الذی یختاره الوکیل عند تنفیذ طلبات المستخدم.
ویصف هذا التحول بأنه انتقال من نموذج الأعمال الموجه إلى المستهلک إلى نموذج جدید "من الشرکات إلى الوکلاء"، حیث تتنافس الشرکات على إقناع خوارزمیات الوکلاء الأذکیاء، ولیس المستخدم وحده، وهو ما قد یعید تشکیل موازین القوه فی الاقتصاد الرقمی.
وتنسجم هذه الرؤیه مع ما خلص إلیه تقریر حدیث لشرکه "ماکنزی"، الذی یشیر إلى أن القیمه داخل منظومه الإعلان الرقمی بدأت تنتقل تدریجیا من المنصات التی تنجح فی جذب انتباه المستخدم، إلى الجهات القادره على التأثیر فی قرارات الوکلاء الأذکیاء أثناء اختیار المنتجات والخدمات.
ومع تزاید اعتماد المستهلکین على مساعدین رقمیین یقارنون الخیارات ویقترحون البدائل، قد تصبح المنافسه فی المستقبل على إقناع الوکیل بما یعرضه، أکثر من إقناع المستخدم نفسه.

الأسود یرى أن الاندماج العمیق لوکلاء الذکاء الاصطناعی مع أنظمه التشغیل قد یجعلها الواجهه الأساسیه التی یصل من خلالها المستخدم إلى العالم الرقمی (بیکسابی) کلما ازداد الاعتماد تعاظمت الحاجه إلى السیاده الرقمیه
غیر أن ازدیاد اعتماد المستخدم على الوکلاء الأذکیاء لا یطرح تحدیات اقتصادیه فحسب، بل یثیر أیضا أسئله جوهریه حول الاستقلالیه الرقمیه. فکلما أصبح الوکیل نقطه الارتکاز التی یدیر المستخدم من خلالها حیاته الرقمیه، ازدادت کمیه البیانات التی تمر عبره، واتسعت الصلاحیات التی یحتاج إلیها للوصول إلى التطبیقات والخدمات المختلفه.
وکلما توسع نطاق المهام التی ینفذها، ازدادت حساسیه المعلومات التی یعتمد علیها، وأصبح السؤال لا یتعلق بقدرات الذکاء الاصطناعی وحدها، بل بمن یملک البیانات، ومن یتحکم فی کیفیه استخدامها، وما إذا کان المستخدم قادرا على الاحتفاظ بالسیطره علیها.
ولهذا السبب، بدأ مفهوم "السیاده الرقمیه" یبرز بوصفه أحد المحاور الرئیسیه فی النقاش حول الذکاء الاصطناعی الوکیلی. ویشیر تقریر صادر عن "إم آی تی تکنولوجی ریفیو إنسایت" بالتعاون مع "أنتربرایز دی بی" إلى أن سیاده البیانات والذکاء الاصطناعی لم تعد مجرد متطلب للامتثال أو الأمن السیبرانی ، بل أصبحت "نظام التشغیل" الذی تقوم علیه الأنظمه الوکیله، لأنها تحدد البیانات التی یمکن للوکلاء الوصول إلیها، والضوابط التی تحکم قراراتهم، وآلیات مراقبه أدائهم.
ویعکس هذا التحول إدراکا متزایدا بأن نجاح الوکلاء الأذکیاء لا یعتمد على قدراتهم التقنیه وحدها، بل أیضا على البیئه التی یعملون داخلها، ومدى وضوح قواعد الوصول إلى البیانات، وآلیات المساءله، وإمکانیه التحکم فی القرارات التی یتخذونها. فکلما ازداد اعتماد المستخدم على الوکیل، أصبحت الحوکمه والسیاده الرقمیه جزءا من النموذج الاقتصادی، ولیستا مجرد مسأله تقنیه أو أمنیه.

الاعتماد المتزاید على الوکلاء الأذکیاء فی إداره المهام الیومیه یثیر تساؤلات حول مخاطر الارتهان لمنصه واحده مع تزاید ارتباط البیانات والخدمات بها (بیکسابی) من الاعتماد إلى الارتهان
لکن کلما أصبح الوکیل الذکی أکثر حضورا فی تفاصیل الحیاه الیومیه، ازدادت کلفه الاستغناء عنه، وهو ما یثیر تساؤلات حول إمکانیه تحول الاعتماد التدریجی إلى شکل جدید من الارتهان الرقمی. فکلما تراکمت البیانات والتفضیلات وسجل التفاعلات داخل منظومه واحده، أصبح الانتقال إلى مزود آخر أکثر تعقیدا، سواء بالنسبه للمستخدمین أو للمؤسسات.
ویرى الأسود أن الحد من هذا الخطر لا یتحقق برفض الوکلاء الأذکیاء، وإنما ببناء منظومه متکامله من الضمانات التقنیه والتنظیمیه. ویشیر إلى أن أول الضمانات یتمثل فی تعزیز قابلیه التشغیل البینی بین المنصات، بما یتیح للمستخدم نقل بیاناته وتفضیلاته وسجل تفاعلاته بسهوله من وکیل إلى آخر، إلى جانب دعم النماذج مفتوحه المصدر، بما یوسع الخیارات المتاحه ویحد من هیمنه عدد محدود من الشرکات على هذا السوق.
ویضیف أن القضیه لا تقتصر على المستخدمین الأفراد، بل تمتد إلى المؤسسات والدول، وهو ما یفسر تنامی الاهتمام بمفهوم الذکاء الاصطناعی السیادی، الذی یقوم على تطویر نماذج ووکلاء یراعون متطلبات الخصوصیه والأمن والسیاسات الوطنیه، بدل الاعتماد الکامل على منصات تطورها شرکات عالمیه.
ویؤکد الأسود أن هذه الضمانات ینبغی أن تترافق مع أطر تنظیمیه تکفل شفافیه القرارات التی تتخذها الوکلاء الأذکیاء، وتضمن للمستخدم حق التحکم ببیاناته ونقلها بین الخدمات المختلفه، حتى لا یتحول النموذج الذی تراهن علیه شرکات الذکاء الاصطناعی الیوم إلى وسیله لترسیخ الاحتکار الرقمی، بدلا من أن یکون أداه تمنح المستخدم مزیدا من الکفاءه والمرونه.
بالنهایه، یبدو أن المنافسه فی عصر الذکاء الاصطناعی الوکیلی لن تحسم بمن یطور النموذج الأکثر قدره، بل بمن ینجح فی أن یصبح الوسیط الدائم بین المستخدم والعالم الرقمی. وإذا کان العقد الماضی قد شهد صراعا محموما على کسب انتباه المستخدم، فإن العقد القادم قد یشهد سباقا على اعتماده الیومی، بحیث تصبح الثقه والقدره على التفویض رأس المال الجدید فی الاقتصاد الرقمی.
وبینما تعد الوکلاء الأذکیاء بجعل الحیاه أکثر سهوله وکفاءه، یبقى السؤال المطروح هو ما إذا کان اقتصاد الاعتماد سیمنح المستخدم مزیدا من الحریه والفاعلیه، أم سیخلق شکلا جدیدا من التبعیه الرقمیه یصعب الفکاک منه.
المصدر: الجزیره