وکاله آریا للأنباء - حذر باحثون من أن التسارع غیر المسبوق فی وتیره الحیاه الحدیثه یفوق قدره الدماغ والجسم على التکیف، ما یخلق ما یعرف بـ"التناقض التطوری"، الذی قد ینعکس سلبا على الصحه النفسیه والجسدیه.
وأوضح الدکتور خوسی یونغ، من جامعه جیمس کوک فی سنغافوره والمؤلف الرئیسی للدراسه، أن هذا "التناقض التطوری" یعود إلى الانتقال السریع – بمقاییس التطور البشری – من حیاه الصید وجمع الثمار فی مجموعات صغیره مترابطه إلى العیش فی مدن مکتظه تعتمد على التکنولوجیا الحدیثه.
وأشار إلى أن البشر أمضوا أکثر من 99% من تاریخهم التطوری فی بیئات طبیعیه ومجتمعات صغیره قائمه على روابط القرابه، بینما حدث التحول إلى الحیاه الحضریه خلال فتره قصیره جدا، لم تمنح الدماغ والجسم الوقت الکافی للتکیف مع هذا الواقع الجدید.

دوله عربیه فی المرکز الثانی!.. دراسه أمریکیه تصنف الدول حسب النرجسیه
ولشرح الفکره، شبّه یونغ البشر بحشره العثه التی لم تتکیف غرائزها مع ظهور المصابیح الکهربائیه، فتنجذب إلیها حتى تهلک، رغم أن هذا السلوک لم یعد یخدم بقاءها. وبالمثل، فإن الاستجابات الغریزیه للتوتر والصراع والضغط الاجتماعی، التی تطورت عبر مئات آلاف السنین، لم تعد ملائمه للحیاه الحدیثه، بل قد تصبح فی کثیر من الأحیان مصدرا للمشکلات.
وأضاف أن هذا التناقض یظهر بوضوح فی الحیاه الاجتماعیه، إذ یعیش الإنسان المعاصر وسط آلاف الغرباء، ویتعرض باستمرار لمقارنات اجتماعیه واقتصادیه، بینما تضاعف منصات التواصل الاجتماعی من حده هذه المقارنات.
ویرى الباحث أن هذا الواقع یخلق حلقه مفرغه؛ فالتفاوت فی الثروه والمکانه یغذی المنافسه، والمنافسه بدورها تعمق هذا التفاوت. ویطلق على هذه الفکره اسم "فرضیه التناقض الاجتماعی التطوری والمنافسه" ، معتبرا أنها قد تفسر تزاید مشکلات مثل الاضطرابات النفسیه، والإجهاد المعرفی، والانعزال الاجتماعی، والاکتئاب، وحتى ارتفاع خطر السلوکیات الانتحاریه.
وأضاف الفریق البحثی أن هذا التناقض قد یسهم أیضا فی انخفاض معدلات الإنجاب فی المجتمعات الحدیثه، نتیجه انشغال الأفراد بالمنافسه على المکانه والموارد بدلا من تکوین الأسر وبناء علاقات مستقره.

حاسه سادسه فی جسمک تؤثر على حیاتک الیومیه ولا تعرفها!
ولفت الباحثون إلى أن التغیرات لم تقتصر على الجانب الاجتماعی، بل شملت البیئه المحیطه أیضا، حیث استبدلت المدن المزدحمه بالطبیعه، وتغیر النظام الغذائی بصوره جذریه خلال القرنین الماضیین مع انتشار الأطعمه فائقه المعالجه. وترتبط هذه التحولات بعدد من الآثار الصحیه، منها اضطراب الإیقاع البیولوجی بسبب الإضاءه الاصطناعیه، وانخفاض النشاط البدنی، وارتفاع معدلات قصر النظر لدى الأطفال نتیجه قله التعرض للهواء الطلق.
وأشاروا کذلک إلى أن العالم یعیش الیوم ما وصفوه بـ"عصر الأزمات المتعدده"، حیث تتداخل الأزمات البیئیه والاقتصادیه والسیاسیه، فیغذی کل منها الآخر، ما یزید من صعوبه مواجهتها.

النمیمه لیست عاده سیئه.. بل میزه تطوریه تعزز الرغبه فی الإنجاب!
وحذر الباحثون من أن استمرار الاعتماد على سلوکیات کانت مفیده فی الماضی، لکنها لم تعد تناسب البیئه الحالیه، قد یقود إلى ما یسمى "الفخ التطوری" ، حیث تتحول الغرائز القدیمه إلى عامل یفاقم المشکلات بدلا من حلها.
ورغم ذلک، أکدوا أن الحد من آثار هذا التناقض ممکن، من خلال إعاده تصمیم المدن لتکون أکثر ارتباطا بالطبیعه وأقل ازدحاما، وتشجیع قضاء وقت أطول فی البیئات الطبیعیه، وإعاده النظر فی تصمیم منصات التواصل الاجتماعی بما یقلل من ثقافه المقارنه والمنافسه. ویرى الباحثون أن إدراک هذه المشکله یمثل الخطوه الأولى نحو بناء بیئه أکثر انسجاما مع طبیعه الإنسان.
نشرت الدراسه فی مجله Behavioural Sciences.
المصدر: دیلی میل