وکاله آریا للأنباء -
تونس- بعد 5 سنوات من إعلان الرئیس قیس سعیّد الإجراءات الاستثنائیه فی 25 یولیو/تموز 2021، تبدو حصیله الاقتصاد التونسی مرکبه؛ إذ تؤکد السلطات أنها نجحت فی تجنیب البلاد الانهیار المالی والحفاظ على التوازنات الاقتصادیه الکبرى، بینما تشیر مؤشرات أخرى إلى استمرار هشاشه النمو والاستثمار والتشغیل، وتراجع القدره الشرائیه.
ففی ذلک التاریخ، أعلن سعیّد تجمید اختصاصات البرلمان وإقاله الحکومه، قبل أن تتوسع الإجراءات لاحقا لتشمل تغییر النظام السیاسی، ضمن خطاب اقتصادی یقوم على استعاده القرار الوطنی، ومکافحه الفساد، وإعاده بناء الاقتصاد.
وبعد مرور 5 سنوات، یبرز سؤال رئیسی: هل دخل الاقتصاد التونسی مرحله التعافی فعلا، أم أنه نجح فقط فی إداره الأزمه دون معالجه اختلالاتها الهیکلیه؟
نمو اقتصادی لکنه دون مستوى الإقلاع
تشیر تقدیرات الحکومه الوارده فی قانون المالیه لعام 2026 إلى أن الاقتصاد التونسی حقق نموا بنحو 2.5% خلال عام 2025، بعد سنوات من الأداء الضعیف، فیما تتوقع السلطات استمرار التحسن خلال العام الجاری بدعم من انتعاش السیاحه والفلاحه وبعض الصناعات التصدیریه.
لکنّ الخبیر الاقتصادی معز حدیدان یرى أن هذا التحسن لا یعکس تحولا هیکلیا فی الاقتصاد.
وقال للجزیره نت إن متوسط النمو خلال السنوات العشر الماضیه لم یتجاوز نحو 1%، معتبرا أن نسبه 2.5% المسجله فی عام 2025 "تبقى ضعیفه ولا تسمح بإحداث نقله اقتصادیه حقیقیه".
وأضاف أن نحو 40% من النمو المسجل خلال عام 2025 جاء نتیجه الموسم الاستثنائی لإنتاج زیت الزیتون، ما یجعل الأداء الاقتصادی مرتبطا بعوامل ظرفیه أکثر من ارتباطه بإصلاحات هیکلیه أو تحسن دائم فی مناخ الأعمال.
ویرى حدیدان أن الاقتصاد التونسی سیظل، فی غیاب إصلاحات عمیقه، یدور فی نطاق نمو یتراوح بین 2% و3% سنویا، وهی مستویات لا تکفی لاستیعاب الوافدین الجدد إلى سوق العمل أو تحسین مستویات الدخل بصوره ملموسه.

تراجع القدره الشرائیه للمواطنین فی مقابل ارتفاع مطرد فی الأسعار وثبات الأجور (الجزیره) التضخم یتراجع لکنّ الأسعار لا تنخفض
تستند الحکومه إلى تراجع التضخم باعتباره أحد أبرز مؤشرات نجاحها الاقتصادی، بعد أن بلغ مستویات قیاسیه خلال السنوات الماضیه.
فقد سجل التضخم ذروته عند 10.4% فی فبرایر/شباط 2023، قبل أن یتراجع تدریجیا إلى 5.3% خلال عام 2025، وفقا لبیانات المعهد الوطنی للإحصاء.
غیر أن هذا التراجع، بحسب کثیر من المواطنین، لم ینعکس على حیاتهم الیومیه.
ویفسر حدیدان ذلک بأن انخفاض التضخم یعنی تباطؤ وتیره ارتفاع الأسعار، ولیس تراجعها، موضحا أن الأسعار تراکمت خلال السنوات الخمس الماضیه بما یقارب 40%، وهو ما یفسر استمرار شعور الأسر بغلاء المعیشه رغم تحسن المؤشر الرسمی.
وأکد أن السیطره على التضخم تمثل مؤشرا إیجابیا على صعید الاستقرار النقدی، لکنها لا تتحول تلقائیا إلى تحسن فی القدره الشرائیه ما لم تترافق مع نمو اقتصادی قوی، وارتفاع فی الإنتاجیه والأجور.
تجنب التعثر المالی
خلال السنوات الخمس الماضیه، جعلت السلطات من سداد الدیون الخارجیه وعدم اللجوء إلى إعاده جدولتها أحد أبرز مؤشرات نجاحها الاقتصادی.
ورغم تعثر المفاوضات مع صندوق النقد الدولی ، واصلت تونس الوفاء بالتزاماتها المالیه، مع الاعتماد بصوره أکبر على الاقتراض الداخلی.
وتشیر التقدیرات الرسمیه إلى تراجع الدین العمومی إلى نحو 82% من الناتج المحلی الإجمالی خلال عام 2025، مقابل نحو 85% فی عام 2024، فیما تستهدف الحکومه مواصله خفضه تدریجیا.
لکنّ خبراء یرون أن هذا الاستقرار تحقق بکلفه مرتفعه، إذ لا تزال خدمه الدین تستحوذ على جزء کبیر من نفقات الدوله، بما یقلص الموارد المخصصه للاستثمار العمومی والتنمیه.

الوضع الاقتصادی بات المحرک الأبرز للتحرکات الاحتجاجیه فی تونس (الجزیره) استمرار مشکله البطاله
على الصعید الاجتماعی، لم تشهد سوق العمل تغیرا جوهریا خلال السنوات الخمس الماضیه.
فقد بلغت نسبه البطاله 15.3% خلال الربع الأول من عام 2025، مقابل 16.2% خلال الفتره نفسها من عام 2021، بحسب بیانات المعهد الوطنی للإحصاء.
ورغم هذا التحسن المحدود، لا تزال بطاله الشباب وحاملی الشهادات العلیا من بین الأعلى فی المنطقه، ولا سیما فی المحافظات الداخلیه.
ویرى خبراء أن المشکله لا ترتبط فقط بعدد العاطلین عن العمل، بل أیضا بطبیعه النمو الاقتصادی ، الذی یعتمد على قطاعات ذات قیمه مضافه محدوده، ولا یوفر فرص عمل کافیه.
تراجع القدره الشرائیه
ورغم تحسن عدد من المؤشرات الکلیه، تبقى القدره الشرائیه المعیار الأکثر حضورا فی تقییم المواطنین للوضع الاقتصادی.
وقال رئیس منظمه إرشاد المستهلک لطفی الریاحی للجزیره نت إن الحد من ارتفاع الأسعار یتطلب تحدید سقوف لهوامش الربح فی عدد من القطاعات، إلى جانب رقمنه مسالک التوزیع وتشدید الرقابه على المخالفات.
أما المواطن سالم، فیرى أن "القدره الشرائیه تراجعت بشکل کبیر"، مضیفا أن الزیادات الأخیره فی الأجور "لم تکن بمستوى ارتفاع الأسعار"، وأن غیاب المشاریع الجدیده أفقد کثیرا من المواطنین الثقه فی تحسن الأوضاع.
فی المقابل، قال المتقاعد منیر للجزیره نت إن أکثر ما یرهقه الیوم هو ارتفاع کلفه العلاج، مضیفا "أصبحت غیر قادر على توفیر احتیاجاتی الأساسیه، وحتى اقتناء الأدویه أصبح أمرا صعبا".

رغم تراجع نسب التضخم بقی التحسن غیر ملموس لدى المواطنین (الجزیره) بین إداره الأزمه والإصلاح
وتکشف حصیله السنوات الخمس الماضیه صوره مزدوجه للاقتصاد التونسی؛ فمن جهه، نجحت الدوله فی الحفاظ على الاستقرار المالی وتجنب التعثر فی سداد دیونها، کما تراجعت معدلات التضخم وتحسن النمو مقارنه بالسنوات السابقه.
لکن، من جهه أخرى، لا تزال البطاله مرتفعه، والاستثمار دون المأمول، بینما یواصل المواطنون مواجهه تآکل قدرتهم الشرائیه بفعل الارتفاع المتراکم للأسعار.
وبینما تؤکد السلطات أن البلاد تجاوزت أخطر مراحل الأزمه، یرى اقتصادیون أن الاختبار الحقیقی یبدأ الآن، مع الحاجه إلى إصلاحات هیکلیه قادره على تحویل الاستقرار المالی إلى نمو مستدام ینعکس على التشغیل والدخل ومستوى معیشه التونسیین.
المصدر: الجزیره