وکاله آریا للأنباء - عرض تمثیلی لتجاره البشر عبر الأطلسی فی قلعه کریستیانسبورغ المرکز السابق لتجاره الرقیق (رویترز)
عندما تتجول فی شوارع باریس الأنیقه، أو تقف أمام ناطحات السحاب فی نیویورک، أو تتأمل قصور لندن ، قد تبدو الحضاره الغربیه ثمرهً خالصه للتنویر والعمل والعلم. لکن، وراء هذه الواجهه تاریخٌ آخر: مزارع وسفن وموانئ ومصارف بُنی جانب من ازدهارها على استغلال البشر والثروات المستعمَره.
فی 23 أغسطس/آب من کل عام، یحیی العالم الیوم الدولی لذکرى تجاره الرقیق عبر الأطلسی. لم یُخترع هذا التاریخ عبثاً؛ ففی لیله 22 إلى 23 أغسطس/آب 1791، اشتعلت فی "سانت دومینغ" (هایتی الیوم) انتفاضه عبید ستتحول إلى واحده من أهم الثورات المناهضه للاستعباد فی التاریخ. ولم تکن مجرد تمرد محلی، بل کانت زلزالاً سیاسیاً وأخلاقیاً هزّ منظومه المزارع الاستعماریه وأسهم فی تسریع مسار القضاء على تجاره الرقیق.
الیوم، لا یهدف هذا الإحیاء لتسجیل مأساه فی کتب التاریخ، بل لمساءله الحاضر وفهم جذور الثروه الغربیه. وتتحدث الأمم المتحده عن أکثر من 15 ملیون ضحیه لهذه التجاره، فیما تقدّر قاعده بیانات تجاره الأطلسی أن نحو 12.5 ملیون أفریقی أُجبروا على الصعود إلى سفن الرقیق، ولم ینجُ من رحله العبور سوى قرابه 10.7 ملایین.
الجذور.. القسطنطینیه و"البضاعه البشریه"
بدأت قصه الاستعباد الممنهج إبان محاولات الأوروبیین استغلال القاره الأفریقیه بحثاً عن طرق بدیله نحو الهند وأسواق التوابل الشرقیه. وتشیر الدراسات إلى أن اللحظه المفصلیه وقعت عقب فتح المسلمین للقسطنطینیه منتصف القرن الـ15، إذ وجد الأوروبیون أنفسهم مضطرین لإطلاق حملات استکشافیه عبر المحیطات.
وقد استعان الأوروبیون آنذاک بما اکتسبوه من خبرات مسلمی الأندلس فی صناعه السفن ورکوب البحر، وهو ما یفسّر التفوق المبکر للإسبان والبرتغالیین. لکن هذه الاستکشافات سرعان ما تحولت إلى أضخم عملیه نهب منظم غدت فیها أفریقیا مجرد مستودع مفتوح لـ "البضاعه البشریه" لتزدهر تجاره الرقیق لأکثر من 4 قرون، رابطـهً بین سواحل أفریقیا وأوروبا والأمریکیتین.

الأرقاء الأفارقه أکثر المهاجرین من العالم القدیم عدداً بکل من أمریکا الشمالیه والجنوبیه قبل أواخر القرن الـ18 (غیتی) الإنسان کـ"وثیقه تأمین"
لم تکن تجاره الرقیق عبر الأطلسی انحرافاً أخلاقیاً عابراً، بل کانت نظاماً اقتصادیاً حوّل الإنسان إلى رقم، والروح إلى "حموله" والجسد إلى بند فی دفتر الأرباح والخسائر.
وتکشف مذبحه سفینه "زونج" البریطانیه عام 1781 هذا المنطق بوحشیه نادره. عندما ألقى طاقم السفینه أکثر من 130 أفریقیاً مستعبَداً فی المحیط أحیاء. ثم لم تُناقش القضیه أمام القضاء بوصفها قتلاً جماعیاً، بل کـ "دعوى تأمین" تقدّم بها المالکون للحصول على تعویض عن "الحموله" التی فقدوها. حین یصبح القتل مسأله تعویض مالی، لا یعود الإنسان إنساناً فی منطق السوق بل یصبح أصلاً قابلاً للاستبدال.
تناقض التنویر
رفعت أوروبا شعارات الحریه والإخاء والمساواه، لکنها لم تمنح هذه الکلمات المعنى نفسه داخل المستعمرات. ففی الوقت الذی أقرّت فیه فرنسا إعلان حقوق الإنسان والمواطن عام 1789، استمر الاستعباد فی مستعمراتها. وقد أُلغی رسمیاً عام 1794، قبل أن تعید سیاسات نابلیون عام 1802 تکریس العبودیه فی بعض المستعمرات.
ولیست القضیه أن کل مفکری التنویر دافعوا عن العبودیه، فقد وُجد من عارضها. لکن التناقض یظل صارخاً: مؤسسات تتحدث عن العقل والحقوق، وتنتفع فی الوقت نفسه من اقتصادٍ یسلب ملایین البشر حریتهم.
ولا یصح تفسیر الثوره الصناعیه بالعبودیه وحدها، لکن من الخطأ أیضاً فصل التصنیع الأوروبی عن اقتصاد المزارع الاستعماری والقطن والسکر والتبغ، وعن الثروات التی راکمتها التجاره العابره للمحیطات، کما لم تنبت الرفاهیه دائماً من العمل الحر، فجزء کبیر منها ارتوى من عرقٍ مسروق.

عبید یقطفون القطن فی مزرعه عام 1800(من أرشیف هولتون-غیتی) "المهمه الحضاریه" غطاء للمجازر
شهد القرن الـ19 تصاعداً فی تدویل خطاب مکافحه تجاره الرقیق، بدءاً من مؤتمر فیینا (عام 1815) مروراً بمؤتمر برلین (عام 1884-1885) وصولاً إلى مؤتمر بروکسل (عام 1890). لکن المفارقه أن لغه "المهمه الحضاریه" ومکافحه الرق لم تمنع التوسع الاستعماری الأوروبی، بل تزامنت معه واستُخدمت لتجمیل السیطره على الأرض والإنسان.
وأبرز مثال على هذا النفاق الدولی هو قیام "دوله الکونغو الحره" عام 1885 تحت الحکم الشخصی للملک البلجیکی لیوبولد الثانی. وتحولت هذه الدوله تحت غطاء "التحضّر" إلى نظام قاسٍ لاستخراج المطاط والعاج بالعمل القسری والعنف.

تمثال للملک لیوبولد الثانی وهو شخصیه مثیره للجدل فی تاریخ بلجیکا بمدینه غنت (رویترز) ولا یملک المؤرخون رقماً نهائیاً لضحایا الکونغو بسبب غیاب السجلات، إلا أن بعض الدراسات تذهب إلى أن الانخفاض السکانی بین عام 1880 و1920 بلغ الملایین، وربما اقترب، وفق تقدیرات مرتفعه، من 10 ملایین إنسان، لتأتی لاحقاً اتفاقیات عصبه الأمم (عام 1926 و1956) فی محاوله متأخره لقمع الرق وتوسیع الحمایه القانونیه.
من القطن إلى الکوبالت
تغیّرت الأدوات الآن، لکن سؤال الاستغلال لم یختفِ. فی الکونغو الدیمقراطیه ذاتها، حیث تتنافس قوى دولیه على الکوبالت والمعادن الإستراتیجیه، وثّقت منظمات دولیه وجود عماله أطفال وظروف خطره فی بعض مواقع التعدین الحرفی. ویصل هذا الکوبالت فی النهایه إلى سلاسل تورید البطاریات والهواتف والأجهزه الإلکترونیه الحدیثه.
ولا یعنی ذلک أن کل هاتف صُنع بید طفل، ولا أن کل تعدین هو استعباد. لکنه یعنی أن المستهلک لا یملک براءه تلقائیه، وأن "التحول الأخضر" لا یصبح أخلاقیاً لمجرد أنه یحمل شعار البیئه.
والمعرفه هنا لیست ترفاً. إنها تحرر من الانبهار الأعمى، ومن قبول موقعنا کسوقٍ لمنتجات الآخرین أو مخزنٍ لموادهم الخام. ولا نحتاج إلى تقدیس الغرب، ولا تزویر تاریخنا.
المصدر: الجزیره