
وکاله آریا للأنباء -
یواجه الاقتصاد السودانی انهیارا غیر مسبوق منذ اندلاع الحرب فی أبریل/نیسان 2023، إذ لم تعد المعرکه تقاس بما خلفته من دمار وضحایا فحسب، بل بات الاقتصاد نفسه أحد أکبر ساحاتها.
ویواصل الاقتصاد انکماشه وسط تراجع الإنتاج وتدهور قیمه العمله وتعطّل قطاعات الصناعه والزراعه والتجاره والنقل، کما أدت الحرب إلى اتساع دائره الفقر والنزوح وانعدام الأمن الغذائی، فیما تحول الذهب إلى أحد أبرز مکونات اقتصاد الحرب، لتتراکم کلفه اقتصادیه وإنسانیه قد یدفع السودان ثمنها لعقود.
وبحسب أحدث بیانات الجهاز المرکزی للإحصاء، فإن معدل التضخم سجل فی یولیو/تموز الماضی 41.61% متراجعا من 51.28% فی یونیو/حزیران. وأشارت البیانات إلى ارتفاع کلفه الأغذیه والمشروبات التی تستحوذ على أکثر من نصف إنفاق السودانیین، مما یزید الضغوط على القدره الشرائیه ویعمّق معاناه الأسر فی تأمین احتیاجاتها الأساسیه.
ورغم أن التضخم یسجل تراجعا "على الورق فقط"، إلا أن الأسعار تواصل الضغط على جیوب السودانیین الذین لم یعودوا یسألون متى تنتهی الحرب، بل کیف یمکنهم مواجهه یوم جدید مع غلاء یلتهم قدرتهم على تأمین أبسط احتیاجاتهم.
وقال مراسل الجزیره الطاهر المرضی إن انخفاض التضخم لا یعنی انخفاض تکلفه المعیشه، مشیرا إلى أن التضخم یقیس مستوى تغیر الأسعار ولیس مستوى الأسعار نفسها أو مستوى المعیشه.
وأضاف المرضی أن الأسعار التی ارتفعت فی أکثر من 600 سلعه لا تعود إلى الانخفاض، بل تظل مرتفعه أو تواصل الصعود، ما یؤثر بشکل مباشر على القدره الشرائیه للمواطنین، وخاصه ذوی الدخل المحدود.
الاقتصاد الریفی
وأوضح مراسل الجزیره أن الاقتصاد الریفی الذی یحاول النهوض لا یستطیع مقاومه ظروف الحرب الصعبه، مشیرا إلى أن السلع المنتجه فی کثیر من المواقع تواجه صعوبات کبیره بسبب ارتفاع تکالیف النقل والوقود.
وأکد المرضی أن المواطنین یعانون من ظروف اقتصادیه قاهره فی وقت لا تقوى فیه مرتباتهم على تلبیه احتیاجاتهم الأساسیه، وسط تساؤلات حول الآلیه التی یعتمد علیها الجهاز المرکزی للإحصاء فی قیاس التضخم، فی ظل أسعار لا تزال مرتفعه وتؤثر على القدره الشرائیه.
وفی السیاق، کشف تقریر أعده أمین الفقیه للجزیره عن أرقام اقتصادیه صادمه، إذ انکمش الناتج المحلی الإجمالی للسودان بنحو 30% فی عام 2023، وبنحو 14% إضافیه فی عام 2024 وفق البنک الدولی ، فیما قدرت خسائر الاقتصاد السودانی بنحو 6.5 ملیارات دولار من الناتج المحلی فی عام 2023 وحده، فی واحده من أشد الانکماشات الاقتصادیه فی التاریخ الحدیث، وفق تقدیرات برنامج الأمم المتحده الإنمائی .
ودفعت الحرب نحو 7 ملایین شخص إلى الفقر المدقع خلال عام واحد، وهبط متوسط دخل الفرد إلى مستویات تعود إلى العام 1992، وشمل الدمار المصانع وشبکات الکهرباء والمیاه والزراعه والتجاره والنقل، بینما تحول الذهب -أحد أهم مصادر النقد الأجنبی- إلى اقتصاد حرب تتداخل فیه التجاره الرسمیه مع التهریب، ما زاد من تعقید المشهد الاقتصادی.
وفی السیاق ذاته، یوضح التقریر أن عدد النازحین واللاجئین المرتبطین بالحرب تجاوز 11 ملیون شخص حتى أغسطس/آب 2024 بحسب بیانات الأمم المتحده، أما فاتوره الجوع فهی الأثقل، إذ یواجه أکثر من 19 ملیون سودانی انعداما حادا فی الأمن الغذائی ، فیما یتوقع أن یعانی نحو 825 ألف طفل دون الخامسه من سوء تغذیه حاد خلال العام الجاری، فی أزمه إنسانیه تهدد مستقبل البلاد بأسره.
تراجع خادع للتضخم
وانسجاما مع هذا الطرح، اعتبر العمید السابق لکلیه الدراسات الاقتصادیه بجامعه النیلین الدکتور عوض أحمد سلیمان الاحتفاء بتراجع التضخم قد یکون مؤشرا خادعا وغیر حقیقی، بسبب أن التضخم یقیس وتیره ارتفاع الأسعار ولا یقیس مستوى الأسعار بصوره عامه، وأوضح أن الأسعار ما زالت مرتفعه، وأن التباطؤ فی وتیره الارتفاع لا یعنی انخفاضا فی التکلفه الفعلیه للمعیشه.
ورأى سلیمان أن استحواذ الغذاء والمشروبات على النصیب الأکبر من إنفاق السودانیین -بنحو 50% من دخولهم- یعود إلى اعتماد السودان الکبیر على الواردات من السلع الاستهلاکیه ومدخلات الإنتاج، وأشار إلى أن الحرب وارتفاع التکلفه والتراجع الحاد فی قیمه العمله الوطنیه المرتبطه بالدولار، کلها عوامل تدفع الأسعار إلى الصعود فی غیاب إنتاج فعلی داخلی یبطئ من وتیره الانهیار.
وأکد المحلل الاقتصادی أن الحل الجوهری یکمن فی تحسین سعر صرف الجنیه السودانی، معتبرا أن أی تراجع فی التضخم دون معالجه أزمه العمله لا یعکس تحسنا حقیقیا فی الأوضاع، بل یعکس تراجعا فی القدره الشرائیه وتکیفا قسریا من المواطنین مع واقع اقتصادی قاس، یحد من أولویه شراء احتیاجاتهم الأساسیه.
ویخلص التقریر إلى أن الحرب لا تدمر واقع السودان فقط، بل تستهلک رأس ماله البشری وتدفع اقتصاده سنوات طویله إلى الوراء، وتحول کلفه الحرب الیوم إلى فاتوره تنمیه قد یدفعها السودانیون لعقود قادمه، فی مشهد یضع الاقتصاد السودانی أمام تحدیات وجودیه، بین انهیار العمله وارتفاع الأسعار وتآکل القدره الشرائیه، وسط أرقام رسمیه لا تعکس حجم المأساه على أرض الواقع.
وأدت الحرب المستمره فی السودان منذ أبریل/نیسان 2023 إلى انقسام مالی عمیق وأضرار هیکلیه، تجلت فی انهیار العمله المحلیه وارتفاع أسعار الصرف لمستویات غیر مسبوقه، وتسبب الصراع فی توقف الإنتاج الحیوانی والزراعی وتنامی "اقتصاد الحرب"، مما أدى إلى تدمیر 20% من الرصید الرأسمالی للبلاد وتفاقم الأزمات المعیشیه بنسب تضخم مرتفعه.
المصدر: الجزیره