وکاله آریا للأنباء - سکوت بیسنت أعلن یوم "إنزال" اقتصادی فی الحرب على إیران (رویترز)
قبل نحو سته أشهر بدأت الولایات المتحده وإسرائیل حربا على إیران لتحقیق مجموعه من الأهداف الإستراتیجیه، من بینها تغییر النظام فی طهران، والقضاء بشکل کامل على البرنامج النووی الإیرانی، لکن واشنطن أخفقت حتى الآن فی الوصول لهذه الأهداف، بل تسببت الحرب فی أضرار اقتصادیه واسعه، مع تعطل الملاحه فی مضیق هرمز ، والارتفاع الکبیر فی أسعار النفط والغاز.
ومن ثم، قررت الولایات المتحده التحول إلى الضغوط الاقتصادیه لإجبار إیران على الخضوع لما تریده، وأعلن وزیر الخزانه الأمریکی سکوت بیسنت بدایه هجوم اقتصادی غیر مسبوق، وصفه بأنه "یوم إنزال" اقتصادی، وأطلق على هذا الهجوم اسم عملیه "المنبوذ الاقتصادی" تعبیرا عن الهدف من العقوبات الأمریکیه، وهو خنق اقتصاد إیران وعزله عن الاقتصاد العالمی.
اقرأ أیضا
list of 4 items list 1 of 4 ترمب: المواجهه مع إیران ستستمر مهما تطلب الأمر list 2 of 4 وإن تجاوز الخطوط الحمر.. لماذا تفضل أمریکا هذا النوع من المفاوضین؟ list 3 of 4 الحرب والحصار یخنقان تجاره إیران والحدود البریه تخفف الخسائر list 4 of 4 العقوبات الأمریکیه على إیران.. ضغط اقتصادی أم حرب استنزاف طویله؟ end of list ویعد هذا التحول من العمل العسکری إلى الحرب الاقتصادیه "إقرارا بفشل الحرب فی تحقیق أهدافها"، حسب ما قالته صحیفه "إندبندنت" البریطانیه، على الرغم من أن الرئیس الأمریکی دونالد ترمب "لن یعترف أبدا" بهذا الفشل، وفق الصحیفه.
وتساءلت الصحیفه البریطانیه عن الجدوى أصلا من إطلاق الحرب الأمریکیه على إیران، بکل تکلفتها البشریه والمادیه، إذا کانت إداره ترمب ترى أنه یمکن تحقیق أهدافها بالضغوط المالیه.
ووصفت "إندبندنت" قرار الحرب بأنه "خطأ إستراتیجی"، إذ کانت نحو 20% من إمدادات النفط والغاز الطبیعی المسال تتدفق قبل الحرب بلا عقبات عبر مضیق هرمز، وهو ما تغیر عقب الحرب، علاوه على المخاطر التی تشکلها هجمات جماعه الحوثی المدعومه من إیران على ممر ملاحی آخر بالغ الأهمیه عبر مضیق باب المندب والبحر الأحمر .
ویبقى السؤال المطروح الآن هو مدى قدره واشنطن على تحقیق أهدافها فی إیران بالحرب الاقتصادیه بدلا من المواجهه العسکریه.

الحرب تسببت فی تعطل الملاحه بمضیق هرمز وارتفاع أسعار النفط (رویترز) التأثیر على إمدادات النفط
وفی هذا السیاق، تشیر إندبندنت إلى أهمیه إمدادات النفط من الشرق الأوسط عبر مضیق هرمز لعدد من الاقتصادات الکبرى فی آسیا، وأهمها الصین والیابان والهند ، الأمر الذی یعنی أن المزید من الضغوط على إیران ستسبب المزید من الاضطرابات فی أسواق النفط.
وواصلت الصین مشتریاتها من النفط الإیرانی رغم العقوبات الأمریکیه، إذ استوردت نحو نصف ملیون برمیل من خام إیران یومیا فی أغسطس/آب الجاری، وفقا لبیانات شرکه "کبلر" التی نقلتها صحیفه "وول ستریت جورنال" الأمریکیه.
ویزید الضغط الاقتصادی المتواصل على إیران من حاله عدم الیقین فی أسواق الطاقه، حسب ما قاله بریت إریکسون، مدیر شرکه "أوبسیدیان ریسک أدفایزرز" للاستثمار لمجله "بولیتیکو" الأمریکیه، مضیفا أن هذا الضغط یظهر أن إیران تسیطر فعلیا على مضیق هرمز، بخلاف ما تقوله إداره ترمب، ولهذا یتم الضغط علیها لتغییر سیاستها.
وأشار "بولیتیکو" إلى أن الهجوم الاقتصادی الذی أعلن عنه وزیر الخزانه الأمریکی بیسنت سیؤدی فی أحسن الأحوال إلى إطاله أمد الحرب، واستمرار الاضطراب فی أسواق الطاقه. وأما فی أسوأ الأحوال، وفق بولیتیکو، فقد تؤدی مساعی عزل إیران عن الاقتصاد العالمی إلى دفع قادتها لتصعید هجماتهم ضد البنیه التحتیه الحیویه للطاقه فی المنطقه.
وتجاوز سعر النفط من خام برنت القیاسی أزید من 89 دولارا للبرمیل فی معاملات أمس الخمیس، وقبلها تجاوز 90 دولارا فی نهایه معاملات الأسبوع الماضی، وهو مستوى أعلى بکثیر مما کانت علیه أسعار النفط قبل اندلاع حرب إیران (أقل من 72 دولارا).

الرئیس الإیرانی مسعود بزشکیان قال إن واشنطن لن تحقق شیئا من حربها الاقتصادیه على بلاده (رویترز) تاریخ طویل فی احتواء العقوبات
فی السیاق، أوضح روجر دیوان، نائب رئیس شرکه "إس آند بی جلوبال إنیرجی" فی مقابله مع مجله "بولیتیکو" أن النظام الإیرانی یمتلک تاریخا طویلا فی الصمود أمام العقوبات، فی ظل إدارات أمریکیه متعدده، وهو ما یعنی أن لدیه خبره کافیه للتعامل مع الضغوط الأمریکیه الإضافیه التی أعلنها الوزیر بیسنت.
ویرى دیوان أن المکاسب التی حققتها الضغوط الاقتصادیه الأمریکیه على إیران "ضئیله جدا"، بینما المخاطر التی تهدد البنیه التحتیه للطاقه فی المنطقه "مرتفعه جدا".
وکان الرئیس الإیرانی مسعود بزشکیان قد قال أول أمس الأربعاء إن "الولایات المتحده لن تحقق شیئا" من خلال العقوبات الجدیده التی أعلنتها، وذلک بحسب ما نقلت عنه وکاله أنباء "إیسنا" الإیرانیه.
وأضاف بزشکیان "لن تحقق أمریکا أی شیء بالضغوط الاقتصادیه فی هذه المرحله، تماما کما لم تتمکن من تحقیق أی شیء فی الحرب".
وکان أمین المجلس الأعلى للأمن القومی الإیرانی محسن رضائی قد هدد، فی منشور على منصه "إکس" الأحد الماضی، بأنه إذا استمرت الحرب الاقتصادیه، "فلن تُصدَّر قطره نفط واحده"، لا عبر مضیق هرمز ولا من أی مکان فی الخلیج.
تجنب المواجهه مع الصین
یبدو موقف الصین بالغ الأهمیه عند النظر إلى قدره الولایات المتحده على عزل اقتصاد إیران، وذلک لأن الصین تشتری نحو 90% من النفط الإیرانی، کما أن البنوک الصینیه تمکن إیران من شراء السلع الصینیه مقابل النفط، علاوه على القیام بتحویلات مالیه لطهران عبر إجراءات طویله للالتفاف على العقوبات الأمریکیه.
وسارعت بکین برفض حرب واشنطن الاقتصادیه على طهران، إذ قال المتحدث باسم الخارجیه الصینیه لین جیان "إن الحرب الاقتصادیه وسیاسه الضغوط القصوى لا تقدمان حلولا"، مضیفا أن مثل هذه الإجراءات "ستؤدی إلى تعطیل النظام الاقتصادی والمالی العالمی، والإضرار بالمصالح المشروعه لدول أخرى".
وفی هذا السیاق، نقل مرکز الأطلسی للدراسات، وهو مرکز أبحاث أمریکی، عن الخبیره الاقتصادیه مایا نیکولادزه أن "السؤال الأهم (بالنسبه للعقوبات الاقتصادیه) هو رد بکین"، مضیفه أنه تفصلنا أسابیع قلیله عن اجتماع ترمب ونظیره الصینی شی جین بینغ فی واشنطن.
وأوضحت نیکولادزه أنه، مع اقتراب انتهاء فتره الهدنه الأمریکیه الصینیه بشأن التعریفات الجمرکیه ، والتی أوقفت الرسوم الأمریکیه على الصین والحظر الصینی على تصدیر المعادن النادره منذ نحو عام، فإن أی تصعید اقتصادی من جانب الولایات المتحده قد یدفع الصین إلى اتخاذ إجراءات مضاده.
وتمتلک الصین أوراقا للرد على أی إجراءات أمریکیه تستهدف الشرکات والبنوک الصینیه التی تتعامل مع إیران، من أهمها سیطره بکین على صادرات المعادن النادره، وهی بالغه الأهمیه لقطاع التکنولوجیا والسیارات والصناعات العسکریه فی الولایات المتحده وفی العالم.
وقامت بکین بفرض حظر على تصدیر المعادن النادره ردا على قیام ترمب برفع الرسوم الجمرکیه على الواردات من السلع الصینیه، ثم قبلت بتأجیل هذه القیود بعد التوصل لاتفاق لتخفیض التعریفات الجمرکیه بشکل متبادل بین البلدین.
وإذا تجنبت الإداره الأمریکیه فرض عقوبات على البنوک الصینیه، وفضلت عدم تصعید المواجهه التجاریه مع الصین، بعد أن تراجعت عنها العام الماضی، فإن هذا یلقی بظلال من الشک على فاعلیه العقوبات الأمریکیه على إیران طالما تتجاهل الصین، الداعم الاقتصادی الأهم لها، خاصه مع الخبره الطویله التی تراکمت لدى طهران فی التعامل مع العقوبات الأمریکیه والتأقلم معها على مدى عقود.
ومن الواضح فی هذا السیاق أن هذه الحرب الاقتصادیه لن تقدم شیئا للمستهلک الأمریکی الذی یعانی من ارتفاع أسعار وقود السیارات منذ اندلاع الحرب، وتتوقع صحیفه "إندبندنت" البریطانیه أن تنعکس نتائج حرب إیران على الناخبین الأمریکیین خلال انتخابات التجدید النصفی للکونغرس فی نوفمبر/تشرین الثانی المقبل، إذ قد یعبرون عن خیبه أملهم من الحرب، وقد یتخذ الکونغرس بعد الانتخابات موقفا مختلفا منها.
المصدر: إندبندنت + الفرنسیه + بولیتیکو + نیویورک تایمز