
وکاله آریا للأنباء -
أکد رئیس البعثه الأممیه لتقصی الحقائق فی السودان محمد عثمان شاندی، أن الوضع فی السودان یشیر إلى ملامح کارثه غیر مسبوقه، حیث أعادت تکنولوجیا الأسلحه، ولا سیما الطائرات المسیره البعیده المدى، تشکیل ساحات المعارک.
وأضاف شاندی فی کلمه أمام مجلس حقوق الإنسان أن تقریر البعثه -الذی قدمه للمجلس- یسلط الضوء على استنتاجین رئیسیین مترابطین: أولا، کیف أعادت تکنولوجیا الأسلحه، ولا سیما الطائرات المسیره البعیده المدى، تشکیل ساحات المعارک، وثانیا، کیف تغذی هذه القدرات العسکریه من خلال الدعم الخارجی بالأسلحه والتکنولوجیا، واللوجستیات، والتدریب، والأفراد.
ویتزاید استخدام کل من القوات المسلحه السودانیه وقوات الدعم السریع للطائرات المسیره البعیده المدى، ما أسفر عن هجمات تمتد إلى ما هو أبعد من خطوط المواجهه التقلیدیه بعواقب مدمره على المدنیین.
نتیجه لذلک، تعرض المدنیون -کما أوضح شاندی- للأذى فی منازلهم ومدارسهم ومستشفیاتهم وأسواقهم ومواقع نزوحهم وأماکن لجوئهم، وأثناء حضورهم حفلات زفافا وجنازات وتجمعات مجتمعیه، فی نمط لا یمکن أن یقاس أثره بإحصاء الضحایا وحدهم، بل بالخدمات المفقوده والبنیه التحتیه المدمره والاضطراب المستمر فی الحیاه الیومیه.
رصد الاعتداءات
فی یولیو/تموز الماضی، کلف مجلس حقوق الإنسان البعثه بإجراء تحقیق عاجل فی مدینه الأبیض بولایه شمال کردفان، ورغم أن التحقیق لا یزال جاریا، فقد أثرت هجمات متکرره بطائرات مسیره لقوات الدعم السریع على الکهرباء والوقود، وغیرها من البنى التحتیه الرئیسیه، التی یعتمد علیها المدنیون فی الحصول على المیاه والرعایه الصحیه، ما یؤکد أن المخاطر لا تزال ماثله فی المدن الخاضعه لحصار جزئی.
ویوثق التقریر سلسله من الضربات "الموجعه"، ففی تالودی بولایه جنوب کردفان ، أدت ضربات متعاقبه على روضه أطفال ومستشفى إلى مقتل 114 شخص بینهم 60 طفلا، وأضرت بمن کانوا فی موقع الضربات الأولى وحاولوا مساعده الجرحى.
وفی الضعین بولایه شرق دارفور، أخرجت ضربات مستشفى الضعین التعلیمی عن الخدمه، ما أسفر عن مقتل 70 شخصا على الأقل، وحرمان أکثر من ملیونی شخص من الخدمات الصحه الأولیه.
وفی یابوس بولایه النیل الأزرق ، استهدفت هجمات بطائرات مسیره للقوات المسلحه السودانیه السوق الرئیسی والبنیه التحتیه للمیاه، فألحقت أضرارا بالمحال التجاریه والأسواق، مع سقوط نساء وأطفال بین القتلى والجرحى.
وفی السیاق ذاته، یوضح التقریر أن النساء والأطفال یتحملون العبء الأکبر، ففی الأبیض، علق مستشفى الولاده عملیاته بعد أن ألحقت ضربه قریبه بطائره مسیره أضرار بغرفه العملیات والصیدلیه، أما بالنسبه للأطفال، فإن تدمیر المدارس والمرافق الصحیه لا یؤثر على سلامتهم الیوم فحسب، بل على نموهم ورفاههم فی المستقبل.
واستنادا إلى الأدله التی جمعت، خلصت البعثه إلى وجود أسباب معقوله للاعتقاد بأن کلا من القوات المسلحه السودانیه وقوات الدعم السریع ارتکبت انتهاکات جسیمه لحقوق الإنسان والقانون الدولی الإنسانی ، قد ترقى إلى جرائم حرب.
الدعم الخارجی
وفیما یتعلق بالجهات المتورطه فی دعم الحرب، یشیر شاندی إلى وجود شبکه دعم خارجیه واسعه تغذی النزاع، حیث خلصت البعثه إلى وجود أسباب معقوله للاعتقاد بأن شبکه عابره للحدود الوطنیه تسهل العملیات العسکریه وتربط بین أفراد وکیانات فی تشاد وجنوب شرق لیبیا وبونتلاند فی الصومال، زودت نیالا ومناطق أخرى خاضعه لسیطره الدعم السریع بالأسلحه والمعدات والعتاد العسکری والمساعدات اللوجستیه عبر طرق جویه وبریه وبحریه.
وعلى المنوال ذاته، تشیر الأدله إلى تجنید عسکریین کولمبیین سابقین وتدریبهم ونشرهم لدعم قوات الدعم السریع، حیث أدوا أدوارا أساسیه فی عملیات الطائرات المسیره من خلال تشغیل الأنظمه وصیانتها وتدریب الأفراد، قبل السیطره على الفاشر وأثنائها، حیث وثق سلوک یحمل مؤشرات على حدوث إباده جماعیه ، کما جرى تحدید مقاتلین أجانب من جنوب السودان وتشاد وإثیوبیا.
وفی تباین واضح مع ما یتعلق بالدعم الخارجی لقوات الدعم السریع، لا یزال تحقیق البعثه فی الدعم الخارجی المقدم إلى القوات المسلحه السودانیه فی مراحله الأولى.
وتشدد البعثه على أن الدول تتحمل مسؤولیه لا تقتصر على الامتناع عن الإسهام فی الانتهاکات، بل تشمل اتخاذ تدابیر معقوله لمنعها حیثما وجد خطر واضح ومتوقع، وأن استمرار الدعم فی ظل الانتهاکات الثابته یثیر مخاوف جدیه قد تمتد المسؤولیه فیها إلى ما هو أبعد من مرتکبی الانتهاکات المباشرین لتشمل من ییسرونها أو یمکنون منها.
وتتضمن توصیات البعثه وقف هذه "الحرب العبثیه"، والامتثال الکامل للقانون الدولی، واتخاذ جمیع الاحتیاطات لحمایه المدنیین والأعیان المدنیه، کما تدعو الدول إلى وقف الدعم العسکری الذی قد یغذی الانتهاکات، والتحقیق بفاعلیه مع الأفراد والکیانات التی تقدم دعما غیر مشروع.
کما تدعو التوصیات إلى إنفاذ حظر تورید الأسلحه المفروض على دارفور، وتوسیعه لیشمل السودان بأکمله، وحفظ الأدله وإتاحتها لهیئات التحقیق والقضاء المستقله، وحمایه الضحایا والشهود، وضمان حصول الناجین على مساعده فوریه وجبر فعال.
والأهم منذ ذلک، تؤکد التوصیات على أن تمتد جهود المساءله على امتداد سلسله المسؤولیه الکامله، بما فی ذلک مرتکبو الجرائم الدولیه أو الآمرون بها أو الممولون أو المزودون أو المیسرون.
وفی السیاق، یعبر شاندی عن قلق عمیق حول تدهور بیئه التوثیق والمساءله، إذ لا یزال الناجون والشهود والصحفیون والمحامون والمدافعون عن حقوق الإنسان یواجهون الترهیب والمضایقه من جمیع أطراف النزاع، بما فی ذلک بسبب تعاونهم مع البعثه.
المصدر: الجزیره