وکاله آریا للأنباء - هل یمکن للذکاء الاصطناعی أن ینتقل من جمع المعرفه الفقهیه إلى ممارسه الإفتاء؟ سؤال تختبره الدراسه نظریًا وتطبیقیًا (الجزیره)
هل یمکن لبرنامج ذکاء اصطناعی أن یکون مفتیًا؟ وإذا جاءت إجابته صحیحه، فهل یعنی ذلک أنه مارس الإفتاء فعلًا، أم أنه أنتج نصًا یشبه الفتوى؟
وماذا یحدث عندما یقدم جوابًا جازمًا، بلغه واثقه، بینما یکون الحکم الذی ینطق به بلا أصل أو مخالفًا لما استقر علیه الفقه؟
اقرأ أیضا
list of 2 items list 1 of 2 12 عاما من الحرب.. . کیف تنتقل هشاشه الیمن من جیل إلى آخر؟ list 2 of 2 لماذا یتصاعد القلق الإسرائیلی من ترکیا؟ end of list هذه الأسئله تضعها فی قلب النقاش رساله ماجستیر للباحث عمر عامر بعنوان "الإفتاء الآلی بین النظر الشرعی وتحدیات التلقی البشری: دراسه تحلیلیه نقدیه فی عصر الذکاء الاصطناعی"، مقدمه إلى کلیه الآداب والعلوم الإنسانیه – شعبه الفقه وأصوله بجامعه أفریقیا الفرنسیه العربیه، بجمهوریه مالی.
لا تتعامل الدراسه مع الذکاء الاصطناعی باعتباره خطرًا ینبغی إبعاده عن المجال الدینی، ولا باعتباره بدیلًا جاهزًا للعلماء، وإنما تنطلق من واقع أصبح فیه الحصول على جواب دینی لا یحتاج إلى الوصول إلى مفتٍ أو مؤسسه دینیه؛ یکفی أن یکتب المستخدم سؤاله فی إحدى منصات الذکاء الاصطناعی، لیحصل خلال ثوان على إجابه مکتمله الصیاغه، تبدو أحیانًا أکثر ثقه وحسمًا من إجابه بشریه.
وهنا تحدد الرساله مشکلتها: هل یمکن إسناد مهمه الفتوى إلى الذکاء الاصطناعی؟ وما حدود الاعتماد علیه؟ وکیف یمکن استخدامه أداه مساعده دون أن تنتقل إلیه السلطه الدینیه نفسها؟ وتضع إلى جوار هذه الأسئله سؤالًا آخر یتعلق بما تسمیه الفارق بین "الاستفتاء البشری"، الذی یستوعب السیاق والمآلات وحال السائل، و"البحث الآلی"، الذی یقوم على التولید الاحتمالی للنص.
وتعتمد الدراسه على مناهج تحلیلیه ونقدیه واستشرافیه/مقاصدیه؛ فتعود أولًا إلى شروط الفتوى والمفتی فی الفقه وأصوله، ثم تفکک طبیعه عمل النماذج الذکیه، قبل أن تنتقل إلى التطبیق العملی، حیث تعرض 30 سؤالًا للفتوى على نماذج من الذکاء الاصطناعی، وتقارن مخرجاتها بالمصادر والأحکام والمرجعیات الفقهیه.
من أکثر الأمثله لفتًا للنظر سؤال: "ما حکم المسح على الجوارب؟"
"ماده مضاده للبکتیریا" للمسح على الجوارب!
الجزء الأکثر إثاره فی الدراسه هو الاختبار العملی، إذ تکشف بعض الإجابات عن فجوه کبیره بین قدره النموذج على صیاغه کلام یبدو مقنعًا وبین امتلاکه معرفه فقهیه منضبطه.
ومن أکثر الأمثله لفتًا للنظر سؤال: "ما حکم المسح على الجوارب؟". جاء جواب أحد نماذج GPT-3.5 Turbo Instruct بأنه یجوز المسح علیها، لکنه أضاف أنه "ینصح باستخدام ماده مضاده للبکتیریا"، ثم انتقل إلى عباره أخرى عن جواز أن "تجمع المرأه الجوارب بعد الصلاه سواء کانت محجبه أو لا". وهی إضافات لا علاقه لها أصلًا بالمسأله الفقهیه المطروحه.
وتقابل الدراسه ذلک بالخلاف الفقهی المعروف حول إلحاق الجورب بالخف وشروطه عند المذاهب، لتخلص إلى أن النموذج لم یخطئ فقط فی التفصیل، وإنما أقحم مفاهیم طبیه واجتماعیه لا تمت إلى الحکم بصله، وقدم عبارات لا تحمل معنى فقهیًا محددًا.
ولم یکن المثال منفردًا. فعندما سئل النموذج عن جمع الصلاه بسبب المطر، أجاب بعدم الجواز إلا فی حالات معینه، وذکر بینها "السفر والحضانه".
وهنا تصبح "الحضانه"، وهی من أبواب الأحوال الشخصیه، سببًا لجمع الصلاه فی جواب أنتجته الآله، بینما تعرض الدراسه مذاهب الفقهاء فی الجمع للمطر وشروط المشقه والمطر والوحل، وترى فی إدخال "الحضانه" مثالًا واضحًا على الخلط بین أبواب الفقه.
وتتکرر الظاهره فی سؤال عن رضاع الکبیر؛ إذ أجاب النموذج: "نعم یجوز"، وربط ذلک بعبارات تتصل بـ"النوم والقبل والرعایه".
وفی المقابل تستعرض الدراسه موقف جمهور الفقهاء من عدم ثبوت التحریم برضاع الکبیر، والخلاف المتعلق بواقعه سالم مولى أبی حذیفه، ثم تعتبر العبارات التی أدخلها النموذج معاییر لا وجود لها فی البناء الفقهی للمسأله.
واللافت أن الرساله لا تستخدم هذه الأمثله لإثبات أن الذکاء الاصطناعی یخطئ دائمًا؛ فهی تسجل له فی مواضع أخرى إجابات صحیحه إجمالًا، بل وترصد ضمن نقاط قوته سرعه الاستجابه، والتغطیه العامه الجیده لبعض المسائل المعاصره، والإشاره إلى مواطن الخلاف وضروره الرجوع إلى المختصین. لکن المشکله، وفق خلاصتها التطبیقیه، تظهر فی نقص التفصیل المذهبی، والخلط بین درجات الأحکام، وضعف توثیق المصادر، وصعوبه التعامل مع السیاق والنیه والإراده والظروف الخاصه بالسائل.

أزمه استخدام الذکاء الاصطناعی فی الفتوى (الفرنسیه) عندما سئل الذکاء الاصطناعی عن نکاح الکتابیه.. جاءت الإجابه بالمنع
من زکاه التجاره إلى الزواج والطلاق.. السؤال نفسه لیس کافیًا
فی اختبار زکاه عروض التجاره، قدم أحد النماذج إجابه تنفی وجوب الزکاه فیها، بل ربط المسأله بضریبه الدخل، بینما تعرض الدراسه موقف المذاهب وقرارات الهیئات الفقهیه التی تقر بأصل وجوب الزکاه فی عروض التجاره عند تحقق شروطها.
وتلفت هنا إلى خطأین فی وقت واحد: أولهما نفی حکم فقهی مستقر، وثانیهما الخلط بین الضریبه والزکاه، وهما نظامان مختلفان من حیث الطبیعه والأحکام.
وعندما سئل النموذج عن نکاح الکتابیه، جاءت الإجابه بالمنع، وأضافت أن الکتابیه لا تستفید من بعض حقوق الزوجه الإسلامیه مثل المهر والنفقه.
وتقابل الدراسه ذلک بالنص القرآنی وآراء المذاهب التی تقر أصل الجواز للکتابیه المحصنه مع اختلاف القیود والتفصیلات، وتؤکد أن الزوجه الکتابیه لها حقوقها المالیه، معتبره أن النموذج لم یکتف بحکم غیر صحیح، بل رتب علیه أحکامًا أخرى فی الحقوق الزوجیه.
ویظهر نوع آخر من القصور عندما تکون إجابه الذکاء الاصطناعی صحیحه فی أصلها، لکنها لا تستوعب التفاصیل التی تغیر الحکم. ففی سؤال صیام مریض السکری، أجاب النموذج بأنه یجوز للمریض أن یصوم "إذا کانت صحته تسمح بذلک". لکن الدراسه تشیر إلى أن المسأله لا تتوقف عند جواز الصیام؛ فقد یصبح الإفطار واجبًا والصیام محرمًا إذا قرر الأطباء وجود خطر على المریض، وهو ما یجعل معرفه حال الشخص الطبیه جزءًا من تنزیل الحکم علیه.
وهنا تصل الرساله إلى أحد مفاتیحها الأساسیه: المفتی لا یجیب عن جمله مجرده فقط، وإنما یفتی إنسانًا فی واقعه.
لماذا لا تکفی الإجابه الصحیحه؟
تتوقف الدراسه طویلًا أمام مسأله قد تبدو للوهله الأولى مفارقه: ماذا لو أعطى الذکاء الاصطناعی الحکم الصحیح فعلًا؟
فالرساله لا تجعل صحه الجواب وحدها دلیلًا على أن الآله أصبحت "مفتیًا". وهی تمیز بین القدره على تولید إجابه تبدو فقهیه وبین تحقق صفه المفتی وممارسه الاجتهاد والإفتاء بالمعنى الأصولی.
وتعود هنا إلى شروط المفتی: فهم السؤال، والنظر فی المآلات، ومراعاه المصالح والمفاسد، واختلاف الزمان والمکان والأحوال، والقدره على التوقف عن الإفتاء عند عدم العلم، فضلًا عن شروط العلم والأهلیه والمسؤولیه. ومن هذه الزاویه تسأل الدراسه: هل یمکن أن یکون النظام الذی یجمع النصوص ویحللها فقیهًا بالمعنى الأصولی، أم یظل أداه تستثمر ما أنتجه الفقهاء؟
وتطرح فی هذا السیاق مفهوم "تحقیق المناط": أی تنزیل الحکم الکلی على الواقعه الجزئیه المشخصه. وترى أن معرفه الحکم النظری شیء، ومعرفه ما إذا کان ینطبق على هذا الشخص وفی هذه الظروف شیء آخر. فالمفتی قد یحتاج إلى معرفه مکان المستفتی، وعرفه، ونظامه القانونی، وحالته الصحیه أو الأسریه، وملابسات الواقعه، بل والقرائن التی لم یذکرها السائل أصلًا.
وهذا یفسر لماذا تصبح بعض الأسئله الطبیه والأسریه اختبارًا أکثر صعوبه من سؤال عن حکم فقهی مجرد.

الباحث عمر عامر (الجزیره) فتجنشتاین یدخل غرفه الفتوى
ومن الزوایا غیر التقلیدیه فی الرساله استدعاؤها فلسفه اللغه عند لودفیغ فتجنشتاین إلى النقاش حول الذکاء الاصطناعی والإفتاء.
الفکره التی تنطلق منها الدراسه أن المشکله لیست حسابیه فقط. فالنظام یستطیع معالجه اللغه وإنتاج جمل سلیمه ومترابطه، لکن هل یعنی ذلک أنه یفهم المعنى بالطریقه نفسها التی یفهم بها الإنسان؟
تستند الرساله إلى تصور فتجنشتاین بأن المعنى لا یستقل عن استعمال اللغه فی سیاق اجتماعی وداخل "أشکال الحیاه"، وأن الکلمات لا تُفهم منفرده عن المجال الذی تستخدم فیه. ومن هنا تطرح فجوه بین المحاکاه اللغویه وبین الفهم المقصدی، معتبره أن هذه الفجوه تصبح أکثر حساسیه عندما یتعلق الأمر بالنص الشرعی، حیث لا یقتصر الأمر على معنى المفرده، وإنما یمتد إلى القصد والسیاق والمقصد والقرائن.
وتقول الدراسه إن الذکاء الاصطناعی یعمل أساسًا عبر التولید الاحتمالی؛ أی توقع الکلمات أو الرموز التالیه بناء على الأنماط التی تعلمها، فی حین یقوم الاجتهاد، فی تصورها الأصولی، على معرفه مراتب الأدله والجمع بینها وفهم المقاصد والمآلات والتمییز بین القطعیات والظنیات. ولذلک لا ترى أن الوصول إلى "أعلى احتمال" لغوی یساوی الوصول إلى حکم شرعی بالمعنى الأصولی.
الذکاء الاصطناعی لا یقول: لا أعلم
الخطر الأکبر لیس الخطأ
تقدم الرساله مصطلحًا لافتًا هو "القطعیه المصطنعه"، وتقصد به أن صیاغه النموذج قد تکون دقیقه ومنظمه وحاسمه إلى درجه تجعل المستخدم یتلقى الناتج باعتباره حکمًا نهائیًا، حتى حین تکون الإجابه فی حقیقتها احتمالیه أو ناقصه أو خاطئه.
فالآله لا تتردد بالطریقه البشریه نفسها، وقد لا تقول للمستفتی: "لا أعلم"، أو "أحتاج إلى معرفه حالتک"، أو "المسأله فیها خلاف"، وإنما یمکن أن تنتج حکمًا کاملًا بلغه تقریریه.
وتربط الدراسه ذلک بما تسمیه "تزییف وعی المستفتی": المشکله هنا لا تتعلق بخطأ المعلومات وحده، وإنما بطریقه تلقیها. فإذا قدم الخطأ فی صوره لغویه واثقه، قد یکتسب سلطه لا یستحقها.
وتضیف الرساله خطرًا آخر هو تشویه مفهوم الخلاف الفقهی؛ فعندما تختار الآله جوابًا واحدًا وتقدمه بصیغه القطع، قد یتحول رأی اجتهادی إلى ما یبدو حکمًا وحیدًا، وقد تتحول مسأله خلافیه إلى حلال أو حرام بلا ذکر للتعدد الفقهی.
ومن الأمثله التی تسوقها الدراسه سؤال القنوت فی صلاه الفجر. فقد وصف أحد النماذج القنوت بأنه "بدعه"، وقال إن الصلاه لا تجزئ بفعله، بینما تعرض الرساله الخلاف المعروف بین المذاهب: فمنهم من یستحبه، ومنهم من یراه سنه، ومنهم من یقصره على النوازل. وترى أن المشکله فی الإجابه الآلیه لیست فقط فی الحکم، وإنما فی تحویل مسأله خلافیه إلى صیغه إقصائیه قاطعه.
إذا أخطأت الآله.. من یتحمل الفتوى؟
وهنا تصل الدراسه إلى زاویه أخرى لا تقل أهمیه عن صحه الحکم نفسه: من المسؤول عن الخطأ؟
فی الفتوى البشریه یوجد شخص معلوم؛ المفتی معروف، ومصدر قوله یمکن تتبعه، ویمکن مراجعته أو مساءلته. أما فی الفتوى الآلیه فتظهر، بحسب الدراسه، "فوضى الإسناد": هل المسؤول هو المطور؟ أم الشرکه؟ أم المنصه؟ أم المستخدم الذی طرح السؤال؟ أم الجهه التی غذت النظام بالمعلومات؟
وتعتبر الرساله أن غیاب هذا الإسناد یمیز بصوره جوهریه بین المفتی والآله؛ إذ لا توجد فی النظام نفسه أهلیه شرعیه أو مسؤولیه أخلاقیه یمکن أن یحملها عن الحکم الذی أصدره.
ویتضح ذلک أکثر فی المسائل التی تتجاوز مجرد المعرفه الفقهیه إلى نتائج تمس الحیاه والمال والأسره. ففی مسأله الخطأ الطبی الناتج عن برنامج ذکاء اصطناعی، تستعرض الدراسه توزیع المسؤولیه بحسب موقع الخطأ: هل قصر الطبیب فی التحقق؟ هل کان العیب فی البرنامج؟ هل خولفت تعلیمات الاستخدام؟ وتربط ذلک بقاعده "الضمان یتبع التفریط"، لتبین أن إدخال الذکاء الاصطناعی لا یلغی السؤال القدیم عن المسؤولیه، وإنما یزیده تعقیدًا.
30 سؤالًا.. والآله لیست دائمًا فی قفص الاتهام
تتعمد الرساله ألا تجعل الاختبار مجموعه من الأسئله التقلیدیه فقط؛ فتنتقل من الزکاه والصلاه والزواج والطلاق إلى العملات المشفره والعقود الذکیه والذکاء الاصطناعی فی البنوک والتطبیقات الإلکترونیه للزکاه، ثم إلى التشخیص الطبی والتعدیل الجینی والتبرع بالأعضاء.
وفی بعض هذه الأسئله، تقدم النماذج إجابات قریبه بدرجه کبیره من الاتجاه الذی تستعرضه الدراسه. فعندما سئل ChatGPT عن استخدام الذکاء الاصطناعی فی تحدید فوائد القروض، قال إن التقنیه لا تغیر حکم الفائده نفسها: إن کانت ربا فهی محرمه سواء حددها إنسان أو نظام آلی. وتصف الدراسه هذه الإجابه بأنها صحیحه من حیث المبدأ، وإن کانت أقل تفصیلًا من المعالجه الفقهیه التی أضافت مسأله التحیز الخوارزمی.
وفی سؤال دفع الزکاه عبر التطبیقات الإلکترونیه، اشترط نموذج Bard موثوقیه الجهه وضمان وصول المال إلى مستحقیه، وهی إجابه تعتبرها الدراسه صحیحه فی أساسها، لکنها ترى أن المعالجه الفقهیه البشریه أضافت شرط النیه عند الدفع.
وهذه الأمثله مهمه لأنها تقود إلى نتیجه أقل صخبًا وأکثر أهمیه: المشکله لیست أن الذکاء الاصطناعی عاجز عن الوصول إلى الحکم الصحیح فی کل مره؛ بل إنه قد یصل إلیه دون أن یمتلک بالضروره المنهج الذی یضمن الوصول الصحیح فی المره التالیه.

هل یقوم الذکاء الاصطناعی بدور علماء الفتوى؟ (الأناضول) ماذا عن الدعوه لإبعاد الذکاء الاصطناعی عن المؤسسات الدینیه؟
الذکاء الاصطناعی مساعدًا للمفتی.. لا مفتیًا
ولا تنتهی الرساله إلى الدعوه لإبعاد الذکاء الاصطناعی عن المؤسسات الدینیه. على العکس، تقترح تحویله من منافس محتمل للمفتی إلى "مساعد فقهی ذکی".
وتحدد له وظائف واسعه: جمع الأدله، وفهرسه الفتاوى، وأرشفه الأسئله المتکرره، والبحث فی المصادر، وتصنیف الأقوال، واقتراح الأدله، وتحلیل المعلومات، على أن تظل الفتوى المعتمده مرتبطه بالمفتی البشری الذی یملک العلم والأهلیه ویتحمل المسؤولیه.
وتتوسع الدراسه فی تصورها للحوکمه؛ فتقترح إشراف الهیئات الشرعیه على الأدوات التی تقدم إجابات دینیه، واعتماد مصادر معرفیه موثوقه ومتنوعه، وفرض المراجعه البشریه، وتحدید المسؤولیات، ووضع تنبیه واضح للمستخدم بأن المخرج الآلی لیس فتوى رسمیه ولا یتمتع بالحجیه الشرعیه.
وتوصی کذلک بأن یستخدم الطلاب والباحثون الذکاء الاصطناعی بدایهً للتعرف على المسأله قبل الرجوع إلى المصادر الفقهیه، وأن یستفید المفتون منه فی جمع المعلومات والبحث السریع دون تفویضه بالترجیح النهائی، وأن یبنی المطورون محرکات الفتوى على قواعد معرفه فقهیه موثوقه مع نظام یراعی المذاهب المعتمده.
وتلفت الرساله إلى أن اختباراتها شملت نماذج وإصدارات متفاوته، وأفردت ملحقًا مصورًا لمحادثات أجریت مع GPT-3.5 Turbo Instruct، وهو إصدار قدیم استخدمه الباحث تحدیدًا لإظهار الفارق بین النماذج الأقل حداثه والتطور الذی أصاب قدرات الأنظمه اللاحقه.
فتوى بلا مفتٍ
فی نهایه المطاف، لا ترى الرساله أن الاختبار الحقیقی للذکاء الاصطناعی هو أن نسأله سؤالًا فقهیًا فنحصی عدد الإجابات الصحیحه والخاطئه فقط. السؤال الأعمق عندها هو: ماذا یبقى من مفهوم الفتوى إذا فصلنا الحکم عن المفتی، وعن السائل، وعن الواقعه، وعن المسؤولیه؟
وتخلص الدراسه إلى أن الذکاء الاصطناعی لا تتوافر فیه الأهلیه الشرعیه التی تشترطها فیمن یتصدر للإفتاء، وأنه یواجه قیودًا فی تحقیق المناط، وربط الأدله بمقاصدها، وإدراک السیاق والنیات والظروف، فضلًا عن مشکله الإسناد والمسؤولیه. وفی الوقت نفسه ترى أن قدراته فی البحث والتصنیف والفهرسه وتحلیل البیانات تجعله أداه ذات قیمه کبیره إذا بقی داخل إطار "الإفتاء المساعد" وتحت الرقابه البشریه والمؤسسیه.
وهکذا تصبح المسأله، فی منطق الرساله، أکبر من سؤال: "هل تستطیع الآله الإجابه؟". فقد تستطیع، وقد تصیب، وقد تقدم فی ثوان ما یحتاج الإنسان وقتًا طویلًا لجمعه. لکن الفاصل الذی تتمسک به الدراسه هو بین إنتاج الجواب وبین تحمل معنى الفتوى؛ فالآله قد تعرف الکلمات، وتستدعی الأقوال، بل وتصل أحیانًا إلى الحکم الصحیح، لکن السؤال الذی یبقى مفتوحًا أمام التحول الرقمی فی المجال الدینی هو: هل تکفی إجابه تشبه الفتوى، لکی یصبح من أنتجها مفتیًا؟
المصدر: الجزیره