وکاله آریا للأنباء - بدأ التحاق المرأه بجامعه القاهره مبکرًا ومنذ 1925 بشکل رسمی، ومع ذلک لا یزال الحضور فی العمل موضوعًا للدراسه (منصات التواصل)
لماذا ترتفع مستویات تعلیم النساء فی مصر، بینما لا ترتفع مشارکتهن فی سوق العمل بالمعدل نفسه، بل تبقى منخفضه وتتسع فی المقابل مساحه العمل غیر الرسمی والهش؟ هذا هو السؤال الذی تنطلق منه رساله ماجستیر لمنه جمال نور الدین بعنوان "تأنیث تدهور المشارکه فی قوه العمل فی مصر: 1990-2024″، قدمتها إلى قسم العلوم السیاسیه بکلیه العلوم الإنسانیه والاجتماعیه فی الجامعه الأمریکیه بالقاهره، ضمن متطلبات برنامج الماجستیر المشترک فی سیاسات ومجتمعات الشرق الأوسط المقارنه.
المفارقه التی تحاول الرساله تفسیرها تبدو بسیطه فی ظاهرها: یفترض عاده أن ارتفاع تعلیم النساء یؤدی إلى ارتفاع فرصهن فی العمل، لکن الحاله المصریه، کما تعرضها الباحثه خلال أکثر من ثلاثه عقود، لا تتحرک بهذا الاتجاه. فقد ارتفع التحصیل التعلیمی للنساء، بینما استمرت مشارکتهن فی قوه العمل منخفضه، وظل العمل غیر الرسمی حاضرًا بقوه، بما یعنی أن المشکله لیست فقط فی عدد النساء العاملات، وإنما أیضًا فی نوعیه العمل الذی یصلن إلیه.
قصص مقترحه
list of 2 items list 1 of 2 هل یتغیر الأمر إذا سقط نتنیاهو.. أی سلطه فلسطینیه تریدها إسرائیل؟ list 2 of 2 حین تفتی الآله… دراسه تختبر الذکاء الاصطناعی فی 30 مسأله شرعیه end of list ومن هنا تعید الرساله صیاغه السؤال على نحو مختلف: ربما لم تعد المشکله أن المرأه المصریه لم تحصل على التعلیم، وإنما أن التعلیم الذی حصلت علیه لم یفتح لها باب سوق العمل.
وتبنی الباحثه تحلیلها على منهج کیفی تدعمه الإحصاءات الوصفیه، مستفیده من بیانات الجهاز المرکزی للتعبئه العامه والإحصاء، ومنتدى البحوث الاقتصادیه، والبنک الدولی، ومنظمه العمل الدولیه، ومؤسسات مصریه ودولیه أخرى، إلى جانب ست مقابلات معمقه مع خبراء فی النوع الاجتماعی والاقتصاد السیاسی واقتصادیات العمل والسیاسات العامه والتنمیه وتقییم الأثر.
شهاده فی الید.. والوظیفه فی مکان آخر
تذهب الرساله إلى أن أحد مفاتیح المشکله یکمن فیما تسمیه "عدم التوافق بین التعلیم والمهنه"؛ أی أن ارتفاع سنوات الدراسه ومستویات الشهادات لا یعنی بالضروره امتلاک المهارات التی یطلبها سوق العمل.
وتربط الباحثه ذلک بما تعتبره خللًا فی السیاسات التعلیمیه المصریه، ولا سیما التعلیم العالی والتعلیم الفنی والمهنی، إذ ترى أنها تتعامل مع الرجال والنساء باعتبار احتیاجاتهما واحده، من دون مراعاه العراقیل الإضافیه التی تواجه المرأه عند الانتقال من التعلیم إلى العمل.
وهنا تظهر الفکره الأساسیه للرساله: "الحیاد الجندری" فی السیاسه قد لا یؤدی إلى نتیجه محایده.
فإذا تلقى الرجل والمرأه التعلیم نفسه فی بیئه یکون فیها الرجل أکثر قدره على التنقل، وأقل تحملًا لمسؤولیات الرعایه المنزلیه، وأکثر قبولًا فی بعض قطاعات القطاع الخاص، فإن السیاسه المتساویه فی الشکل یمکن أن تنتج نتائج غیر متساویه فی الواقع.
ولهذا تربط الرساله بین السیاسات التعلیمیه المحایده جندریًا وبین استمرار مشکلتین: عدم التطابق بین التعلیم والوظیفه، والفجوه بین النساء والرجال فی المهارات الرقمیه وتکنولوجیا المعلومات والاتصالات. وترى أن النتیجه النهائیه هی عجز ارتفاع تعلیم النساء عن التحول إلى اندماج اقتصادی مماثل.

طالبات بجامعه القاهره یتقدمن الطلاب فی الفعالیات السیاسیه (غیتی) القطاع العام ینکمش.. والخاص لا یفتح الباب
لکن التعلیم وحده لا یفسر المعضله.
فالرساله تضع المرأه المصریه بین سوقین لا یوفر أی منهما المسار الذی کانت تحصل علیه أجیال سابقه من المتعلمات.
القطاع العام، الذی ظل تاریخیًا أکثر جاذبیه للنساء بسبب الاستقرار، والتأمین الصحی والاجتماعی، وإجازات الأمومه، ووضوح ساعات العمل، أصبح مزدحمًا وینکمش تدریجیًا.
وفی الجهه الأخرى، تصف الرساله القطاع الخاص بأنه أکثر انتقائیه وأقل قدره على استیعاب النساء، خصوصًا مع ساعات العمل الطویله، وضعف الحمایه، ومشکلات النقل، والتحرش، وصعوبه التوفیق بین الوظیفه والأسره. وبین القطاعین ینمو العمل غیر الرسمی باعتباره أحد البدائل المتاحه، لکنه بدیل یوفر المرونه أحیانًا على حساب الاستقرار والحمایه والدخل.
ومن هذه الزاویه ترى الباحثه أن أزمه مشارکه النساء لیست فقط "عرض عمل" من النساء، وإنما أیضًا أزمه فی بنیه الطلب على عملهن.
فالمرأه قد تکون مؤهله ومستعده للعمل، لکن السوق الذی أمامها لا یقدم الوظیفه التی تجعل تکلفه خروجها من المنزل مقبوله. وتسمی المقابلات هذا "تکلفه التحفظ أو تکلفه الخروج إلى العمل": ما الذی ستدفعه المرأه، مادیًا واجتماعیًا وأسریًا، لکی تقبل الوظیفه؟
یدخل فی هذه التکلفه مکان العمل، واحتمال التحرش، والحضانه، وساعات العمل، والمواصلات، والاستقرار، والتأمین الاجتماعی والصحی. ولهذا یظل القطاع العام الخیار المفضل لدى قطاع من النساء، حتى عندما یکون أجره أقل، لأنه یوفر حزمه حمایه لا توفرها الوظائف الأخرى.
سوق الزواج یتقدم على سوق العمل
ومن أکثر نتائج المقابلات إثاره فی الرساله أن "سوق الزواج" یتقدم لدى قطاع من النساء على سوق العمل.
وتقول الباحثه إن الخبراء الذین قابلتهم ربطوا ذلک بثلاثه عوامل رئیسه: الأعراف الاجتماعیه، والفروق الطبقیه، وطبیعه العمل غیر الرسمی.
فبعض النساء یخرجن من سوق العمل عند الزواج نتیجه موقف الزوج أو الأسره، وبعضهن یدخلن العمل أصلًا للمساهمه فی تکالیف الزواج ثم یترکنه بعد إتمامه، فیما تستطیع المرأه المنتمیه إلى طبقه میسوره اقتصادیًا الانسحاب من العمل إذا کان دخل الأسره یسمح بذلک. أما النساء الأقل تعلیمًا ودخلًا فقد یجدن أنفسهن خارج القطاع الرسمی من الأصل، محاصرات بین سوق عام متقلص وقطاع خاص غیر جاذب أو غیر قادر على الاحتفاظ بهن.
لکن الرساله لا تختزل الأمر فی "الثقافه". فهی تستشهد بغاده برصوم لتقول إن "الثقافه لیست الإجابه" وحدها؛ لأن قرار المرأه بالعمل یرتبط أیضًا بنوعیه الخدمات والسیاسات التی تجعل الوظیفه ممکنه أو مستحیله.
فالمرأه لا تترک العمل بالضروره لأنها ترفضه، وإنما ربما لأن الوظیفه لا توفر حضانه، أو تتطلب ساعات لا تتناسب مع مسؤولیات الأسره، أو تدفع أجرًا لا یبرر تکالیف الانتقال والرعایه، أو لا توفر حمایه اجتماعیه. ولذلک تصبح المشکله فی "هیکل الفرص" المعروض على النساء، لا فی موقفهن من العمل فقط.
وتضیف الرساله عاملًا شدید الأهمیه هو العمل المنزلی غیر المدفوع؛ إذ تستعرض دراسات تشیر إلى أن المرأه المتزوجه فی مصر قد تقضی بین 32 و36 ساعه أسبوعیًا فی الأعمال المنزلیه، فی مقابل ساعتین إلى ست ساعات للرجل، وهی فجوه تجعل الیوم نفسه مختلفًا جذریًا بین الطرفین قبل أن یبدأ العمل المأجور أصلًا.

سوق الزواج یتقدم على سوق العمل (أرشیفیه- غیتی) العمل لا یعنی التمکین
وتطرح الرساله تمییزًا آخر مهمًا: وجود المرأه فی وظیفه لا یعنی بالضروره أنها أصبحت متمکنه اقتصادیًا.
فالعمل الذی یتسم بانخفاض الأجر، وانعدام الأمان الوظیفی، وغیاب التأمین، وسوء المعامله أو التحرش قد یرفع رقم المشارکه، لکنه لا یحسن بالضروره نوعیه مشارکه المرأه الاقتصادیه.
وتشیر الرساله إلى أن 42% فقط من العاملین عمومًا کانوا یتمتعون بالتأمین الاجتماعی وفق البیانات التی تستشهد بها، ثم تعرض تفاوتًا واضحًا فی حمایه النساء؛ فقد انخفضت تغطیه التأمینات الاجتماعیه للنساء فی القطاع الخاص من 38% عام 2012 إلى 31% عام 2018، وفی القطاع العام من 92% إلى 83% خلال المده نفسها. کما بلغت التغطیه الاجتماعیه للعاملات نحو 10% فی أحد المقاییس المستخدمه لعام 2018 مقابل 17% للرجال، بینما تکاد تغطیه النساء العاملات لحسابهن الخاص تهبط إلى 1% مقابل 9% للرجال.
ومن هنا تصبح الثنائیه التی تقترحها الباحثه أکثر حده: المرأه قد تکون خارج سوق العمل تمامًا، أو داخله ولکن فی وظیفه غیر رسمیه وهشه.
وکلا الوضعین یدخل، فی منطق الرساله، ضمن "تدهور المشارکه".
التکنولوجیا تفتح الباب.. ولکن أی وظیفه؟
وتجد الباحثه فی قطاع تکنولوجیا المعلومات والاتصالات فرصه کبیره یمکن أن تغیر وضع النساء، لکن هذه الفرصه نفسها تکشف المشکله.
فطبیعه وظائف التکنولوجیا تسمح بدرجه أکبر من المرونه، وهو عنصر مهم للنساء، کما نما تشغیل النساء فی وظائف تکنولوجیا المعلومات والاتصالات بمعدل مرکب بلغ 6.4% سنویًا، مقابل تراجع قدره 1% سنویًا فی الوظائف غیر التکنولوجیه. وارتفعت حصه وظائف تکنولوجیا المعلومات من إجمالی عمل النساء من 1% عام 2009 إلى 2.3% عام 2021.
لکن النمو لا یعنی أن النساء یحصلن على الوظائف نفسها التی یحصل علیها الرجال.
فبحسب البیانات التی تعرضها الرساله، کان نحو نصف النساء العاملات فی وظائف تکنولوجیا المعلومات بالقطاع الخاص عام 2021 یعملن فی إدخال البیانات والاستقبال ومراکز الاتصال، بینما بلغت النسبه بین الرجال 16% فقط؛ فی حین کان الرجال أکثر حضورًا فی الأعمال التقنیه والمبیعات وبعض الوظائف الفنیه.
وهنا تعود الرساله إلى نقطه البدایه: ما نوع المهارات التی تتعلمها النساء؟ وما نوع الوظائف التی تقود إلیها هذه المهارات؟
فالتحول الرقمی قد یفتح السوق، لکنه قد یعید أیضًا إنتاج التقسیم التقلیدی نفسه داخل قطاع حدیث إذا بقی التدریب والتعلیم على حالهما.

قطاع تکنولوجیا المعلومات والاتصالات ما بین الفرصه والمشکله (منضات التواصل) حین یصبح "الحیاد" جزءًا من المشکله
تدفع الرساله بحجتها إلى نتیجه سیاسیه واضحه: لا یکفی أن تعلن الدوله سیاسه تعلیمیه واحده للجمیع، وإنما ینبغی أن تراعی السیاسات الاختلاف الفعلی فی القیود التی تواجه الرجال والنساء.
ولهذا تدعو إلى الانتقال من السیاسات المحایده جندریًا إلى ما تسمیه "السیاسات التفضیلیه جندریًا" أو المراعیه بصوره مباشره للنساء، خصوصًا فی التعلیم العالی والفنی والمهنی.
وترى أن ذلک لا یقتصر على زیاده مقاعد النساء، بل یشمل تصمیم سیاسات تساعدهن على البقاء فی السوق: العمل المرن، والحمایه الاجتماعیه، والمهارات التقنیه، والبنیه التحتیه الداعمه، ومواجهه التمییز، وتحسین جمع البیانات، وربط التعلیم باحتیاجات سوق العمل.
وتلفت الباحثه إلى أن التعلیم الفنی الثانوی یستوعب أکثر من 52% من الشباب فی المرحله الثانویه، وتشکل الإناث 43% منهم، ما یجعل تطویر هذا المسار من منظور جندری فرصه مباشره لتغییر مشارکه النساء فی سوق العمل.
المرأه المصریه أکثر تعلیمًا.. لکن؟
فی الخاتمه تعود الرساله إلى مفارقتها الأصلیه: إن مصر راکمت خلال العقود الثلاثه الأخیره رأس مال بشریًا نسائیًا أکبر مما تستخدمه فی اقتصادها.
فالنساء حصلن على مستویات تعلیم أعلى، لکن التعلیم لم یتحول بالقدر نفسه إلى وظائف رسمیه مستقره، بسبب عدم التوافق بین الدراسه والمهنه، والفجوه الرقمیه، وضعف سیاسات سوق العمل، وانکماش القطاع العام، وصعوبه القطاع الخاص، ومسؤولیات الرعایه، والعوامل الاجتماعیه والمؤسسیه التی تعمل کلها فی الوقت نفسه.
ولهذا ترى الباحثه أن القضیه لا تتعلق فقط بحقوق النساء، وإنما أیضًا بموارد اقتصادیه غیر مستغله، یمکن أن یؤدی استخدامها بصوره أفضل إلى زیاده النمو. وتدعو إلى أن تتحرک وزارات التعلیم العالی، والتعلیم الفنی، والتخطیط، والقوى العامله، إلى جانب المجلس القومی للمرأه، نحو سیاسات تعلیم وتشغیل أکثر استهدافًا للنساء، مع معالجه الانقسام بین القطاعین العام والخاص وتوسیع الفرص الرسمیه المتاحه لهن.
وتنتهی الرساله بذلک إلى مفارقه أشد وضوحًا من مجرد "انخفاض تشغیل النساء": مصر لا تعانی نقصًا فی تعلیم النساء بقدر ما تعانی عجزًا عن تحویل هذا التعلیم إلى عمل لائق. فالمرأه قد تصل إلى الجامعه، وتحصل على المؤهل، وتکتسب جزءًا من المهارات، ثم تتوقف الرحله عند بوابه سوق العمل؛ أو تعبرها إلى وظیفه لا توفر لها الاستقرار والحمایه.
وفی هذا المعنى، یصبح السؤال الذی تطرحه الرساله على السیاسات العامه لیس: کم امرأه تعلمت؟ بل: ماذا فعل الاقتصاد بکل هؤلاء المتعلمات؟
المصدر: الجزیره