وکاله آریا للأنباء - طهران علقت رسوما 10% على سفن الشحن الأجنبیه التی تنقل النفط والغاز والمنتجات البترولیه السائله من وإلى إیران (غیتی)
بعد أشهر من الحصار البحری الأمریکی على الموانئ الإیرانیه جنوبی البلاد، علقت حکومه الرئیس مسعود بزشکیان -مؤقتا- رسوما تبلغ 10% على سفن الشحن الأجنبیه التی تنقل النفط والغاز والمنتجات البترولیه السائله من وإلى إیران، مما یرسم علامه استفهام عن أسباب القرار، وعلاقته بعملیه "المنبوذ الاقتصادی" التی أطلقتها واشنطن مؤخرا لقطع شرایین الاقتصاد الإیرانی؟
القرار الذی صدر الخمیس الماضی بأمر من مجید أنصاری نائب الرئیس الإیرانی للشؤون القانونیه، لم یعلن بشکل مفاجئ، إذ جاء استجابه لطلب من أمانه "لجنه دعم الأعمال" التابعه لغرفه إیران للتجاره و"نظرا لظروف الأسطول البحری الداخلی ولدعم صادرات المنتجات الإیرانیه، وإلى حین إقرار قائمه الجهات المشموله التی یتعین أن تحصل على موافقه المجلس الوزاری".
قصص مقترحه
list of 4 items list 1 of 4 لماذا قد تفشل أمریکا فی تحقیق أهداف حربها الاقتصادیه على إیران؟ list 2 of 4 هل تصبح ناقلات النفط الإیرانی "غنائم" أمریکیه؟ list 3 of 4 إیران تحذر والسفن تعبر.. ماذا یحدث فی مضیق هرمز؟ list 4 of 4 واشنطن تشدد الخناق على طیران إیران.. 27 شرکه فی مرمى العقوبات end of list وفی مداخله له فی اجتماع الـ104 للجنه دعم الأعمال الذی عقد الشهر المنصرم، أوضح فریدون أسعدی أمین اتحاد مصدری النفط والغاز ومنتجات البتروکیماویات فی إیران أن "موضوع تحصیل تلک الرسوم یعود إلى عام 2008 حیث لم تکن ظروف البلاد بهذا التعقید، ونرجو ألا نسعى فی الظرف الراهن لتنفیذ قرارات تتعلق بأوضاع طبیعیه".
هندسه النفقات
وعلى ضوء تزاید کلفه التأمین البحری ونفقات الشحن إلى مستویات غیر مسبوقه جراء تبادل الجانبین الإیرانی والأمریکی استهداف الناقلات بالمیاه الخلیجیه، یقرأ مراقبون بطهران تعلیق الرسوم على السفن الأجنبیه کونها خطوه لإنقاذ ما یمکن إنقاذه، فی حین یبقى السؤال متداولا فی الأوساط الداخلیه: هل تکفی هذه الخطوه لإعاده الثقه إلى شرکات الشحن الدولیه؟
من ناحیته، یرى الباحث الجیواقتصادی مهدی عرب صادق أن "تعلیق رسوم 10% یجب أن یقرأ فی إطار هندسه النفقات التی تلجأ إلیها طهران عندما تکون المواجهه العسکریه مفتوحه" مشیرا إلى أن "مضیق هرمز الذی کان یعبره نحو 25% من تجاره النفط البحریه العالمیه ونحو 20% من الغاز الطبیعی المسال تحول إلى عنق زجاجه تراجعت فیه حرکه العبور إلى 7 ناقلات فقط فی بعض الأیام، کما انخفضت الصادرات الإقلیمیه من النفط الخام إلى النصف تقریبا خلال الفتره الأخیره".
وفی حدیثه للجزیره نت، یوضح عرب صادق أن "تعلیق تحصیل الرسوم لیس مجرد قرار ضریبی، بل هو رساله اقتصادیه واضحه لشرکات الشحن مفادها: نخفف کلفه البقاء فی السوق رغم المخاطر".

عرب صادق: تعلیق رسوم 10% یجب أن یقرأ فی إطار هندسه النفقات التی تلجأ إلیها طهران (إیرنا) تکتیک بقاء
لکن الباحث سرعان ما ینبه إلى محدودیه هذا الإجراء، بالقول "10% من أجور النقل، مقابل العقوبات المصرفیه وقیود الوصول إلى النظام المالی الدولی، رقم لیس کبیرا وطالما أن عائدات الصادرات الإیرانیه لا تعود إلى الداخل عبر القنوات المصرفیه، فإن هذا التخفیض یبقى تکتیک بقاء ولیس حلا جذریا".
ویتابع المتحدث نفسه محذرا "إغلاق آبار وحقول النفط الإیرانیه لفتره طویله قد یقضی على جزء من طاقه البلاد الإنتاجیه بعد انتهاء الحرب وحتى إلى فترات أطول قد تصل إلى الأبد، مما یعنی أن الأضرار الاقتصادیه لیست مؤقته، بل قد تتحول إلى جرح بنیوی فی قدره البلاد الإنتاجیه".
وفی سیاق قراءته للقرار الإیرانی، یلفت عرب صادق إلى أن "المستهلک الإیرانی لن یرى أثرا مباشرا وملموسا لهذا القرار، لأن أسعار الوقود الداخلی لا تزال محدده حکومیا، ولا علاقه لها بکلفه النقل العالمیه".
لکن، إذا کان تعلیق تحصیل الرسوم یکشف عن محاوله طهران لإنقاذ شرایین التصدیر ومواجهه عملیه "المنبوذ الاقتصادی" کما یذهب إلیه الباحث الجیواقتصادی عرب صادق، فإن مراقبین بالداخل الإیرانی یثیرون تساؤلا ملحا یتعلق بالأثر العملی لهذه الخطوه على الاقتصاد الکلی، وعما إذا کان القرار قادرا على إعاده الحیاه إلى قطاع النقل الوطنی المتضرر جراء الهجمات الأمریکیه بالمیاه الخلیجیه؟
العمله الصعبه
من جانبه، یرى مدیر "معهد العلاقات الدولیه" مجید زواری أن "الهدف من وراء تعلیق الرسوم یمکن أن یکون إجراء عملیا لتخفیف النفقات اللوجستیه لصادرات إیران من الطاقه وحث السفن الأجنبیه على القیام بذلک على ضوء تضرر عدد من الناقلات الإیرانیه، وکذلک تقلیل المخاطر على الناقلات التی تعتبر طهران الوصول إلیها فی المیاه الدولیه أمرا ممکنا فی ظل الحصار البحری".
وفی حدیث للجزیره نت، یعتبر الباحث الإیرانی أن إبقاء هذه الرسوم فی ظل التطورات الجاریه یثقل کاهل الصادرات الإیرانیه لأنها تشکل عقوبات ذاتیه ضد المصدّر الإیرانی وتقضی على قدرته التنافسیه، مضیفا أن "تعلیقها یرسل إشاره إلى المتعاونین مع طهران بخفض التکالیف، مما یمنح المصدرین مرونه أکبر فی اختیار أسطول النقل وبالتالی تسهیل تصدیر الطاقه الإیرانیه".
وعلى الرغم من أن القرار یهدف -وفق زواری- إلى تقلیص نفقات تصدیر الطاقه الإیرانیه، إلا أنه قد لا یعود بالنفع السریع على المواطن الإیرانی لکن هذا لا یعنی أنه بمعزل عن تداعیات الأزمه، موضحا أن استمرار الحصار البحری سیبقی الضغط الأمریکی مستمرا على سعر الصرف فی الداخل الإیرانی وتراجع قیمه عملتها الوطنیه، وبالتالی ارتفاع تکالیف الواردات وتقلیص فرص العمل المرتبطه بالتجاره البحریه والإخلال بعوده عوائد البلاد من العمله الصعبه.
لکن الخطوه هذه لا تشیر عملیا إلى تحسین شروط التصدیر ولا تغیر معادله الأمن البحری فی المنطقه التی تشتعل فیها المواجهات، وفق تعبیر زواری الذی یؤکد أن کلفه الحرب على الناقلات لا یمکن تجاوزها بقرارات إداریه لاسیما فی ظل تبادل القصف بین الخصمین فی المیاه الخلیجیه.

زواری: إبقاء هذه الرسوم فی ظل التطورات الجاریه یثقل کاهل الصادرات الإیرانیه (الجزیره) حرب مزمنه
من جانبه، یقدم الدبلوماسی السابق فریدون مجلسی قراءه أکثر تشککا حیث یعبر عن اعتقاده بأن "تعلیق الرسوم لن یکون کافیا لترغیب السفن فی المخاطره بالقدوم إلى الشواطئ الإیرانیه فی ظل ظروف الحرب المتواصله" مضیفا أنه "طالما ظروف الحرب المزمنه متواصله فإن تداعیاتها وکذلک الظروف الناجمه عن انعدام الأمن البحری ستکون أوسع بکثیر من نتائج تعلیق الرسوم بشکل مؤقت".
وفی حدیث للجزیره نت، یضیف مجلسی أن "الحصار البحری والضغط الاقتصادی مؤلمان بالنسبه لطهران" مؤکدا أن قرار تعلیق الرسوم على السفن الأجنبیه لیس بعیدا عن اضطراب دخول العمله الصعبه للداخل الإیرانی، لکنه یستبعد أن تکون لهذا القرار جدوى فی زیاده تدفق العمله الصعبه إلى طهران.
ویوضح الدبلوماسی الإیرانی السابق أن "الأولویه فی الظروف الراهنه لیست لتعلیق الرسوم على السفن الأجنبیه، بل لإنهاء حاله الحرب المزمنه التی تجعل أی إجراء اقتصادی بلا جدوى" داعیا إلى تجاوب أکبر مع المبادرات الإقلیمیه لوضع حد للصراع فی المنطقه.
وخلص مجلسی إلى أن استمرار الحرب لا یهدد إیران وحدها، بل یقوض مبدأ حریه الملاحه فی الممرات الإقلیمیه الذی تقوم علیه تجاره الطاقه العالمیه، مشددا على أن "إنهاء التوتر لا یمکن أن یتحقق عبر إجراءات اقتصادیه جزئیه، بل یتطلب مبادره سیاسیه إقلیمیه شامله تتعامل مع جذور الأزمه" بما یبرز الحاجه الملحه إلى تفعیل قنوات الوساطه الإقلیمیه لإنقاذ المنطقه من الحرب.
وختاما یبقى السؤال معلقا: هل سیشکل تعلیق طهران تحصیل الرسوم على السفن الأجنبیه بدایه لمراجعه أوسع لإستراتیجیه المواجهه الاقتصادیه فی المیاه الخلیجیه أم أنه مجرد خطوه تکتیکیه فی سیاق معرکه استنزاف طویله الأمد؟ الإجابه قد تعتمد على استعداد أطراف الأزمه لتقدیم خطوات قابله للقیاس من أجل خفض التوتر.
المصدر: الجزیره