وکاله آریا للأنباء - قوات أمنیه تؤمن احتجاجا لمؤیدی الحوثیین فی صنعاء، فیما ترى الورقه أن الحوثیین لیسوا التحدی الوحید أمام الرؤیه المصریه لأمن البحر الأحمر. (الفرنسیه)
تواجه مصر فی البحر الأحمر ومضیق باب المندب معادله أمنیه متزایده التعقید، لا تقتصر على تهدید الملاحه وإیرادات قناه السویس، وإنما تمتد إلى موقعها ونفوذها فی فضاء ظل تاریخیا إحدى الدوائر الرئیسیه لأمنها القومی. فمن الشرق، وسع الحوثیون سیطرتهم على الساحل الغربی للیمن وصولا إلى باب المندب، ومن الغرب تواصل إثیوبیا مساعیها للحصول على منفذ بحری، سواء عبر إریتریا أو أرض الصومال، بینما یتزاید الحضور العسکری للقوى الدولیه والإقلیمیه فی البحر الأحمر والقرن الأفریقی.
وتتناول ورقه تحلیلیه للباحث بدر حسن شافعی، أستاذ الدراسات الأفریقیه وخبیر تسویه الصراعات، الصادره عن مرکز الجزیره للدراسات بعنوان "الرؤیه المصریه للتهدیدات الأمنیه فی البحر الأحمر ومضیق باب المندب"، کیفیه تعاطی القاهره مع هذه التهدیدات المتزامنه، وما إذا کانت التحولات الجاریه تتیح لها استعاده جانب من نفوذها فی البحر الأحمر والقرن الأفریقی، أم تکشف حدود قدرتها على التأثیر فی منطقه ازدحمت بالفاعلین المحلیین والإقلیمیین والدولیین.
قصص مقترحه
list of 2 items list 1 of 2 لماذا تتفاهم واشنطن مع الحوثیین؟ list 2 of 2 بنکیران.. الزعیم الذی أصبح أکبر من حزبه end of list وتنطلق الورقه من أن البحر الأحمر لا یمثل بالنسبه إلى مصر مجرد طریق ملاحی، بل یشکل منفذها البحری الشرقی إلى العالم، ویربط قناه السویس بباب المندب والمحیط الهندی. وتمر عبره، بحسب الورقه، نحو 12% من التجاره العالمیه و30% من حرکه الحاویات، فضلا عن أهمیته فی نقل النفط والتجاره بین أوروبا وآسیا وأفریقیا. کما یتمتع بأهمیه عسکریه دولیه جعلته ممرا استراتیجیا للقوات والأساطیل الأمریکیه بین البحر المتوسط والخلیج والمحیط الهندی.
وقد ازدادت حساسیه هذه الدائره بالنسبه إلى القاهره منذ عام 2015 مع الحرب الیمنیه وصعود الحوثیین، ثم تصاعدت بعد 7 أکتوبر/تشرین الأول 2023 واستهداف السفن المرتبطه بإسرائیل، قبل أن تتفاقم مع الحرب الأمریکیه على إیران وإغلاق مضیق هرمز، ثم وصول الحوثیین إلى باب المندب فی سبتمبر/أیلول 2026. وفی الوقت نفسه ظهر على الضفه الأفریقیه تحد آخر یتمثل فی المسعى الإثیوبی للحصول على منفذ بحری، لتجد القاهره نفسها أمام ضغوط متزامنه على جانبی المدخل الجنوبی للبحر الأحمر.
حمایه البحر من دون التورط فی الحرب
تشیر الورقه إلى أن السیاسه المصریه تجاه البحر الأحمر لا یمکن فهمها باعتبارها استجابه آنیه للتطورات الأخیره؛ إذ تستند إلى رؤیه تجمع بین اعتبار المنطقه جزءا من الأمن القومی المصری وإدراک أن القاهره لا تستطیع إدارتها بصوره منفرده.
فالبحر الأحمر تتقاطع فیه مصالح الدول العربیه المشاطئه، إلى جانب إریتریا وإسرائیل، کما أن باب المندب نفسه تتحکم فی ضفتیه الیمن وجیبوتی وإریتریا. وفوق ذلک، أصبح الممر مجالا لحضور عسکری دولی واسع، وفی مقدمته الوجود الأمریکی، الذی تعزز بعد أحداث سبتمبر/أیلول 2001 وإنشاء القوات البحریه المشترکه لمکافحه الإرهاب والقرصنه وتأمین الملاحه.
ودفعت هذه الطبیعه المرکبه القاهره إلى العمل فی مسارین متوازیین. الأول إقلیمی، من خلال الانضمام إلى مجلس الدول العربیه والأفریقیه المطله على البحر الأحمر وخلیج عدن، الذی تأسس فی ینایر/کانون الثانی 2020، ویضم الدول العربیه الست المشاطئه إلى جانب إریتریا والصومال. والثانی دولی، من خلال المشارکه فی قوه المهام المشترکه 153 المختصه بتأمین البحر الأحمر وخلیج عدن وباب المندب، والتی تولت مصر قیادتها فی عامی 2022 و2025.
لکن المشارکه المصریه فی ترتیبات الأمن البحری لا تعنی، بحسب الورقه، استعداد القاهره للانخراط فی الحروب الدائره حوله. فالسیاسه المصریه تقوم على ما تسمیه القیاده المصریه "الاتزان الاستراتیجی": إقامه علاقات متوازنه، وتجنب الاستقطاب، ورفض الحلول العسکریه للصراعات کلما أمکن ذلک.
ولهذا تمیز الورقه بین الحضور العسکری البحری والتدخل العسکری البری. فالقاهره ترید امتلاک القدره على حمایه خطوط الملاحه والمصالح البحریه، لکنها تتحاشى الدخول فی حروب استنزاف مفتوحه. وقد ظهر ذلک فی الیمن منذ 2015، کما ظهر فی تعاملها مع أزمه سد النهضه.
وتعود حساسیه التدخل فی الیمن تحدیدا إلى التجربه المصریه فی الحرب الأهلیه الیمنیه بین عامی 1962 و1970، والتی تقول الورقه إن مصر فقدت خلالها أکثر من 26 ألف جندی. ولذلک، عندما بدأت "عاصفه الحزم" عام 2015، شارکت القاهره بصوره محدوده، مستخدمه قطعا بحریه لتأمین الملاحه من دون إرسال قوات بریه إلى الأراضی الیمنیه.
وفی إطار تعزیز القدره البحریه نفسها، طورت مصر أسطولها الجنوبی، وأنشأت قاعده برنیس العسکریه على البحر الأحمر، بما یمنحها قدره أکبر على التحرک وحمایه خطوط الملاحه.

سفینه تعبر قناه السویس باتجاه البحر الأحمر، حیث جعلت تهدیدات الملاحه عند باب المندب أمن القناه وإیراداتها فی صمیم الحسابات المصریه. (غیتی) من الحوثیین إلى إثیوبیا.. التهدید على ضفتی البحر
اختبرت حرب غزه السیاسه المصریه مره أخرى. فمع تشکیل الولایات المتحده عملیه "حارس الازدهار" فی دیسمبر/کانون الأول 2023 لمواجهه الهجمات الحوثیه على السفن، امتنعت مصر عن الانضمام إلیها، رغم أنها عضو فی القوات البحریه المشترکه التی تعمل فی المنطقه.
وتفسر الورقه ذلک بعده اعتبارات؛ فی مقدمتها أن القاهره لم تنظر إلى الأزمه فی البحر الأحمر باعتبارها أزمه ملاحه منفصله عن حرب غزه. فمن وجهه النظر المصریه التی تعرضها الورقه، کانت الهجمات الحوثیه مرتبطه بالحرب الإسرائیلیه والحصار المفروض على القطاع، ومن ثم فإن التعامل العسکری مع الحوثیین لا یعالج أصل المشکله. کما لم ترغب القاهره فی الظهور باعتبارها تشارک فی تحالف یهدف عملیا إلى تخفیف الضغط عن إسرائیل بینما تستمر الحرب فی غزه.
وکان لهذا الموقف ثمن اقتصادی باهظ؛ فقد أدت المخاطر فی البحر الأحمر إلى تحویل شرکات وسفن مساراتها إلى رأس الرجاء الصالح، وتراجعت إیرادات قناه السویس، بحسب الأرقام التی تنقلها الورقه، من نحو عشره ملیارات دولار فی 2023 إلى أربعه ملیارات فی 2024، أی بانخفاض یقارب 60%.
لکن الحوثیین لیسوا التحدی الوحید. فعلى الضفه الأفریقیه تضع الورقه إثیوبیا فی الجانب الآخر من المعادله المصریه، فی ظل محاولات أدیس أبابا الحصول على منفذ بحری بعد عقود من تحولها إلى دوله حبیسه إثر استقلال إریتریا.
واکتسب الملف حساسیه أکبر مطلع 2024، عندما سعت إثیوبیا إلى الحصول على منفذ بطول عشرین کیلومترا فی أرض الصومال، یشمل میناء بربره وإمکانیه إقامه قاعده عسکریه. وتقرأ الورقه الموقف المصری من هذه الخطوه فی سیاق تنافس أوسع مع إثیوبیا؛ فبعد الخلاف على میاه النیل وسد النهضه، امتدت المنافسه إلى البحر الأحمر وخلیج عدن. ومن هنا جاء تصریح الرئیس عبد الفتاح السیسی، خلال لقائه الرئیس الصومالی، بأن مصر لن تسمح بتهدید الصومال، وأن الاتفاق الإثیوبی مع أرض الصومال مرفوض.
وفی مواجهه هذا التحرک، اتجهت القاهره إلى تعزیز شبکه علاقاتها مع دول القرن الأفریقی، خصوصا الصومال وإریتریا وجیبوتی.
ففی أکتوبر/تشرین الأول 2024 أنشأت آلیه للتعاون الثلاثی مع الصومال وإریتریا، ثم رفعت علاقتها بالصومال إلى مستوى الشراکه الاستراتیجیه، ووقعت اتفاقیات للتدریب العسکری والدعم اللوجستی، وأعلنت المشارکه فی قوات حفظ السلام بالصومال. کما زار السیسی أسمره فی أکتوبر/تشرین الأول 2024 فی أول زیاره لرئیس مصری إلى إریتریا، وعقدت قمه ثلاثیه مصریه-إریتریه-صومالیه، بینما أعادت القاهره سفیرها إلى أسمره واستأنفت برامج التدریب المخصصه للکوادر الإریتریه.
وعززت مصر کذلک علاقاتها بجیبوتی، التی تمر عبرها النسبه الأکبر من التجاره الخارجیه الإثیوبیه، من خلال مشروعات للطاقه والنقل والمصارف والتعاون الفنی والاقتصادی، إلى جانب التنسیق السیاسی. وترى الورقه أن هذه التحرکات نجحت حتى الآن فی تحجیم المساعی الإثیوبیه للحصول على منفذ بحری، وإن کانت لا تعنی انتهاء الطموح الإثیوبی.
ومن هنا تکتسب الدعوه المصریه إلى قصر مسؤولیه أمن البحر الأحمر على الدول المشاطئه معنى مزدوجا: فهی تتصل برفض عسکره البحر وتدویله من ناحیه، وتحمل من ناحیه أخرى رساله إلى إثیوبیا، الدوله غیر المشاطئه التی تسعى إلى الوصول إلیه.
الحوثیون عند باب المندب.. والقاهره تتمسک بعدم التدخل
أعادت السیطره الحوثیه على میناء المخا وباب المندب فی سبتمبر/أیلول 2026 التهدید الحوثی إلى مقدمه الحسابات المصریه.
وتشیر الورقه إلى أن الخسائر المصریه لم تعد محصوره فی التراجع السابق لإیرادات قناه السویس؛ فقد أعلن وزیر الخارجیه بدر عبد العاطی، فی 10 سبتمبر/أیلول 2026، أن خسائر القناه خلال الفتره الأخیره قاربت 11 ملیار دولار نتیجه اضطراب الملاحه. کما یمتد الخطر إلى خط أنابیب "سومید"، الذی ینقل النفط الخلیجی والسعودی من العین السخنه على خلیج السویس إلى سیدی کریر على البحر المتوسط، بما یجعل استقرار باب المندب مرتبطا بدور مصر فی نقل الطاقه بین الخلیج وأوروبا.
ورغم حجم هذه المصالح والخسائر، تلخص الورقه الموقف المصری فی أربعه عناصر: رفض التصعید الحوثی والاعتداء على السفن السعودیه، ورفض التدخل العسکری المصری أو الإقلیمی والدولی، والتأکید على حریه الملاحه، وربط التهدئه فی باب المندب بتسویه الصراعات الإقلیمیه والملف الیمنی.
وأکد السیسی، فی 3 سبتمبر/أیلول 2026، أن البحر الأحمر یمثل جزءا من الأمن القومی المصری، وأن مسؤولیه أمنه یجب أن تظل للدول المشاطئه، مع التشدید على حریه الملاحه ورفض دفع المنطقه إلى مزید من "العسکره والتدویل".
وتشیر الورقه إلى جانب آخر فی إداره القاهره لعلاقتها بالحوثیین؛ فمصر تعترف رسمیا بالحکومه الیمنیه ولا تعترف بسلطه الحوثیین، لکن جهات أمنیه مصریه تتولى، بحسب ما تورده الورقه، التواصل مع طرفی الصراع بما یحمی السفن المصریه والملاحه وقناه السویس.
وتذکر أن رئیس هیئه قناه السویس رفض طلبا حوثیا لإقامه اتصالات مباشره ورسمیه لتنظیم الملاحه فی باب المندب والبحر الأحمر، بینما أحیل الأمر إلى جهات أمنیه للتعامل معه بعیدا عن المؤسسات الرسمیه، بما یسمح بمعالجه المخاطر من دون منح الحوثیین اعترافا بسلطه على المضیق.
وتقوم الحسابات المصریه، وفق الورقه، على أن الحوثیین قد یستخدمون سیطرتهم على باب المندب للضغط على سفن خصومهم، لکن من غیر المرجح أن یغلقوا المضیق بالکامل؛ لأن خطوه کهذه قد تجمع ضدهم قوى دولیه تتعارض مصالحها فی ملفات أخرى لکنها تتفق على استمرار الملاحه، وفی مقدمتها الولایات المتحده وأوروبا والصین. وتستند الورقه أیضا إلى إعلان الحوثیین أن سیطرتهم على الجغرافیا البحریه لن تؤثر فی الملاحه الدولیه باستثناء السعودیه.
ولهذا ظل الموقف المصری رافضا للانخراط العسکری، وهو ما أعاد السیسی تأکیده خلال استقباله ولی العهد السعودی فی القاهره فی 15 سبتمبر/أیلول 2026، عندما شدد على دعم التوصل إلى حل سیاسی شامل ومستدام للأزمه الیمنیه.

سفینه یُعتقد أنها الفرقاطه الفرنسیه "جاک شوفالییه" تتجه نحو مضیق باب المندب قباله جیبوتی (غیتی) إعاده تموضع مصریه لاستعاده النفوذ
تنتهی الورقه إلى سؤال یتجاوز الحوثیین وإثیوبیا معا: هل تستطیع مصر تحویل الأزمات الراهنه إلى فرصه لاستعاده نفوذها فی البحر الأحمر والقرن الأفریقی؟
ولا تتحدث الورقه عن عوده إلى "هیمنه مصریه" على البحر الأحمر، وإنما تستخدم تعبیر "إعاده التموضع" لوصف التحرکات التی تسعى من خلالها القاهره إلى تثبیت نفسها لاعبا رئیسیا فی ترتیبات المنطقه.
ویظهر هذا التوجه فی التعاون العسکری والدفاعی مع الصومال، وإرسال المساعدات والقوات المصریه إلى مقدیشیو، وتعزیز العلاقات مع إریتریا وجیبوتی، إلى جانب مطالبه القاهره بإحیاء مجلس الدول العربیه والأفریقیه المطله على البحر الأحمر، وتمسکها بقصر ترتیبات حوکمه البحر على الدول المشاطئه.
لکن هذه العوده تواجه قیودا عدیده. فاستمرار الحرب الأمریکیه-الإیرانیه یبقی الإقلیم فی حاله اضطراب، وسیطره الحوثیین على باب المندب تضع الملاحه وقناه السویس تحت ضغط مستمر، فیما یشهد القرن الأفریقی تنافسا بین الولایات المتحده والصین وترکیا وإثیوبیا ودول الخلیج وغیرها من القوى. کما أن مجلس الدول العربیه والأفریقیه المطله على البحر الأحمر لم یتحول بعد إلى هیکل سیاسی وأمنی قادر على إداره الأزمات المتلاحقه.
ویضاف إلى ذلک أن مبدأ "الاتزان الاستراتیجی" نفسه یحمل للقاهره فرصا وقیودا فی آن واحد؛ فتجنب الحروب یحمی الجیش والاقتصاد من استنزاف طویل، لکنه یحد فی الوقت نفسه من استخدام القوه المباشره لفرض النفوذ فی منطقه شدیده التنافس.
ولهذا تطرح الورقه الوساطه فی الیمن باعتبارها أحد المسارات التی یمکن أن تسمح لمصر بالحفاظ على علاقاتها ومصالحها من دون الانجرار إلى مواجهه عسکریه.
وبذلک تقدم الورقه الرؤیه المصریه للبحر الأحمر باعتبارها محاوله للجمع بین حمایه الملاحه، وتجنب الحرب، ومنع القوى غیر المشاطئه من فرض نفسها على ترتیبات البحر، وبناء شبکه نفوذ مصریه فی القرن الأفریقی.
وفی قلب هذه الرؤیه تقف مصر أمام تحدیین مختلفین على ضفتی باب المندب: الحوثیون یسیطرون على مواقع استراتیجیه فی الضفه الآسیویه، وإثیوبیا تبحث عن موطئ قدم على الضفه الأفریقیه. وبین التهدیدین تحاول القاهره إعاده التموضع فی البحر الأحمر، لیس عبر الدخول فی حرب جدیده، وإنما من خلال القوه البحریه والتحالفات الإقلیمیه والعلاقات الأمنیه والدبلوماسیه، مع التمسک بأن أمن البحر یجب أن یبقى، قبل کل شیء، فی أیدی الدول المطله علیه.
للاطلاع على الورقه التحلیلیه کامله (اضغط هنا)
المصدر: الجزیره