وکاله آریا للأنباء - الهند تعتمد على الاستیراد لتلبیه نحو 89% من احتیاجاتها من خام النفط (غیتی)
قد توفّر الهند فی ثمن برمیل النفط، ثم تدفع مقابل ذلک من حصیله صادراتها، هذه هی المعادله التی یضعها أمامها قانون العقوبات الذی وقّعه الرئیس الأمریکی دونالد ترمب ، ویتیح فرض رسوم جمرکیه على واردات من دول تشتری الطاقه الروسیه، بهدف الضغط على موسکو عبر زبائنها.
ووقّع ترمب القانون فی 18 سبتمبر/أیلول 2026، مع صلاحیه فرض رسوم تصل إلى 100% على کبار مشتری النفط أو الغاز الروسی . لکن توقیع القانون لا یعنی أن هذه النسبه أصبحت مطبّقه تلقائیا على السلع الهندیه، بحسب وکاله أسوشیتد برس.
قصص مقترحه
list of 4 items list 1 of 4 فایننشال تایمز: حرب إیران تضرب مفاصل اقتصاد الهند list 2 of 4 الحرب تثقل کاهل اقتصادات مجموعه السبع وقمه فرنسا تتجنب الصدام مع ترمب list 3 of 4 اختناق الممرات البحریه یهدد سلاسل الإمداد العالمیه ویثیر المخاوف list 4 of 4 کیف تعید الهند رسم تحالفها العسکری مع روسیا؟ end of list یضع هذا التهدید الهند أمام مفاضله صعبه بین تأمین النفط بتکلفه مناسبه وحمایه صادراتها إلى السوق الأمریکیه. وقد أکدت الحکومه الهندیه تمسکها بأمن الطاقه، محذّره من تداعیات الإجراءات على العلاقات بین البلدین.
فلماذا تحتاج الهند إلى النفط الرخیص؟ وهل یعوّض ما توفره منه خسائر الصادرات المحتمله؟ ومن یدفع الثمن داخلها؟ ولماذا تختلف قدرتها على مواجهه الضغوط عن قدره الصین ؟ ثم مَن یستفید إذا غیّرت وجهه مشتریاتها، وهل تقف فاتوره التصعید عند حدودها؟

انخفاض تکلفه الخام لا یضمن انتقال التوفیر إلى المستهلک (غیتی) شهیه قد تتأثر بفاتوره الطاقه
تدخل الهند هذه المواجهه باقتصاد یتوسع، لکنه یحتاج إلى وقود یواکب حرکه المصانع والشاحنات والاستهلاک.
فی سبتمبر/أیلول، رفعت مودیز توقعاتها لنمو الناتج المحلی الهندی للسنه المالیه المنتهیه فی مارس/آذار 2027 إلى 7%، بعدما سجّل الاقتصاد نموا سنویا قدره 7.8% فی الربع الأول من تلک السنه المالیه، مع تحذیرها من مخاطر ارتفاع أسعار الطاقه.
وتظهر حساسیه هذا النمو للخارج فی اعتماد الهند على الاستیراد لتلبیه نحو 89% من احتیاجاتها من الخام، وفق تقریر نشرته إیکونومیک تایمز فی نوفمبر/تشرین الثانی 2025، وهی تعکس محدودیه قدره الإنتاج المحلی على تعویض اضطرابات الإمدادات سریعا.
لذلک لا یقتصر أثر البرمیل الأرخص على أرباح شرکه نفط؛ فهو یقلّص ما یدفعه الاقتصاد للحصول على احتیاجاته من الخارج. وبالعکس، قد یزید ارتفاع الفاتوره الطلب على العملات الأجنبیه، ویضغط على المیزان التجاری، بینما تصبح زیاده الإنتاج محلیا أعلى تکلفه.
لکن الحاجه إلى النفط الرخیص لا تعنی أن الخام الروسی یظل الأرخص دائما؛ فمیزه السعر تتغیر مع توفر الشحنات وتکلفه نقلها ومنافسه المشترین علیها.

محدودیه قدره الإنتاج المحلی للنفط فی الهند تحول دون تعویض اضطرابات الإمدادات سریعا (غیتی) من یدفع الثمن داخل الهند؟
قد تبدأ الصدمه عند المصفاه قبل أن تظهر فی محطه الوقود. ففی یولیو/تموز 2026، نقلت وکاله رویترز عن شرکه "بهارات بترولیوم" إعلانها اختفاء خصومات على عروض الخام الروسی، بعدما تجاوزت سابقا 10 دولارات للبرمیل مقارنه ببرنت، وسط اضطرابات إمدادات الشرق الأوسط .
وأشارت الوکاله إلى خسائر فصلیه لدى بهارات بترولیوم وهندوستان بترولیوم مع ارتفاع الخام واستمرار بیع الوقود محلیا بأسعار مدعومه.
وتوضح هذه الخسائر أن ارتفاع تکلفه النفط لا یظهر بالضروره فورا فی أسعار الوقود؛ فقد تتحمله الشرکات أولا إذا استمرت فی البیع بالأسعار نفسها، فتتراجع أرباحها أو تتفاقم خسائرها. وقد تتدخل الحکومه بخفض الضرائب لتخفیف الزیاده على المستهلک، لکنها تتنازل بذلک عن إیرادات کان یمکن توجیهها إلى خدمات أو استثمارات أخرى.
أما تمریر الزیاده إلى المشترین فیرفع مصروفات النقل والتشغیل، وقد یصل تدریجیا إلى أسعار السلع. ولا یحدث ذلک بالنسبه نفسها فی کل نشاط؛ فالشرکات التی تعتمد بکثافه على النقل أکثر تأثرا بارتفاع أسعار الدیزل من الأنشطه الخدمیه محدوده الاستهلاک للوقود.
ومن ثم فإن ثبات السعر عند المضخه لا یعنی اختفاء الخساره؛ فقد تکون انتقلت إلى میزانیه الشرکه أو الحکومه. کما أن انخفاض تکلفه الخام لا یضمن انتقال التوفیر کاملا إلى المستهلک.

الشرکات التی تعتمد بکثافه على النقل أکثر تأثرا بارتفاع أسعار الدیزل (غیتی) النفط الرخیص مقابل الصادرات
لتقدیر ما قد تربحه الهند أو تخسره من هذه المفاضله، یجب النظر إلى مقدار ما توفره بشراء النفط الروسی مقارنه بالبدائل المتاحه، ثم موازنه هذا التوفیر بالخسائر المحتمله فی صادراتها إلى السوق الأمریکیه.
وفی أغسطس/آب 2025، قدّرت مؤسسه "سی إل إس إیه" المکاسب السنویه من الخصومات بنحو 2.5 ملیار دولار، وفق صحیفه "تایمز أوف إندیا".
فی المقابل بلغت صادرات الهند السلعیه إلى الولایات المتحده 8.3 ملیار دولار فی أغسطس/آب 2026 وحده، من إجمالی صادرات قدره 43.81 ملیار دولار، وفق البیانات التی عرضتها "إندیان إکسبریس"، أی نحو خُمس الإجمالی.
وتوضح هذه الأرقام حجم المصالح المعرضه للضغط، لکن تحدید الخیار الأنسب للهند لا یتحقق بمجرد مقارنه قیمه الصادرات بوفورات النفط؛ فالصادرات لیست أرباحا صافیه، ولن تختفی کلها بالضروره. ویتوقف حجم الخسائر المحتمله على السلع المشموله بالرسوم، واستجابه الطلب، وقدره الشرکات على تقاسم التکلفه مع المستوردین.
وتزداد المفاضله صعوبه لأن المستفید والمتضرر قد یکونان مختلفین: تحقق مصفاه وفرا فی الخام، بینما یفقد مصنع ملابس طلبیه أمریکیه دون أن یحصل على نصیب مماثل من ذلک الوفر.

استحوذت الصین على 50% من صادرات الخام الروسی (غیتی) معضله نیودلهی ومناعه بکین
الهند لیست وحدها فی دائره الضغط. فوفق مرکز أبحاث الطاقه والهواء النظیف، استحوذت الصین على 50% من صادرات الخام الروسی، مقابل 37% للهند، فی الفتره من بدء الحظر الأوروبی على الخام المنقول بحرا فی دیسمبر/کانون الأول 2022 حتى نهایه یولیو/تموز 2026.
لکن حجم المشتریات لا یحدد وحده القدره على المقاومه، فالصین تمتلک نفوذا فی سلاسل تورید تحتاج إلیها الصناعه الأمریکیه؛ واستنادًا إلى وکاله الطاقه الدولیه ، فقد بلغت حصه الصین من تکریر العناصر الأرضیه النادره 85% فی 2025.
ویمنح هذا النفوذ بکین القدره على جعل التصعید مکلفا للطرف الآخر. ولا یعنی ذلک أنها محصّنه من الرسوم، بل إن کلفه مواجهتها تشمل مدخلات إنتاج یصعب استبدالها سریعا.
أما تقییم هشاشه الهند فیتطلب النظر إلى اعتماد قطاعاتها على المشترین الأمریکیین، وإمکان نقل المبیعات إلى أسواق أخرى. لذلک یظل احتمال أن تکون الهند من أکثر المتضررین قائما، لکن تقدیر حجم الضرر یتطلب اتضاح نطاق التطبیق.

ترمب وقع قانونا یفرض رسوما تصل إلى 100% على کبار مشتری النفط أو الغاز الروسی (رویترز) خیارات روسیا لإبقاء الهند زبونا
یمکن لموسکو محاوله الاحتفاظ بالمشتری الهندی عبر خصومات أکبر، لکن مساحه المناوره لیست بلا حدود.
وفی أغسطس/آب 2026، انخفضت واردات الهند من روسیا إلى 2.08 ملیون برمیل یومیا، مقابل 2.82 ملیون فی یولیو/تموز، وتراجعت حصه روسیا من مزیج وارداتها إلى 45%، وفق فایننشال إکسبریس.
ولا یثبت هذا التراجع وحده نجاح الضغط الأمریکی؛ فقد ربطته التغطیه أیضا بتکالیف الشحن واضطرابات التصدیر والمنافسه الصینیه.
ولکی یکون حساب مکاسب الهند دقیقا، ینبغی مقارنه تکلفه وصول النفط الروسی إلى مصافیها بتکلفه البدائل، بما یشمل الشحن والتأمین والتمویل فی الحالتین. کما أن ما تکسبه المصافی من خصومات إضافیه لا یعوّض بالضروره ما قد تخسره قطاعات التصدیر الأخرى.
وقد تحافظ روسیا على تدفقات النفط بخفض السعر، لکن قدرتها على ذلک تتوقف على مدى حاجتها إلى السوق الهندیه وقدرتها على إیجاد مشترین بدیلین.

بحث الهند عن بدائل للنفط الروسی یفتح الباب أمام مورّدین لزیاده مبیعاتهم (رویترز) الرابحون من المأزق
قد یتحول مأزق الهند إلى فرصه لغیرها؛ فبحثها عن بدائل للنفط الروسی یفتح الباب أمام مورّدین لزیاده مبیعاتهم، بینما قد تدفع الرسوم الأمریکیه بعض عملائها إلى شراء السلع من منافسیها.
وقد حدث بالفعل، ففی فبرایر/شباط 2026، ارتفعت مشتریات الهند من العراق إلى 1.18 ملیون برمیل یومیا، ومن السعودیه إلى نحو 998 ألفا، وتقدّم العراق على روسیا بین موردیها، بحسب بیانات رویترز.
کما أن تراجع المشتریات من روسیا یفتح فرصا أمام مورّدین آخرین لزیاده مبیعاتهم للهند. لذلک قد تنجح نیودلهی فی تنویع مصادرها، مقابل تکلفه أعلى للشراء أو النقل.
على الجانب الآخر قد یحقق منافسو الهند فی السوق الأمریکیه مکاسب، خصوصا فی الملابس والمنسوجات. فقد استحوذت الولایات المتحده على 28% من صادرات المنسوجات الهندیه، التی بلغت إجمالا 37.5 ملیار دولار فی 2025، بحسب رویترز.
ویکشف ذلک أهمیه هذه السوق للمصنّعین الهنود، وحجم الفرصه التی قد تتاح لمنافسیهم إذا دفعت الرسوم المستوردین الأمریکیین إلى تغییر مورّدیهم.
وتتضح أهمیه مصیر البرامیل الروسیه عالمیا بالنظر إلى حجم صادرات موسکو؛ إذ بلغت 238 ملیون طن من النفط فی 2025، توجّه نحو 80% منها إلى الصین والهند، بحسب تصریحات نائب رئیس الوزراء الروسی ألکسندر نوفاک التی نقلتها رویترز.
أما إذا تعذّر تصریف هذه الشحنات واضطرت روسیا إلى خفض الإنتاج، فقد ترتفع الأسعار، لتمتد الکلفه إلى دول لا تشتری النفط الروسی أصلا.

الهند فی مفاضله صعبه بین تأمین النفط بتکلفه مناسبه وحمایه صادراتها إلى السوق الأمریکیه (رویترز) التنفیذ یحدد حجم التکلفه
بحسب تحلیل مبادره أبحاث التجاره العالمیه الذی نقلته فایننشال إکسبریس، تحصل الدول المعنیه عاده على مهله 180 یوما لخفض المشتریات أو التفاوض، مع إمکانیه تقصیرها، کما یتضمن القانون إعفاء للمصلحه الوطنیه الأمریکیه.
وتترک هذه المرونه أمام الهند مجالا للتفاوض على إعفاءات أو خفض مشتریاتها تدریجیا، بما یمنح المصافی وقتا لتأمین البدائل. أما فرض رسوم واسعه، فقد یجعل حمایه الصادرات أکثر إلحاحا، حتى لو استلزم ذلک شراء نفط أعلى تکلفه. ولذلک تتوقف فاتوره المواجهه على نطاق التنفیذ وسرعته، وما قد تتوصل إلیه المفاوضات.
وإذا دخلت الرسوم حیز التطبیق، فلن یقع عبؤها کله على الهند؛ فقد یخفض المصدّرون أسعارهم للاحتفاظ بعملائهم، ویتحمل المستوردون الأمریکیون جزءا من الزیاده أو یمررونها إلى المستهلک. وکلما صَعُب العثور على بدیل مناسب للسلعه الهندیه، زادت احتمالات بقاء جانب من التکلفه داخل السوق الأمریکیه.
قد توفّر الهند عند شراء النفط، ثم تکتشف أن جزءا من هذا التوفیر خرج من باب الصادرات. وقد تدفع أکثر لقاء خام بدیل لتحافظ على أسواق یصعب تعویضها. وبین الاحتمالین، لن یکفی سعر البرمیل للحکم على نجاح الصفقه؛ فالصوره تکتمل مع احتساب ما قد تحققه الهند من وفورات فی الطاقه، مقابل ما تحافظ علیه من صادرات وفرص عمل.
المصدر: الجزیره