
وکاله آریا للأنباء -
وفی هذا السیاق، قال عضو مصرف لیبیا المرکزی السابق، الدکتور مراجع غیث، فی حدیث خاص لـ"سبوتنیک"، إن فاتوره المرتبات فی لیبیا ارتفعت بشکل کبیر، لتتضاعف نحو ثلاث مرات خلال السنوات الخمس الماضیه، مرجعًا ذلک إلى تنفیذ زیادات فی المرتبات بطریقه وصفها بالعشوائیه.وأوضح غیث أن بعض الزیادات لم تکن عادله، مشیرًا إلى أن زیادات طالت بعض الجهات والمصالح لأهداف لا علاقه لها بتحسین المستوى المعیشی،وأضاف: "لو کانت الزیادات مرتبطه فعلًا بالمستوى المعیشی، لکان من المفترض أن تطبق على جمیع الموظفین، لأنهم یعیشون فی الدوله نفسها ویشترون من الأسواق نفسها".وانتقد غیث آلیه إقرار زیادات المرتبات، قائلًا إن الجهه التنفیذیه أو الإداریه لا ینبغی أن تکون هی التی تحدد المرتبات وتقدم مقترحات الزیاده ثم تُحال إلى مجلس الوزراء للموافقه علیها، موضحًا أن الاختصاص الأصیل فی هذا الشأن یعود إلى مجلس الوزراء، وفق ما نص علیه قانون علاقات العمل لسنه 2012، بینما تلتزم الجهات التنفیذیه بما یقره المجلس.وحذر غیث من أن الزیادات المتکرره فی المرتبات قد تؤدی إلى ارتفاع الأسعار وزیاده معدلات التضخم، معتبرًا أن معالجه تراجع القدره الشرائیه لا تکون بالاستمرار فی رفع المرتبات، وإنما من خلال العمل على استقرار سعر الصرف إلى مستوى مقبول، بما یسهم فی خفض الأسعار وتقلیص الضغوط المعیشیه على المواطنین.وأضاف أن الموظف قد یشعر بأن دخله ارتفع نتیجه زیاده المرتب، لکنه فی الواقع قد لا یستفید من هذه الزیاده إذا ارتفعت الأسعار بالمعدل نفسه أو بمعدل أکبر، موضحًا أن هذا یدخل ضمن ما یُعرف بـ"الوهم المالی"، أی الاعتقاد بأن الدخل الحقیقی ارتفع بینما تکون القدره الشرائیه قد تراجعت نتیجه ارتفاع الأسعار.ولفت غیث إلى أن الزیادات المتتالیه فی المرتبات أسهمت، من وجهه نظره، فی ارتفاع تکلفه المعیشه وتکالیف السلع والخدمات، مؤکدًا أن معالجه هذه الحلقه تتطلب اتخاذ إجراءات أکثر استقرارًا فی السیاسه المالیه.من جانبه، قال الخبیر الاقتصادی والمالی الدکتور أبو سیف أغنیه، فی حدیث خاص لسبوتنیک إن ارتفاع فاتوره المرتبات فی لیبیا لا یمکن النظر إلیه باعتباره مجرد نتیجه طبیعیه لتحسین الأجور وتسویه أوضاع العاملین، موضحًا أن القضیه الأساسیه تتمثل فی مدى قدره الدوله على تحمل هذه الزیاده بصوره مستدامه، ولیس بشکل مؤقت.وأوضح أغنیه أن المرتبات أصبحت تستهلک جانبًا کبیرًا جدًا من المیزانیه العامه، فی ظل اعتماد الاقتصاد اللیبی بدرجه کبیره وخطیره على مصدر رئیسی ووحید للدخل، وهو النفط، وأشار إلى أن بیانات صندوق النقد الدولی لعام 2024 تفید بأن الإنفاق على المرتبات یمثل نحو 30% من الناتج المحلی الإجمالی، ونحو 50% من الإنفاق الجاری، معتبرًا أن هذه النسب من بین الأعلى عالمیًا.وقال أغنیه إن رفع المرتبات قد یکون مبررًا عندما یرتبط بإصلاح هیکلی وتحسین الإنتاجیه وتصحیح الاختلالات فی منظومه الأجور، لکنه یصبح "خطرًا شدیدًا" عندما یتحول إلى التزام دائم على الدوله یتم تمویله بصوره أساسیه من الإیرادات النفطیه، وهی إیرادات متقلبه وغیر مستقره.وأضاف أنه فی هذه الحاله، فإن أی انخفاض فی أسعار النفط أو تراجع فی إنتاجه سیضع الدوله أمام معادله صعبه، تتمثل فی انخفاض الإیرادات مقابل التزامات مالیه، وفی مقدمتها المرتبات، التی یصعب خفضها بعد زیادتها، بل تمیل إلى الارتفاع مع مرور الوقت.وختم اغنیه حدیثه بالإشاره إلى أن قدره الدوله على الوفاء بالتزاماتها لا ینبغی أن تُقاس بقدرتها على دفع المرتبات خلال سنوات ارتفاع أسعار النفط، باعتبار النفط المصدر الرئیسی والوحید تقریبًا للإیرادات، وإنما بقدرتها على الاستمرار فی الوفاء بهذه الالتزامات عندما تنخفض أسعار النفط أو یتراجع الإنتاج أو تمر البلاد بأزمه اقتصادیه أو مالیه.