وکاله آریا للأنباء - لوحه أسعار العملات تعرض الدولار عند 242 ألف تومان أمام مکتب صرافه فی طهران، وسط ضغوط متواصله على الریال الإیرانی (الجزیره)
أمام مکاتب الصرافه فی شمال غرب طهران ، لا یقف الباحثون عن تذاکر سفر أو صفقات تجاریه فقط. فمع تسجیل الدولار نحو 2.5 ملیون ریال فی السوق الموازیه، یتجه بعض الإیرانیین إلى شراء العملات الأجنبیه والذهب والفضه، خشیه أن تفقد مدخراتهم جزءا جدیدا من قیمتها مع أی هبوط مقبل للریال.
وتقول مراسله الجزیره رانیا قاسمی إن حرکه البیع والشراء فی السوق الموازیه سجلت سعرا جدیدا للدولار، فیما ظهر ازدحام عند بعض محال الصرافه. وبین متردد یرید عمله للسفر أو التجاره، وآخر یحول جزءا من مدخراته إلى الذهب أو الدولار، یصبح سعر الصرف قرارا یومیا یتعلق بما یمکن الاحتفاظ به الیوم وما یمکن شراؤه غدا.
قصص مقترحه
list of 2 items list 1 of 2 قطر تؤکد استمرار الوساطه بین أمریکا وإیران وتحذر من فرض أمر واقع بالضفه list 2 of 2 مضیق هرمز والملف النووی فی صلب الخلاف الأمریکی الإیرانی end of list لکن القصه التی تظهر على شاشات محال الصرافه لا تبدأ هناک. فهی تمتد إلى البحر، حیث تضیق مصادر العمله الصعبه، ثم تعود إلى الداخل فی صوره ارتفاع فی کلفه السلع وتراجع فی القدره الشرائیه وتبدل فی سلوک الادخار.

مسار تراجع الریال الإیرانی فی 2026 مع الضغط على سوق الصرف والإقبال على الدولار والذهب لحمایه المدخرات (الجزیره) من شاشات الصرافه إلى مدخرات الأسر
حین یرتفع سعر الدولار، لا تبقى آثاره محصوره فی سوق العملات. فالسلع الغذائیه والإلکترونیات والأجهزه والسیارات تعتمد بدرجات متفاوته على الاستیراد أو على مکونات تدخل البلاد بسعر صرف أعلى.
ومع توقع الأسر استمرار الغلاء، یتحول الدولار والذهب من أدوات للادخار والاستثمار إلى ملاذ لحمایه المال من تراجع قیمه الریال. وهنا تتشکل دائره ضغط صعبه: الخوف من انخفاض العمله یدفع إلى شراء الدولار، وزیاده الطلب على الدولار تضیف ضغطا جدیدا على العمله.
وتحاول الحکومه الحد من انتقال هذه الصدمه عبر أسعار صرف رسمیه مدعومه للسلع الأساسیه والأدویه وبعض مدخلات الإنتاج. لکن سعر السوق الموازیه یظل مؤثرا فی تکالیف التجاره وتوقعات التجار والمستهلکین، خاصه فی اقتصاد یواجه تضخما مرتفعا منذ سنوات.
وأوضح مرکز الإحصاء الإیرانی أن معدل التضخم السنوی بلغ 69.9% فی أغسطس/آب، فیما ارتفعت أسعار مجموعه الغذاء 128% مقارنه بالشهر نفسه من العام السابق، بحسب البیانات التی نقلتها الجزیره عن المرکز.
ویتداول الإیرانیون التومان فی الاستخدام الیومی، ویساوی التومان 10 ریالات. لذلک یعادل سعر 250 ألف تومان (نحو دولار واحد) نحو 2.5 ملیون ریال.
شریان الدولار یضیق فی البحر
لا تواجه إیران ضغطا نقدیا بسبب الطلب المحلی فقط، بل بسبب صعوبه وصول عائدات النفط إلى الاقتصاد فی ظل اضطراب حرکه الناقلات وقیود التجاره والتحویلات.
فبحسب بیانات منصه تانکر تراکرز، کانت 29 ناقله تحمل نحو 36 ملیون برمیل من النفط الإیرانی عالقه فی میاه الخلیج فی 25 سبتمبر/أیلول. وفی الاتجاه المقابل، أشارت رویترز إلى تکدس 27 ناقله إیرانیه فارغه قباله سواحل سریلانکا، ما یعنی أن القیود لا تطال خروج الشحنات المحمله فقط، بل تعرقل عوده الناقلات اللازمه لاستمرار دوره التصدیر.
وقال نافین داس، المحلل الأول للنفط الخام فی شرکه کبلر، للجزیره إن تعطل خروج الناقلات المحمله وعوده الناقلات الفارغه یضغط مباشره على عائدات النفط وتدفقات النقد الأجنبی، کما یحد من قدره إیران على التخزین ویزید احتمال خفض الإنتاج تدریجیا.
وهنا تظهر آلیه الأزمه: النفط الذی لا یغادر أو یتأخر فی الوصول إلى مشتریه لا یعنی برامیل عالقه فقط، بل یعنی عمله أجنبیه أصعب وصولا إلى الاقتصاد. وکلما ضاقت هذه التدفقات، أصبحت قدره السلطات على تمویل الواردات والتدخل فی سوق الصرف أکثر کلفه.
ملیارا دولار للتهدئه
وفی کلمه ألقاها یوم 1 سبتمبر/أیلول خلال المؤتمر 36 للصیرفه الإسلامیه، قال محافظ البنک المرکزی الإیرانی عبد الناصر همتی إن البنک مستعد لعرض ما یصل إلى ملیاری دولار فی سوق الصرف لإداره التقلبات، مؤکدا توافر موارد من النقد الأجنبی. ولم یحدد فی کلمته موعد العرض أو آلیته أو ما إذا کان المبلغ سیطرح دفعه واحده أو على مراحل.
ولا یعنی ذلک أن التدخل بلا أثر. فعرض العمله الصعبه یمکن أن یخفف موجه شراء حاده أو یرسل إشاره اطمئنان إلى السوق. لکن أثره یبقى مرتبطا بقدره الاقتصاد على تجدید مصادر الدولار، وبحجم الأموال السائله المتاحه للبنک المرکزی من دون إضعاف تمویل الغذاء والدواء والمواد الأولیه.
وتضع هذه المعادله السلطات أمام مفاضله بین استخدام مواردها لتهدئه سوق الصرف، والإبقاء على جزء منها لتمویل احتیاجات الاستیراد. وقد قال همتی إن البنک المرکزی خصص 3.7 ملیارات دولار لاستیراد السلع الأساسیه والأدویه خلال الأشهر الثلاثه الأولى من السنه الإیرانیه، فی مؤشر على حجم المنافسه على العمله الأجنبیه.

إیرانیون أمام متاجر فی طهران وسط ضغوط ارتفاع الأسعار وتراجع القوه الشرائیه (الفرنسیه) دولار غیر متاح دائما
یرى الخبیر الاقتصادی محمد إسلامی أن صادرات إیران النفطیه وغیر النفطیه لم تتوقف، وأن طهران بنت خلال عقود من العقوبات قنوات بدیله للتجاره والتحویل، مستفیده من حدودها البریه وعلاقاتها الاقتصادیه مع دول الجوار والصین .
لکن استمرار بیع النفط أو تبادل السلع لا یساوی بالضروره توافر دولار نقدی یمکن استخدامه فورا فی سوق الصرف. فقد تبقى بعض العائدات خارج النظام المصرفی المحلی، أو تمر عبر قنوات أعلى کلفه وأطول زمنا، أو تستخدم فی مقایضات تؤمن سلعا وخدمات أکثر مما توفر سیوله جاهزه.
وهذا هو الفارق بین استمرار التجاره وبین قدره البنک المرکزی على الدفاع عن الریال. فالسوق لا تقیس حجم ما بیع فقط، بل تقیس أیضا حجم ما یمکن تحویله واستخدامه بسرعه فی الداخل.
حین یصبح الادخار دفاعا عن المعیشه
فی طهران، لا یبدو شراء الذهب أو الدولار مجرد اختیار مالی. إنه محاوله من بعض الأسر لحمایه الراتب أو ثمن سلعه أو مدخرات سنوات من تقلبات یصعب توقع نهایتها.
وقد یتغیر السعر فی الصرافه خلال ساعات، لکن الأثر الأعمق یظهر لاحقا فی السوق: تاجر یؤجل التسعیر، ومستهلک یقلص قائمته، وأسره تحول ما یتبقى لدیها من الریال إلى أصل ترى أنه أقل عرضه للتراجع.
وبین ناقلات نفط عالقه فی الخلیج ودولار یزداد طلبه فی الداخل، لا تصبح أزمه الریال مجرد رقم اقتصادی. إنها السلسله التی تنقل أثر الحرب وتعثر التجاره من البحر إلى مدخرات الناس وقدرتهم على تدبیر یومهم التالی.
المصدر: الجزیره