وکاله آریا للأنباء -
بیروت – بین کتاب للأطفال لا یتجاوز سعره خمسه دولارات، وروایه قد یصل ثمنها إلى عشرین دولاراً أو أکثر، تتجلى إحدى مفارقات سوق الکتاب فی لبنان ؛ فالقراء لا یزالون یبحثون عن عناوین جدیده، لکن قدرتهم على شرائها باتت مرهونه بحسابات المعیشه الیومیه. وفی بلد أنهکت أزمته الاقتصادیه الأسر والمؤسسات، لم یعد التحدی مقتصراً على جذب القارئ إلى الکتاب، بل امتد إلى إبقائه فی متناول یده.
وفی دورته السابعه والستین، التی تُقام بین 9 و18 أکتوبر/تشرین الأول، یجمع معرض بیروت العربی الدولی للکتاب 163 دار نشر تحت سقف واحد، للمره الأولى بعد سنوات من تنظیم معرضین منفصلین. وجاءت الخطوه ثمره اتفاق بین النادی الثقافی العربی ونقابه اتحاد الناشرین فی لبنان، بالتنسیق مع وزاره الثقافه، سعیاً إلى توحید الجهود واستعاده الزخم فی قطاع النشر.
قصص مقترحه
list of 2 items غیر أن جمع الناشرین تحت سقف واحد لا یبدد التحدیات التی تواجههم؛ فالأزمه الاقتصادیه أعادت ترتیب أولویات إنفاق الأسر، فیما تزاحم الشاشات والمنصات الرقمیه الکتاب الورقی على وقت القراء واهتمامهم. وبین ضغوط المعیشه والتحول الرقمی، یسعى العاملون فی القطاع إلى الحفاظ على جمهور القراءه وتوسیع خیاراته، فی سوق لم تعد فیه الرغبه فی اقتناء الکتب کافیه لضمان شرائها.
کتاب فی المیزانیه
یرصد جورج قسیس، من مکتبه لبنان ناشرون، فی حدیث للجزیره نت، تراجعاً فی الإقبال على الکتب، ویربطه بتزامن التحول التکنولوجی مع الضغوط المعیشیه. فالناس، کما یقول، لا یزالون یحبون القراءه والثقافه، لکن انشغالهم بتأمین نفقاتهم الیومیه یحد من قدرتهم على تخصیص جزء من دخلهم لشراء الکتب.

تفاوت أسعار الکتب بین أربعه دولارات وعشرین دولارا أو أکثر بحسب نوع الإصدار ومحتواه وطبیعته (الجزیره) ولا یعنی ذلک، فی رأیه، انحسار الاهتمام بالقراءه؛ إذ یتیح استمرار تنظیم معارض الکتب للقطاع فرصه للحفاظ على جمهوره بانتظار تحسن الظروف الاقتصادیه، آملاً أن یستعید الکتاب مکانته فی حیاه اللبنانیین حین تسمح أوضاعهم المادیه بذلک.
وتکشف هذه الشهاده عن معضله تواجه السلع الثقافیه فی أوقات الأزمات؛ فالکتاب، رغم أهمیته، ینافس احتیاجات أکثر إلحاحاً فی میزانیه الأسره، من الغذاء والسکن إلى التعلیم والنقل. ومع تقلص الإنفاق الاختیاری، یصبح قرار الشراء أکثر انتقائیه، وقد یؤجل القارئ اقتناء کتاب أو یلجأ إلى بدیل أقل کلفه.
الأسعار والخیارات
تعکس أسعار الکتب المعروضه تفاوت الکلفه بحسب نوع الإصدار ولغته ومحتواه. وتقول کریستیان شویری، صاحبه مکتبه "لا فیمینیس" (La Féminice)، للجزیره نت، إن أسعار الکتب التی توفرها تتراوح بین خمسه دولارات وعشرین أو ثلاثین دولاراً، تبعاً للعنوان وطبیعته.
وتوضح أن أسعار کتب الأطفال تتراوح عموماً بین خمسه دولارات و15 دولاراً، فیما تبدأ أسعار کثیر من روایات الکبار من نحو 12 دولاراً، وفق تقدیرها. وتعکس هذه النطاقات تنوع المعروض، لکنها لا تمثل متوسطاً عاماً لأسعار الکتب فی لبنان.
وتوفر شویری عناوین بالعربیه والفرنسیه والإنجلیزیه، إلى جانب توزیع إصدارات دور نشر لبنانیه وعربیه، بینها دور من الأردن والإمارات والمغرب. وتلاحظ تراجع الإقبال على الکتب الفرنکوفونیه، ما یتطلب جهداً أکبر للحفاظ على قرائها، مقابل حضور متزاید للکتب الإنجلیزیه.
أما العربیه، فتوضح أنها بدأت تستعید مکانتها بعد فتره من التراجع، مدفوعه بظهور إصدارات أکثر تنوعاً وتمیزاً. وعلیه، لا تقتصر المنافسه فی سوق الکتاب على الأسعار، بل تشمل قدره الناشرین على توفیر عناوین تلبی اهتمامات القراء بلغاتهم المختلفه، وتحفزهم على تخصیص جزء من إنفاقهم لاقتنائها.
من جانبه، یقدر ألان أسمر، من شرکه "سورید" المتخصصه فی استیراد الکتب وتوزیعها، أسعار الکتب العادیه بما یتراوح بین أربعه دولارات و15 دولاراً، وقد تصل إلى عشرین دولاراً، خصوصاً للإصدارات التی تتضمن صوراً أو محتوى ممیزاً. ویضع متوسط سعر الکتاب، استناداً إلى تجربته، بین سبعه وعشره دولارات.

معرض بیروت للکتاب (الجزیره) ویظهر اختلاف تقدیرات العاملین فی القطاع أن کلفه الکتاب لا یمکن اختزالها فی رقم واحد، إذ تتأثر بطبیعه الإصدار ولغته ومحتواه، فیما تتفاوت القدره الشرائیه بین القراء. ومع ذلک، فإن توافر کتب بأسعار تبدأ من أربعه أو خمسه دولارات لا یحسم مسأله القدره على شرائها، خصوصاً لدى الأسر المضطره إلى المفاضله بین احتیاجاتها الأساسیه.
الأطفال فی الواجهه
رغم الضغوط الاقتصادیه والتحول الرقمی، لا یرى أسمر أن الإقبال على القراءه قد اختفى، مشیراً إلى استمرار اهتمام الأطفال بالمطالعه، ومواصله الشرکه جهودها لتشجیعهم عبر التواصل مع المدارس وتحفیزهم على القراءه.
وتعمل "سورید" فی لبنان منذ نحو ستین عاماً، وتوفر کتباً بالفرنسیه والإنجلیزیه، تشمل الکتب المدرسیه وإصدارات الأطفال والکبار. ویرى أسمر أن الظروف الاجتماعیه والاقتصادیه تؤثر فی قرارات الشراء، بعدما تراجع الکتاب على سلم أولویات کثیر من الأسر، لکنه یؤکد استمرار أهمیه القراءه فی تنمیه المعرفه والقدرات الذهنیه.
ویکشف ذلک جانباً آخر من التحدی؛ فالحفاظ على القارئ لا یبدأ من جناح البیع، بل من المدرسه والبیت، حیث تتشکل عادات القراءه. ومع ضیق میزانیات الأسر، یصبح تشجیع الأطفال على المطالعه جزءاً من جهود حمایه سوق الکتاب من تراجع الطلب على المدى الطویل.
سوق أوسع
لا تنحصر تحدیات النشر فی القدره الشرائیه للقارئ، بل تمتد إلى تکالیف الإنتاج والتوزیع، وضیق السوق المحلیه، والقرصنه، والتحولات فی أنماط استهلاک المحتوى.

برنامج ثقافی متنوع یضم ندوات ومحاضرات ولقاءات وأمسیات ثقافیه وأنشطه للأطفال (الجزیره) وخلال إطلاق المعرض، أشار وزیر الثقافه غسان سلامه إلى صعوبه التحدیات التی تواجه قطاع النشر، والحاجه إلى تعزیز حضور الناشرین اللبنانیین فی الأسواق الخارجیه.
وأعلن سلامه العمل على رقمنه المکتبه الوطنیه وتجدید محتویات نحو 57 مکتبه فی المناطق اللبنانیه، إلى جانب التعاون مع وزاره العدل لملاحقه القرصنه، وتعزیز مشارکه الناشرین اللبنانیین فی المعارض الخارجیه.
وتبرز هذه الإجراءات أهمیه التعامل مع قطاع الکتاب بوصفه سلسله اقتصادیه وثقافیه مترابطه، تبدأ بالتألیف وحقوق النشر والترجمه، وتمر بالطباعه والاستیراد والتوزیع، وصولاً إلى القارئ. وأی خلل فی إحدى حلقاتها قد ینعکس على الأسعار أو تنوع العناوین المتاحه أو قدره دور النشر على الاستمرار.
وفی هذا السیاق، قد یتیح توحید معرض بیروت تنسیقاً أفضل بین الناشرین وتواصلاً أوسع مع الجمهور، لکن قیاس أثر الخطوه فی المبیعات وتکالیف المشارکه یتطلب بیانات فعلیه من المنظمین والعارضین. فعدد دور النشر المشارکه وحده لا یکفی للحکم على حجم التعافی، دون مقارنته بأعداد الزوار والمبیعات وتکالیف المشارکه فی الدورات السابقه.
ذاکره وکتاب
ولا یقتصر المعرض على الجانب التجاری؛ إذ یتضمن برنامجه ندوات ومحاضرات ولقاءات ثقافیه وأمسیات وأنشطه للأطفال، إلى جانب نقاشات بشأن الأضرار التی لحقت بالمواقع الأثریه والتراثیه فی جنوب لبنان جراء الحرب.

القدره الشرائیه للقراء وتکالیف المعیشه عاملان أساسیان فی تحدید قدره الناشرین على الحفاظ على جمهورهم (الجزیره) ویمنح هذا الحضور الثقافی الکتاب دوراً یتجاوز البیع والشراء، لیصبح وسیله لتوثیق التحولات التی یشهدها البلد وحفظ جانب من ذاکرته. ففی بلد تعرضت مناطق منه للدمار والنزوح، لا تنفصل الثقافه عن جهود حمایه التراث وإعاده وصل الناس بأماکنهم وتاریخهم.
وبین أجنحه الناشرین والندوات والأنشطه المخصصه للطلاب والأطفال، یسعى المعرض إلى الحفاظ على مکانه الکتاب فی الحیاه العامه، فی وقت تتغیر فیه عادات القراءه وتشتد المنافسه على إنفاق الأسر واهتمامها.
وتبقى معضله سوق الکتاب فی لبنان مرتبطه، بالدرجه الأولى، بالفجوه بین الرغبه فی القراءه والقدره على شراء الکتب. وقد یمنح المعرض الموحد الناشرین فرصه أوسع للوصول إلى الجمهور، لکن التحدی الأهم یظل إبقاء الکتاب فی متناول القارئ وسط ضیق میزانیات الأسر.
المصدر: الجزیره