وکاله آریا للأنباء - مواطنون داخل صیدلیه بمدینه أمدرمان ینظرون الحصول على الدواء (الجزیره)
لم یکن محمد المصطفى یتوقع أن تتحول زیارته المعتاده إلى الصیدلیه لشراء علاج والدته المصابه بالروماتوید إلى صدمه جدیده؛ فقبل شهرین، کانت تکلفه العلاج الشهری تبلغ نحو 500 ألف جنیه (نحو 80 دولارا)، وهو مبلغ کان یثقل میزانیه الأسره، لکنه ظل فی حدود الممکن، أما الیوم، فقد ارتفعت التکلفه إلى نحو 800 ألف جنیه (نحو 130 دولارا).
یقول محمد للجزیره نت إن الزیاده المفاجئه وضعته أمام معادله صعبه تتکرر یومیا لدى آلاف الأسر السودانیه، تتمثل فی کیفیه توفیر علاج لا یحتمل التأجیل، فی وقت تتصاعد فیه الضغوط المعیشیه وتتراجع القدره الشرائیه.
اقرأ أیضا
list of 4 items list 1 of 4 أکثر من 11 ألف أسره نازحه بسبب تقلیص المساعدات الغذائیه فی السودان list 2 of 4 109 أحزاب فی السودان.. مؤشر عافیه أم مرض سیاسی؟ list 3 of 4 بالإبره والخیط.. قصص نساء سودانیات قهرن الشتات وویلات الحرب list 4 of 4 الأبیض على حافه الکارثه.. هل تعید الحرب فی کردفان مشاهد دارفور؟ end of list کُلفه استیراد الأدویه
لا تبدو حاله محمد حاله استثنائیه، بل تعکس واقعا یعیشه کثیر من مرضى الأمراض المزمنه فی السودان ، مع استمرار تراجع قیمه الجنیه أمام العملات الأجنبیه وارتفاع تکلفه استیراد الأدویه، الأمر الذی أدى إلى زیادات متلاحقه فی أسعارها، وحول رحله البحث عن العلاج إلى عبء اقتصادی یثقل کاهل المرضى والصیدلیات على حد سواء.
وخلال الأسابیع الأخیره، شهدت أسعار عدد من الأدویه زیادات تراوحت بین 30% و35%، شملت علاجات أمراض القلب والروماتوید والأمراض النفسیه.
تأتی الزیادات فی وقت لا تزال فیه الأسر السودانیه تواجه تداعیات الحرب بین الجیش السودانی وقوات الدعم السریع وتدهور الأوضاع الاقتصادیه، وسط ارتفاع معدلات الفقر وتراجع القدره على تحمل تکالیف العلاج.
وزادت الحرب من تعقید أزمه الدواء بعد أن تعرضت مصانع الأدویه لأضرار کبیره، ما أدى إلى توقف معظمها عن الإنتاج.
وتشیر تقدیرات فی قطاع الصناعات الدوائیه إلى أن نحو 8 مصانع فقط عادت إلى العمل، من أصل 30 مصنعا کانت توقفت بسبب الحرب فی العاصمه الخرطوم، الأمر الذی عمّق اعتماد السوق على الأدویه المستورده فی وقت یشهد فیه سعر الصرف تقلبات حاده.

جهود لتوفیر الأدویه المنقذه للحیاه فی صیدلیات الدواء الدایٔری (الجزیره) تقلبات سعر الصرف
لا یقتصر أثر ارتفاع الأسعار على المرضى وحدهم، بل یمتد إلى الصیدلیات التی تجد نفسها أمام تغیرات متلاحقه فی أسعار الأدویه، ویقول الطبیب حسام معاذ، صاحب صیدلیه خاصه، إن المرضى یلاحظون فروقا واضحه فی أسعار الدواء عند تکرار الشراء، حتى خلال فترات قصیره، بسبب استمرار تحدیث الأسعار من قبل الشرکات المورده.
ویضیف فی حدیثه للجزیره نت أن أصحاب الصیدلیات الذین لا یواکبون هذه التغییرات قد یتعرضون لخسائر عند إعاده شراء الأصناف، مشیرا إلى أن بعض الشرکات تضطر أحیانا إلى إیقاف البیع مؤقتا إلى حین استقرار الأسعار أو تحدیثها.
کما لفت إلى وجود تفاوت فی أسعار بعض الأدویه بین الصیدلیات بحسب توقیت شراء المخزون، مؤکدا أن أصحاب الأمراض المزمنه، ولا سیما محدودی الدخل، هم الأکثر تضررا من هذه الزیادات، لارتباط علاجهم بجرعات منتظمه لا یمکن الاستغناء عنها.

معاناه مستمره للحصول على الدواء مع ارتفاع أسعاره (الجزیره) وتؤکد شرکات استیراد الأدویه أن تقلبات سوق الصرف أصبحت تمثل أکبر التحدیات أمام استمرار الإمداد الدوائی.
ویقول صاحب إحدى شرکات استیراد الأدویه، طلب عدم نشر اسمه، إن سعر شراء الدولار الأمریکی ارتفع بنحو 25% خلال الأسبوع الماضی، وهو ما انعکس مباشره على تکلفه استیراد الأدویه.
ویضیف فی حدیثه للجزیره نت أن استمرار تقلبات سعر الصرف دفع بعض المستوردین إلى إیقاف عملیات البیع مؤقتا والاحتفاظ بمخزونهم لحین استقرار الأسعار، تجنبا لتکبد خسائر إضافیه.
وحذر صاحب شرکه الأدویه من أن استمرار هذا الوضع قد یؤدی إلى نقص بعض الأصناف الدوائیه فی الأسواق إذا تعذر على الشرکات تعویض مخزونها بالأسعار الجدیده.
وفره فی المخزون
فی المقابل، أکد مدیر الدواء الدائری حافظ أحمد، أن الإمداد الدوائی یلتزم بقائمه الأدویه الأساسیه التی تعتمدها وزاره الصحه، والبالغ عددها نحو 600 صنف، مع الترکیز على نحو 100 صنف من أدویه الطوارئ والأدویه المنقذه للحیاه، مؤکدا وجود وفره فی المخزون الدوائی داخل صیدلیات الدواء الدائری.
وفیما یتعلق بالأسعار، أوضح فی حدیثه للجزیره نت أن عملیه التسعیر تتم بواسطه المجلس القومی للأدویه والسموم، وفق الآلیات المعتمده، واحتساب هامش ربح یقدر بنحو 20% على سعر الدواء من الشرکه المصنعه.

شارع الأطباء فی أمدرمان (الجزیره) "إعلان حرب"
لکن المتحدث باسم تجمع الصیادله المهنیین صالح جعفر، یرى أن الزیادات الأخیره فی أسعار الأدویه تمثل "إعلان حرب على المرضى" فی ظل الظروف الاقتصادیه الراهنه، إذ تضطر کثیر من الأسر إلى التضحیه باحتیاجات أساسیه أخرى لتوفیر تکلفه العلاج، باعتباره أولویه لا یمکن تأجیلها.
ویحذر جعفر فی مقابله مع الجزیره نت من أن عدم قدره بعض المرضى على شراء العلاج یدفعهم إلى ممارسات غیر آمنه، مثل عدم الانتظام فی الجرعات أو اللجوء إلى العلاجات التقلیدیه، وهو ما قد یؤدی إلى مضاعفات صحیه ویزید من تدهور حالتهم المرضیه.
ویرى جعفر أن الأزمه لا ترتبط بارتفاع سعر الدولار وحده، وإنما أیضا بالسیاسات الصحیه، معتبرا أن وضع المرضى فی مقدمه الأولویات کان من شأنه التخفیف من آثار الأزمه.
ویضیف أن استمرار الأوضاع الحالیه سیؤدی إلى تفاقم المعاناه الصحیه، مجددا الدعوه إلى توفیر دواء آمن وفعال وبأسعار تتناسب مع الأوضاع المعیشیه للمواطنین.
وبین تأکیدات الجهات الرسمیه باستقرار الإمداد الدوائی، وشکاوى المرضى والصیادله من الارتفاع المتواصل للأسعار، تبقى تکلفه العلاج واحده من أکبر التحدیات التی تواجه الأسر السودانیه.
وفی ظل استمرار تقلبات سعر الصرف، یظل السؤال مطروحا حول قدره النظام الصحی والسیاسات الاقتصادیه على ضمان وصول الدواء إلى من یحتاجه، قبل أن تتحول کلفته إلى حاجز یحرم آلاف المرضى من حقهم فی العلاج.
المصدر: الجزیره