
وکاله آریا للأنباء -
رغم أن الصین تُعد أکبر مستورد للنفط والغاز المسال فی العالم، فإن التوترات المتصاعده فی مضیق هرمز لم تدفعها إلى الاکتفاء بإداره تداعیات الأزمه، بل سرعت مسارا إستراتیجیا بدأته منذ سنوات لتقلیص اعتمادها على الوقود الأحفوری ، فی محاوله لتحویل المخاطر الجیوسیاسیه إلى فرصه تعزز أمنها الطاقوی ونفوذها الاقتصادی.
وتأتی هذه التحولات فی وقت یظل فیه مضیق هرمز أحد أکثر الممرات البحریه حساسیه، إذ یمر عبره نحو خمس إنتاج النفط العالمی، ما یجعل أی اضطراب فی الملاحه مؤثرا مباشره فی کبار المستوردین، وعلى رأسهم الصین التی یعتمد جزء کبیر من وارداتها النفطیه على هذا المسار.
وتشیر معطیات -استعرضتها الجزیره عبر نافذه اقتصادیه- إلى أن واردات الصین النفطیه تراجعت منذ اندلاع الحرب، إذ بلغ متوسط الواردات منذ أبریل/نیسان نحو 8 ملایین برمیل یومیا، فیما سجلت الشحنات خلال یونیو/حزیران انخفاضا بنحو 60% مقارنه بمستویات ما قبل الأزمه، بفعل اضطراب الإمدادات وارتفاع الأسعار.
کما تظهر البیانات أن الطلب الصینی على النفط مرشح للتراجع بصوره دائمه بنحو ملیونی برمیل یومیا، مدفوعا بالتحول المتسارع نحو الکهرباء وتحسن کفاءه استهلاک الطاقه، بعدما استحوذت السیارات الکهربائیه والهجینه على 62% من مبیعات السیارات الجدیده داخل السوق الصینیه.
ویعزز هذا المسار خطط بکین لتحویل 80% من شاحنات النقل إلى التشغیل الکهربائی، فی وقت تحولت فیه نصف سیارات الأجره بالفعل إلى الکهرباء، بینما اقتربت النسبه من الاکتمال داخل المدن الکبرى، بما یقلص تدریجیا استهلاک البنزین والدیزل.
وفی هذا السیاق، توضح مستشاره شؤون الطاقه جیسیکا عبید أن الصین تستورد نحو 33% من النفط العابر عبر مضیق هرمز، وهو ما یجعلها شدیده التأثر بأی اضطراب، إلا أنها تعاملت مع هذه المخاطر باعتبارها حافزا لتسریع التحول إلى الکهرباء والطاقه البدیله وتعزیز الإنتاج المحلی للطاقه.
هوامش أمان جدیده
وترى جیسیکا أن بکین نجحت إلى حد کبیر فی بناء هوامش أمان، بعدما رفعت احتیاطیاتها الإستراتیجیه إلى أکثر من ملیار برمیل، وهو ما وفر لها قدره على امتصاص الصدمات وخفف من تأثیر اضطرابات الإمدادات فی الأسواق العالمیه.
وتلفت إلى أن هذا النجاح لا یلغی استمرار تحدیات کبیره، إذ لا یزال الاقتصاد الصینی یعتمد بدرجه ملحوظه على النفط والفحم، فی حین یفرض الاستخدام الواسع للفحم ضغوطا بیئیه مرتبطه بجوده الهواء، رغم التوسع فی مصادر الطاقه النظیفه والنوویه.
وتضیف أن الصین تمضی بوتیره متسارعه فی الاستثمار بالطاقه المتجدده ، إذ تضیف سنویا نحو 200 غیغاواط من القدرات الجدیده، أی ما یعادل نحو ثلث الزیادات العالمیه، وهو ما یعکس رهانها طویل الأمد على التحول الطاقوی.
وتؤکد أن هذه الاستثمارات لا تستهدف فقط خفض استهلاک النفط، بل تسعى أیضا إلى ترسیخ موقع الصین فی الصناعات المرتبطه بالطاقه النظیفه، بما یمنحها وزنا أکبر فی رسم مستقبل أسواق الطاقه العالمیه.
وترى المستشاره أن تحقیق الاستقلال الکامل عن النفط ما یزال هدفا بعید المدى، لأن التحول فی منظومه الطاقه یحتاج إلى سنوات، غیر أن الإجراءات التی اتخذتها بکین أسهمت بوضوح فی تقلیص أثر أزمه مضیق هرمز مقارنه بما کان متوقعا.
وتنسجم هذه السیاسه مع التحولات التی تشهدها أسواق الطاقه العالمیه، حیث لم تعد الدول الکبرى تکتفی بتأمین الإمدادات، بل باتت تسعى إلى إعاده تشکیل مزیج الطاقه لدیها لتقلیل تعرضها للصدمات الجیوسیاسیه مستقبلا.
نفوذ یتعزز تدریجیا
وتشیر جیسیکا إلى أن الصین أعادت خلال السنوات الأخیره ترتیب مصادر وارداتها النفطیه، عبر زیاده الاعتماد على الخام الروسی، إلى جانب توسیع استخدام خطوط الأنابیب داخل آسیا، بما یقلص من مخاطر الاعتماد الکامل على الممرات البحریه الحساسه.
وفی الوقت نفسه، تواصل بکین تعزیز حضورها فی الصناعات المرتبطه بالطاقه النظیفه، إذ تنتج نحو 70% من السیارات الکهربائیه عالمیا، کما توفر أکثر من 70% من مکونات مشاریع الطاقه النظیفه التی تعتمد علیها أسواق عدیده، بینها دول فی الشرق الأوسط .
وترى أن هذا التفوق الصناعی یمنح الصین فرصه لتعزیز نفوذها الجیوسیاسی، إذ لم تعد المنافسه تقتصر على تجاره النفط، بل امتدت إلى التقنیات وسلاسل الإمداد التی ستقود التحول العالمی فی قطاع الطاقه.
وتؤکد أن بکین کانت مرشحه لتکون من أکبر المتضررین من أزمه هرمز بحکم اعتمادها الکبیر على الواردات، إلا أن الاحتیاطیات الإستراتیجیه والإجراءات الاستباقیه التی اتخذتها خلال السنوات الماضیه حدت من حجم الخسائر.
وتضیف أن الصین ما زالت تواجه تحدیات مرتبطه بأمن الطاقه، لکنها استطاعت تحویل جانب مهم من الضغوط الحالیه إلى فرصه لتسریع التحول الاقتصادی، بما یعزز قدرتها على مواجهه الأزمات المستقبلیه.
المصدر: الجزیره