وکاله آریا للأنباء - الزراعه الأمریکیه أمام تحول تاریخی فی مکانتها العالمیه (الفرنسیه)
تقف الولایات المتحده أمام تحول تاریخی قد ینهی أکثر من قرن من هیمنتها على تجاره الغذاء العالمیه، بعدما تضافرت الحرب التجاریه مع الصین ، وتراجع أسعار المحاصیل، وارتفاع تکالیف الإنتاج، لتدفع أکبر قوه زراعیه فی العالم إلى حافه فقدان موقعها کأکبر مصدر للمنتجات الزراعیه لمصلحه البرازیل.
وتکشف صحیفه فایننشال تایمز أن الأزمه لا تتمثل فی ضعف الإنتاج، فالمزارع الأمریکیه لا تزال تحقق محاصیل قیاسیه، بل فی تراجع القدره على تحویل هذه المحاصیل إلى أرباح. ففی ولایه أیوا، أنتجت مزرعه کوری غودهیو أفضل محصول فول صویا فی تاریخها العام الماضی، لکنها تکبدت خسائر، بینما یتوقع أن تحقق هذا العام دخلا تشغیلیا لا یتجاوز 60 ألف دولار مقابل نفقات تزید على ملیونی دولار.
وتختصر هذه المفارقه واقع الزراعه الأمریکیه الیوم؛ مزارع أکبر، وتقنیات أکثر تطورا، وإنتاجیه مرتفعه، لکن بهوامش ربح تتآکل، وأسواق تصدیر فقدت استقرارها، واعتماد متزاید على الدعم الحکومی لتعویض الطلب الخارجی.
وتتوقع رابطه مکاتب المزارع الأمریکیه أن یسجل المنتجون العام المقبل خسائر تبلغ 138 دولارا لکل فدان من فول الصویا، و167 دولارا للذره، و145 دولارا للقمح، و406 دولارات للقطن، وهو ما یعکس أزمه تشمل معظم المحاصیل الرئیسیه، لا مجرد دوره مؤقته لانخفاض الأسعار.
الحرب التجاریه صنعت منافسا أقوى
وبلغت صادرات الولایات المتحده الزراعیه العام الماضی 171 ملیار دولار، بفارق ملیاری دولار فقط عن البرازیل، التی رفعت صادراتها خلال النصف الأول من العام الجاری بنسبه 6% إلى مستوى قیاسی بلغ 87 ملیار دولار، ما یجعل عام 2026 مرشحا لأن یشهد انتقال صداره الصادرات الزراعیه العالمیه من واشنطن إلى برازیلیا.

البرازیل تقترب من انتزاع صداره صادرات المنتجات الزراعیه (الفرنسیه) ولا یقتصر التفوق البرازیلی على إجمالی الصادرات؛ فالدوله الواقعه فی أمریکا الجنوبیه أصبحت أکبر منتج عالمی لفول الصویا ولحوم الأبقار والدواجن، کما انتزعت صداره صادرات القطن، مستفیده بصوره خاصه من تحول المشتریات الصینیه بعیدا عن الولایات المتحده.
وترى الصحیفه أن نقطه التحول جاءت عام 2018، عندما فرض الرئیس الأمریکی دونالد ترمب رسوما جمرکیه على واردات صینیه، وردت بکین باستهداف منتجات زراعیه أمریکیه، وفی مقدمتها فول الصویا القادم من الولایات التی شکلت قاعده انتخابیه لترمب.
ولم یکن أمام المزارعین الأمریکیین خیار وقف الإنتاج، بعدما استثمروا فی الأراضی والآلات والبذور والأسمده، فاضطرت الإداره الأمریکیه إلى تقدیم نحو 23 ملیار دولار من الإعانات خلال عامی 2018 و2019. غیر أن هذه الأموال عوضت جزءا من الخسائر، لکنها لم تستعد السوق الصینیه، التی اتجهت إلى البرازیل، حیث ترسخت خلال السنوات التالیه علاقات تجاریه واستثمارات فی التخزین والمعالجه والنقل یصعب تغییرها الیوم.
وبحسب فایننشال تایمز، أصبحت الولایات المتحده بالنسبه إلى کثیر من المشترین "المورد الاحتیاطی" لفول الصویا، بعدما کانت المورد الأول الذی یعتمد علیه السوق العالمی.
وتؤکد وزاره الزراعه الأمریکیه أن الصادرات قد تصل إلى مستوى قیاسی یبلغ 174 ملیار دولار خلال الاثنی عشر شهرا المنتهیه فی سبتمبر/أیلول، إلا أن الصحیفه تشیر إلى أن المشکله لا تکمن فی قیمه الصادرات وحدها، بل فی تراجع الحصه الأمریکیه داخل التجاره العالمیه، حیث انخفضت حصه الولایات المتحده من تجاره الذره العالمیه من 68% قبل عقدین إلى نحو 30% حالیا.
البرازیل تبنی نموذجا أکثر کفاءه
وترى الصحیفه أن صعود البرازیل لا یعود إلى الحرب التجاریه وحدها، بل إلى نموذج إنتاجی مختلف. فمساحات واسعه من البلاد قادره على إنتاج محصولین سنویا، بینما تصل بعض المناطق المرویه إلى ثلاثه محاصیل، وهو ما یسمح بتوزیع التکالیف الثابته على أکثر من موسم وتحسین هوامش الربح.

الصین أصبحت المحرک الرئیسی لتحولات سوق الحبوب العالمیه (غیتی) کما تتمتع البرازیل بوفره الأراضی وانخفاض أسعارها نسبیا، فیما تضاعف إنتاجها من الحبوب والبقولیات والبذور الزیتیه خلال ثلاثه عشر عاما لیصل إلى 346.1 ملیون طن فی عام 2025، مدفوعا بتطور الأبحاث الزراعیه وتحسین خصوبه الأراضی وتطویر أصناف ملائمه للمناخ الاستوائی.
ورغم ذلک، لا یخلو المشهد البرازیلی من التحدیات؛ إذ تعتمد البلاد على استیراد نحو 85% من احتیاجاتها من الأسمده، کما تواجه ارتفاع أسعار الفائده ، وتراجعا فی أسعار المحاصیل، واختناقات فی البنیه التحتیه، فضلا عن الانتقادات البیئیه المرتبطه بإزاله الغابات.
لکن الفارق، بحسب الصحیفه، أن البرازیل دخلت هذه الضغوط وهی تسیطر على الحصه الأکبر من السوق الصینیه، بینما دخلتها الولایات المتحده بعد أن فقدت أهم عملائها، ما حول تراجع الأسعار بالنسبه للمزارع الأمریکی من أزمه دوریه إلى أزمه تمس مستقبل القطاع نفسه.
من إنتاج الغذاء إلى إنتاج الوقود
وفی مواجهه تراجع الطلب الخارجی، أصبح القطاع الزراعی الأمریکی یعتمد بصوره متزایده على الطلب المحلی الذی تصنعه السیاسات الحکومیه، ولا سیما صناعه الإیثانول.
وتستهلک هذه الصناعه نحو 40% من محصول الذره الأمریکی، مدعومه بحوافز ضریبیه وقواعد اتحادیه لخلط الوقود الحیوی بالبنزین. کما رفعت وکاله حمایه البیئه هذا العام متطلبات مزج الوقود الحیوی إلى أعلى مستوى فی تاریخ البرنامج، قائله إنها ستوفر سوقا بقیمه 31 ملیار دولار للذره وزیت فول الصویا المستخدمین فی إنتاج الوقود الحیوی.

المزارع العائلیه الأمریکیه تواجه ضغوطا متزایده للبقاء (رویترز) وتنقل الصحیفه عن إحدى المزارعات فی ولایه أیوا قولها إن المزارع الأمریکیه أصبحت "تنتج الإیثانول أکثر مما تنتج الغذاء"، فی إشاره إلى التحول المتزاید من تلبیه الطلب العالمی على الغذاء إلى خدمه احتیاجات الطاقه المحلیه.
تداعیات تتجاوز الزراعه
ولا تقتصر آثار الأزمه على الاقتصاد الزراعی، بل تمتد إلى المجتمعات الریفیه نفسها. فاختفاء المزارع الصغیره لا یعنی خروج الأراضی من الإنتاج، وإنما انتقالها إلى عملیات زراعیه أکبر، الأمر الذی یقلص عدد الأسر الزراعیه، ویضعف النشاط الاقتصادی فی البلدات الریفیه، ویحد من النفوذ السیاسی للمزارعین داخل المجتمعات المحلیه.
وفی المقابل، تشهد مناطق الإنتاج الزراعی فی البرازیل نموا اقتصادیا وسکانیا متسارعا، مع ظهور مدن جدیده بنیت حول الصناعات الزراعیه ومنشآت التخزین والتصدیر، فی انعکاس واضح لانتقال جزء من الثقل الاقتصادی العالمی فی قطاع الغذاء من الغرب الأوسط الأمریکی إلى قلب البرازیل.
وترى فایننشال تایمز أن ما یحدث یتجاوز خساره الولایات المتحده مرکزها الأول فی ترتیب المصدرین؛ فهو یعکس انتقال مرکز الثقل الزراعی العالمی. فالمزارع الأمریکیه ما زالت تنتج بکفاءه عالیه، لکنها تحقق أرباحا أقل وتعتمد أکثر على الدعم الحکومی، بینما تستفید البرازیل من أسواق تصدیر مستقره، ونموذج إنتاج أکثر مرونه، وعلاقات تجاریه أصبحت أکثر رسوخا.
وبذلک، لا تواجه الولایات المتحده مجرد منافسه على حجم الصادرات، بل تحولا فی میزان القوه داخل سوق الغذاء العالمی، قد ینهی مرحله طویله کانت فیها المورد الأول الذی یحدد اتجاه التجاره الزراعیه الدولیه.
المصدر: فایننشال تایمز