وکاله آریا للأنباء -
جنوب لبنان- تحت شمس یولیو/تموز الحارقه، وقفت إحسان یاغی عند آخر نقطه یُسمح بالوصول إلیها قبل بلده زوطر الغربیه قضاء النبطیه ، تحدّق بصمت نحو التله التی تختبئ خلفها بلدتها، حیث یقع منزلها الذی وصلتها صوره وقد التهمته النیران.
3 دقائق فقط کانت تفصلها عن بیتها، لکنها بدت الیوم کأنها مسافه لا تُقطع؛ طریق مغلق بالألغام والرکام، والجیش اللبنانی یواصل إزاله المخاطر قبل السماح للأهالی بالعوده إلى قراهم.
للیوم الثالث على التوالی، تعود إحسان إلى المکان نفسه، تحمل معها صورا وصلتها لمنزلها المحترق، وتستعید فی ذاکرتها بیتا شُیّد قبل أکثر من 25 عاما، وأشجار زیتون رافقت عائلتها لأکثر من 4 عقود قبل أن تقتلعها جرافات الاحتلال الإسرائیلی.

إحسان یاغی تقف عند آخر نقطه باتجاه زوطر الغربیه على بُعد 3 دقائق فقط من منزلها (الجزیره) بالنسبه إلیها، لم تکن الخساره مجرد منزل أو أشجار بل جزءا من حیاه کامله، فالبیت یمکن أن یحترق، والزیتون یمکن أن یُقتلع، لکنها تقول فی حدیثها للجزیره نت إن الإنسان لا یستطیع أن ینتزع قلبه من أرضه. لذلک، لا ترى فی وقوفها الیومی عند مدخل البلده انتظارا عابرا بل تمسکا بحق العوده إلى المکان الذی وُلد فیه أهلها وعاش فیه أجدادها.
کلما رفعت یدها مشیره إلى زوطر الغربیه، کانت تفاصیل أخرى تظهر خلف التله. هناک منزل العائله الأول، وهناک الکنیسه التی تختصر بالنسبه إلیها حکایه بلده لم تکن یوما مجرد ساحه مواجهه بل مکانا للحیاه والناس والتنوع.
تتوقف قلیلا عند صور المنزل المحترق، یظهر الألم فی ملامحها، لکنها ترفض أن تکون النار خاتمه الحکایه، تتحدث عن إعاده البناء بلغه الواثق: سیُعاد تشیید البیت، وستُزرع أشجار الزیتون من جدید، وستُفتح الطرقات، حتى لو اضطر الأهالی إلى شقها بأیدیهم.
خلفها، کان عشرات أبناء البلده ینتظرون اللحظه التی یُسمح لهم فیها بالدخول، وجوه أنهکها الانتظار، وعیون معلقه ببلده تبدو قریبه بالمسافه، بعیده بالواقع. وفی الوقت الذی یواصل فیه الجیش اللبنانی تثبیت الانتشار ومسح المنطقه، کان الأهالی یقیسون الوقت بلحظه العوده الأولى، لا بعقارب الساعه.

عشرات العائلات تنتظر السماح الجیش اللبنانی بالدخول إلى البلده (الجزیره) خطوه بعد أخرى إلى زوطر
بالنسبه لإحسان، لم یکن النزوح بحثا عن مکان بدیل بقدر ما کان رحله انتظار طویله للعوده، فمنذ اندلاع الحرب لجأت بدایه إلى مدینه جبیل، لکن البعد عن زوطر کان یثقل أیامها.
وکلما خفت حدّه المواجهات، کانت تستأجر منزلا أقرب إلى بلدتها لتقلّص المسافه بینها وبین بیتها خطوه بعد أخرى. لم تکن تبحث عن منزل جدید بل عن مکان أقرب إلى الأرض التی تنتمی إلیها، وعن نافذه ترى منها الطریق إلى زوطر.
وقبل أن تغادر المکان مع حلول المساء، عادت إحسان لتلقی نظره أخیره نحو البلده المختبئه خلف التله، بدت زوطر صامته تحت ثقل الدمار لکن صوتها حمل إصرار العائدین: "قد یحرقون البیوت لکنهم لن یحرقوا رغبتنا فی العوده".
تمسح عرقها تحت شمس الصیف، ثم تضیف "یکفینی أن تطأ قدمای هذه الأرض من جدید.. عندها فقط سأشعر أننی عدت إلى الحیاه".

الجیش اللبنانی یقیم حاجزا عند مدخل البلده لمنع الأهالی من الدخول (الجزیره) مرحله تجریبیه
بعد انسحاب قوات الاحتلال الإسرائیلی من بلده زوطر الغربیه فی قضاء النبطیه، صباح الثلاثاء 21 یولیو/تموز 2026، دخلت وحدات من الجیش اللبنانی إلى البلده، فی أول انتشار عسکری ضمن المرحله التجریبیه من الاتفاق الإطاری بین لبنان وإسرائیل.
لم یکن دخول الجیش إلى زوطر الغربیه مجرد انتشار فی بلده جنوبیه عادت إلى کنف الدوله، بل خطوه أولى فی أرض ما تزال تحمل آثار حرب طویله. تقدمت الوحدات العسکریه فی شوارع البلده، فیما باشرت فرق الهندسه مسح الطرقات والمنازل، بحثا عن ذخائر غیر منفجره ومخلفات عسکریه قد تهدد حیاه السکان، تمهیدا لتأمین المنطقه قبل فتح الطریق أمام عوده الأهالی.

الوحدات العسکریه المختصه تُجری مسحا هندسیا فی بلده زوطر الغربیه لتأمین المنطقه (الجزیره) وبین الرکام والدمار، جاء حضور الجیش کمرحله انتقالیه تسبق عوده السکان، ودُعی الأهالی إلى عدم التوجه إلى البلده فی الوقت الراهن، إلى حین استکمال الإجراءات الأمنیه والتأکد من خلو المنطقه من المخاطر.
ولم یخلُ الانتشار من توتر میدانی، إذ أعلن الجیش اللبنانی أن القوات الإسرائیلیه أطلقت النار بالقرب من وحداته أثناء تنفیذ عملیه الانتشار الثلاثاء، معتبرا أن ذلک عرّض العسکریین للخطر وقد یؤثر على تنفیذ المهمه.
فی المقابل، قالت إسرائیل إن إطلاق النار جاء على شکل طلقات تحذیریه بعد اقتراب عناصر من الجیش اللبنانی وآلیه هندسیه من منطقه قریبه من زوطر الشرقیه، التی لا تشملها المرحله التجریبیه.

بلدیه زوطر: 70% من مساحه البلده ستبقى ضمن المنطقه المحظوره (الجزیره) ملامح الحرب
تکشف المشاهد الأولى من زوطر الغربیه حجم الدمار الذی خلفته الحرب؛ منازل مدمره وطرقات تحمل آثار القصف، فیما تحاول البلده استعاده ملامحها بعد أشهر من الحرب.
ویقول عضو المجلس البلدی لزوطر المهندس عقل یاغی، للجزیره نت، إن دخول الجیش اللبنانی جاء فی إطار تنفیذ الاتفاق الإطاری، لکن الأهالی وجدوا أنفسهم داخل حدود المنطقه المشموله بالاتفاق من دون السماح لهم بالعوده إلى بلدتهم.
ویشیر یاغی إلى أن نحو 70% من مساحه زوطر الغربیه ستبقى ضمن المنطقه المحظوره، معتبرا أن ذلک أمر مؤسف إذا کان جزءا من تطبیق الاتفاق، ویطالب بحل واضح یحدد للأهالی آلیه العوده، مؤکدا أن البلده "منکوبه ومقهوره" وتنتظر إنصافها.
المصدر: الجزیره