وکاله آریا للأنباء - "عماره الذهب" فی العاصمه السودانیه الخرطوم (الصحافه السودانیه)
الخرطوم – بعد موجه من العقوبات الأمریکیه والأوروبیه على السودان تتصاعد مخاوف من تجاوز تداعیاتها الضغوط على الحکومه إلى الأوضاع الاقتصادیه والمعیشیه للمواطن، والتأثیر على نحو 4 ملایین شخص یعملون فی التعدین الأهلی بالتنقیب عن الذهب والأنشطه المرتبطه به.
فرضت الإداره الأمریکیه عقوبات على السودان تحت مزاعم استخدام سلاح کیمیائی فی الحرب، وتنص تلک العقوبات -التی دخلت حیز التنفیذ فی 20 یولیو/تموز الحالی- على معارضه حصول السودان على أی قروض أو مساعدات مالیه أو فنیه عبر المؤسسات المالیه الدولیه.
کما تفرض حظراً على تصدیر معظم السلع والتقنیات الأمریکیه إلى السودان، باستثناء المواد الغذائیه وبعض السلع ذات الطابع الإنسانی.
وتنفی الحکومه السودانیه استخدام أسلحه کیمیائیه خلال الحرب المستمره منذ أبریل/نیسان 2023، وشکلت لجنه وطنیه للتحقیق فی هذه المزاعم، کما طالبت الولایات المتحده بالکشف عن الأدله التی تستند إلیها.
ویرى الخبیر والمحلل المصرفی ولید دلیل أن العقوبات الأمریکیه ستؤدی إلى إغلاق المسارات الرسمیه للتمویل التنموی متعدد الأطراف مده عام على الأقل، وزیاده الاعتماد على قنوات تمویل بدیله أقل شفافیه وأعلى کلفه، وتعمیق أزمه علاقات المراسله المصرفیه المتراجعه أصلا بسبب الحرب.
وفی حدیث للجزیره نت یقول الخبیر المصرفی إن العقوبات ستعطّل بطریقه غیر مباشره مشاریع تحدیث البنیه التحتیه للدفع والتسویه المصرفیه.

عمال یزنون ذهبهم فی منجم محلی بمنطقه بولایه نهر النیل السودانیه (رویترز) خنق الاقتصاد
یتوقع الخبیر ولید دلیل أن تنقل العقوبات الجدیده الضغط الأمریکی من حیز الصادرات وخطوط الائتمان الحکومی إلى حیز أوسع یمسّ التمویل الدولی المتعدد الأطراف، وهو ما یجعل أثرها على القطاع المصرفی والتحویلات والتجاره أعمق من الحزمه الأولى، فی وقت لا یبدو فیه أفق التسویه السیاسیه قریباً.
کما یرجح أن تعقّد العقوبات استیراد المدخلات الصناعیه والتقنیه جراء تشدید المراجعه الأمنیه وارتفاع کلفه المعاملات التجاریه مع الشرکاء الدولیین، وتعطیل جزئی لجهود إعاده تشغیل الطاقه الإنتاجیه بعد سنوات الحرب، وإضعاف قدره بنک السودان المرکزی على ضبط السیوله وإداره سعر الصرف وفقا للمحلل المصرفی.
ولتخفیف أثر العقوبات على الاقتصاد یقترح ولید دلیل تعزیز الحاجه لترتیبات بدیله (کالحساب المراسل بالیوان الصینی) کبدیل جزئی عن الانقطاع مع المنظومه الغربیه، ودفع مزید من تحویلات المغتربین نحو القنوات غیر الرسمیه لتعویض فقدان الدوله لموارد نقد أجنبی کانت ستمر عبر المسار المصرفی المنظم.
وکان مجلس الاتحاد الأوروبی قرر فی 13 یولیو/تموز الجاری تشدید العقوبات على السودان عبر حظر شراء أو استیراد أو نقل الذهب ذی المنشأ السودانی، إلى جانب حظر بیع أو تورید أو تصدیر الزئبق والسیانید المستخدمین فی تعدین الذهب واستخلاصه إلى السودان، بهدف الحد من مصادر تمویل النزاع.
کما یشمل القرار کذلک حظر تقدیم الخدمات المرتبطه بهذه الأنشطه، بما فی ذلک المساعده الفنیه والمالیه وخدمات الوساطه، وقال إن الذهب أصبح مصدراً رئیسیاً للإیرادات التی تسهم فی استمرار النزاع فی السودان.
وفی 16 یولیو/تموز الحالی، فرضت المملکه المتحده عقوبات على شبکات غیر قانونیه لتجاره الذهب، قالت إنها تساهم فی تأجیج الحرب فی السودان .
واستهدفت العقوبات 11 فردا وکیانا یُشتبه فی ارتباطهم بشبکات للتمویل ولتجاره الذهب التی تدعم قوات الدعم السریع أو القوات المسلحه السودانیه على نحو یؤجج الصراع فی السودان، لافته إلى أن صناعه الذهب فی السودان تحولت إلى محرک لاقتصاد الحرب، بحسب بیان صادر عن الحکومه البریطانیه.
وبعد انفصال جنوب السودان فی عام 2011 وفقدان السودان نحو 75% من موارده النفطیه، و90% من إیرادات النقد الأجنبی، نشط تعدین الذهب التقلیدی الذی استقطب فی المرحله الأولى أکثر من 500 ألف من الأیدی العامله، ثم ارتفع العدد إلى ملیونین قبل اندلاع الحرب فی منتصف أبریل/نیسان 2023، وتضاعف إلى 4 ملایین بعدها.
ووفقاً لتقاریر رسمیه، وصل إنتاج السودان من الذهب إلى ذروته عام 2017 بواقع 107 أطنان، وفق تقریر بنک السودان المرکزی. ثم تراجع إلى 41.8 طنا فی العام الذی یلیه، وتدهور الإنتاج عام 2023 الذی اندلعت فیه الحرب إلى 6.4 أطنان، وتجاوز إنتاج الذهب 64 طنا فی عام 2024، و70 طنا فی العام الماضی، و36 طنا فی النصف الأول من العام الحالی.
أضرار على قطاع الذهب
ولاحتواء الموقف الأوروبی، أوضحت وزاره المالیه ردا على سؤال للجزیره نت أن الوزیر جبریل إبراهیم ناقش خلال زیاره إلى بروکسل مع رئیسه اللجنه البرلمانیه الأوروبیه الأفریقیه هیلدا فوتمانز التطورات السیاسیه والإنسانیه فی السودان، مؤکدًا رفض الخرطوم للإجراءات التقییدیه المفروضه على المؤسسات الوطنیه، وخاصه العقوبات الأخیره التی استهدفت قطاع الذهب.
وحسب إبراهیم، فإن القطاع الخاص یستحوذ على نحو 80% من أنشطه التعدین فی السودان، مما یعنی أن هذه العقوبات ستنعکس بشکل مباشر على قطاع واسع من السودانیین، وقد تؤدی إلى فقدانهم لوظائفهم ومصادر رزقهم.
أما رئیس شعبه مصدّری الذهب عبد المنعم الصدیق فیعتقد أن الحظر الأوروبی على الذهب السودانی ستکون له تداعیات سلبیه على صادرات المعدن الأصفر، وسیشجع على تهریبه مما یضعف عائدات هذه الصادرات عبر القنوات الرسمیه رغم قلتها مقارنه بالإنتاج الفعلی للبلاد، وتبعاً لذلک ستفقد الدوله مزیداً من إیراداتها وسینعکس ذلک أیضاً على تمویل الواردات من السلع ومدخلات الإنتاج.
وعن منتجی الذهب، یقول رئیس شعبه مصدری الذهب للجزیره نت إن الحظر الأوروبی على تورید وبیع الزئبق والسیانید المستخدمیْن فی تعدین الذهب واستخلاصه سیؤدی إلى ارتفاع أسعارهما، لأن الحصول علیهما سیکون عبر طرق ملتویه.
وبرأیه فإن هذه التعقیدات ستزید تکلفه إنتاج المعدن الأصفر وتضعف عائدات المنتج خاصه أن أسعار الذهب متراجعه عالمیا رغم تصاعدها محلیا، علما بأن سعر الذهب هو المحدد الرئیسی لسعر صرف الجنیه السودانی فی مقابل العملات الأجنبیه.
وکانت الأمم المتحده حذرت فی 15 یولیو/تموز الجاری من أن اقتصاد الحرب فی السودان أصبح عاملا رئیسیا فی إطاله أمد الصراع المستمر منذ أکثر من 3 أعوام، مشیره إلى أن استغلال الموارد الطبیعیه، وفی مقدمتها الصمغ العربی، یساهم فی تمویل العملیات العسکریه ویعرّض سلاسل الإمداد العالمیه لمخاطر متزایده تتعلق بحقوق الإنسان .
وتاریخیاً، فإن المکانه الإستراتیجیه لهذه السلعه جعلتها تحظى باستثناءات من العقوبات الأمریکیه التی فرضت على السودان خلال تسعینیات القرن الماضی، بحجه أنها سلعه إنسانیه لا ترتبط بتمویل السلاح، وهو استثناء ظل قائماً فعلیاً حتى مع تغیر طبیعه النظام الحاکم فی الخرطوم.
المصدر: الجزیره