وکاله آریا للأنباء -
لم تعد صواریخ الحرب هی العدو الوحید الذی یتربص بأهالی قطاع غزه ، فبین خیام النزوح المکتظه والمنازل نصف المدمره، یشن عدو صامت هجوما شرسا على أجساد الأطفال المنهکه جراء جحیم الحرب.
وتنتشر أمراض جلدیه وتنفسیه وفیروسات مجهوله وبکتیریا بین أهالی غزه فی بیئه تفتقر لأدنى مقومات الحیاه، وتحولت إلى کابوس یومی یطارد الأمهات ویفاقم انهیار المنظومه الصحیه.
وفی مستشفى الرنتیسی للأطفال، تدق الطبیبه منار جبر ناقوس الخطر، مؤکده أن مرض الجدری بات ینتشر کالنار فی الهشیم.
وتوضح أن التکدس السکانی فی المخیمات، وانعدام التهویه داخل الخیام المغلقه، شکلا بیئه مثالیه لانتقال العدوى عبر السعال والعطاس والتلامس المباشر، وحتى عبر مشارکه الأغطیه، مضیفه أن ارتفاع درجات الحراره والرطوبه فی فصل الصیف یؤدیان لانتشار وزیاده شراسه هذه الفیروسات.
ووفق الطبیبه الغزیه، فإن المستشفى یشهد حالات تصل إلى حد الالتهابات الجلدیه المعدیه التی قد تضرب الأعضاء الداخلیه للطفل، مما یستدعی تحویل بعض الحالات للعنایه المرکزه "وهو أمر لم نکن نعهده بهذه الکثافه قبل الحرب".
مناعه معدومه
وتجسد الرضیعه روان عوده مثالا حیا لهذه المأساه، فقد وُلدت الطفله وتوأمها قبل إحدى هُدن الحرب بأیام قلیله، فی ظل انعدام تام للغذاء والماء، مما جعل مناعتها شبه معدومه.
ووفق تقریر بثته الجزیره مباشر، فإن العائله تعیش فی منزل تعرض نصفه للقصف، لتنتقل عدوى الجدری من إخوتها إلیها وتتطور إلى مضاعفات خطیره أدت إلى تورم رأسها وإغلاق عینیها بالکامل لأیام متواصله، وسط عجز الأم عن تقدیم أکثر من مسکنات بسیطه.
دخان البقاء
أما المواطنه مریم عید، فقصتها تروی جانبا آخر من المعاناه، حیث أدى اضطرار النازحین لحرق البلاستیک والنایلون -کبدیل لغاز الطهی المفقود- إلى انبعاث دخان سام أصاب طفلها الرضیع بالتهابات حاده فی الرئتین والصدر وارتفاع کبیر فی کریات الدم البیضاء.

محمد داود یعانی من التهاب جلد فقاعی بکتیری معدٍ یعد من أصعب الالتهابات وینتشر فی کل أنحاء جسمه من رأسه حتى أخمص قدمیه (الجزیره) وقضت الأم مریم أسابیع طویله فی المستشفى، تراقب طفلها وهو یعیش على أجهزه الأکسجین والتبخیرات وقد مُنع من الرضاعه الطبیعیه لأیام بسبب سوء حالته.
وتقول الأم بقلب مثقل "البعوض یأکلنا والجرب والجدری ینهش أطفالنا، نحن لا نرید سوى غاز للطهی لنریح أطفالنا من استنشاق سموم البلاستیک والنار التی نوقدها للبقاء على قید الحیاه".
فیروس غامض
ولعل قصه فریال العطار وابنتها حنین هی الأکثر إیلاما، فالأم التی نزحت 12 مره تقف عاجزه أمام ابنتها من ذوی الهمم، والتی تعانی من متلازمه "برادر ویلی" بخلاف إصابتها بالسرطان، لتصاب فوق کل ذلک بمرض جلدی غامض منذ أشهر.
ویقف الأطباء حائرین أمام حاله حنین فی ظل انهیار القطاع الصحی، فتاره یشخصونه کجدری وتاره کجرب أو فیروس بکتیری، وتقول الأم المکلومه إن العلاج الوحید المتاح هو "ماده الشید" الکاویه التی تترک على جسد ابنتها آثارا تشبه الحروق المعدنیه العمیقه.
ورغم تعلیمات الأطباء لفریال بالابتعاد عن النار والماء الملوث للتعافی، تتساءل بیأس "من سیطبخ للبنات؟ من سیغسل؟ نحن نعیش فی خیمه قُصفت 3 مرات" وقد فقدت الأم کل التقاریر الطبیه الخاصه بابنتها، وتضیف أن میاه الصرف الصحی المکشوفه والمناهل البدائیه التی تعج بالدیدان والقوارض هی السبب.
ونهایه 2024، دقت منظمه الصحه العالمیه ناقوس الخطر بشأن الانتشار السریع للأمراض المعدیه فی غزه مع تعطل المرافق الصحیه وشبکات المیاه والصرف الصحی، ودعت إلى تعجیل وصول المساعدات الإنسانیه إلى مختلف أنحاء القطاع، بما فی ذلک الوقود والمیاه والغذاء والمستلزمات الطبیه.
وحذرت المنظمه من أن الأضرار التی لحقت بشبکات المیاه والصرف الصحی وتناقص مستلزمات التنظیف أدت إلى استحاله الالتزام بالتدابیر الأساسیه للوقایه من العدوى ومکافحتها داخل المرافق الصحیه، بما فی ذلک بین العاملین الصحیین.
وترجع أسباب انتشار الأمراض وعدم قدره الکوادر الصحیه على مواکبتها ومعالجتها إلى نقص المعدات الطبیه والأدویه الناجم عن حرب الإباده الجماعیه التی شنتها إسرائیل على قطاع غزه منذ 7 أکتوبر/تشرین الأول 2023.
ورغم سریان وقف إطلاق النار فی قطاع غزه منذ أکتوبر/تشرین الأول الماضی، تواصل إسرائیل قصف واستهداف مناطق متفرقه من القطاع، مع استمرارها فی فرض حصار شامل على أهالیه، مما حدّ بشکل کبیر من استیراد المعدات الطبیه الأساسیه.
المصدر: الجزیره