وکاله آریا للأنباء -
مع اشتداد حراره الصیف فی العراق ، لا تبدو أزمه الکهرباء مجرد مسأله فنیه مرتبطه بعدد المحطات أو حجم الطاقه المنتجه. فهی أزمه تمتد من الوقود الذی یغذی المحطات وشبکات التوزیع المتداعیه، إلى اختلالات الإداره والرقابه على الإنفاق والمشروعات، وصولا إلى فاتوره إضافیه یدفعها المواطن للمولدات الأهلیه.
وبینما تراهن بغداد على مشروعات إنتاج جدیده وربط کهربائی مع دول الجوار والخلیج، تکشف أرقام رسمیه وتصریحات خبراء أن معالجه الانقطاعات لا تختزل فی استیراد مزید من الکهرباء، بل تحتاج إلى إصلاح الشبکه واستثمار الغاز المحلی وإعاده تنظیم الاستهلاک.
اقرأ أیضا
list of 3 items list 1 of 3 العراق.. لماذا لا یحل التوسع العمرانی أزمه السکن؟ list 2 of 3 الخلیج یسبق الذکاء الاصطناعی بطلب توربینات الغاز لتولید الکهرباء list 3 of 3 بیع أصول الدوله وإجازه 5 سنوات.. العراق یبحث عن حلول للأزمه المالیه end of list وبحسب وزاره الکهرباء العراقیه، یبلغ إنتاج العراق من الکهرباء نحو 26 ألف میغاواط، مقابل حاجه صیفیه تصل إلى 60 ألف میغاواط، ما یترک فجوه تتجاوز 34 ألف میغاواط. لکن هذه الفجوه لا تروی القصه کامله.
کهرباء تتبدد قبل أن تصل
یفید التقریر بأن ما یصل إلى 55% من الطاقه المنتجه تفقد فی مرحلتی النقل والتوزیع، نتیجه تهالک أجزاء من الشبکه والربط غیر النظامی. وفی أفضل الحالات، لا تتجاوز ساعات التجهیز من الشبکه الوطنیه 12 ساعه یومیا.
ویقول الأکادیمی والخبیر فی شؤون الطاقه د. علی البکری إن الترکیز على التولید وحده لا یفسر الأزمه، موضحا أن المشکله الأثقل تقع فی الشبکات القریبه من المستهلک. ویضیف: "مشکلتنا الکبیره التی تمثل 70% من مشکله الکهرباء بالعراق هی فی قطاع التوزیع".
ویقول البکری إن الخلل فی قطاع التوزیع لا یرتبط بتهالک الشبکات والتجاوزات فقط، بل أیضا بضعف التخطیط، لافتا إلى "تدخل المحسوبیه والعلاقات فی نصب المحولات". ویضیف أن المناطق العشوائیه، التی لم تعالج مشکلتها، تمثل ما بین 20% و25% من أحمال الشبکه بوصفها أحمالا غیر مخططه.
لذلک، یتحفظ البکری على التعامل مع رقم 60 ألف میغاواط بوصفه تقدیرا دقیقا للاستهلاک الفعلی، رغم کونه الرقم الرسمی المعلن لذروه الطلب.

أزمه الکهرباء بالأرقام: فجوه کبیره بین الإنتاج والطلب، یفاقمها فاقد الشبکات. (الجزیره) الغاز الإیرانی.. هشاشه فی قلب المنظومه
لا تنفصل أزمه الکهرباء عن ملف الغاز. فالعراق یملک موارد غاز مصاحب کبیره، لکنه ما زال یعتمد بدرجه واسعه على الغاز المستورد لتشغیل محطاته.
ویقول البکری إن 70% من المنظومه الوطنیه العراقیه تعتمد على المحطات الغازیه، وإن البلاد تحتاج إلى أکثر من 55 ملیون متر مکعب یومیا من الغاز الإیرانی للحفاظ على تشغیل الإنتاج الکهربائی.
ویربط الخبیر هذا الاعتماد بتأخر استثمار الغاز المصاحب للنفط فی جولات التراخیص التی أعقبت عام 2004. والنتیجه أن أی تراجع فی الإمدادات الإیرانیه ینعکس بسرعه على قدره المحطات العراقیه، ویعید الانقطاعات إلى واجهه الحیاه الیومیه.
وتبدو المفارقه أکثر وضوحا حین تقارن الحاجه المتنامیه للکهرباء بحجم الإنفاق. فبحسب ما أورده التقریر نقلا عن دیوان الرقابه المالیه الاتحادی، أنفق العراق نحو 80 ملیار دولار على قطاع الکهرباء منذ عام 2003، من دون أن ینجح فی إنهاء الانقطاعات المزمنه.
محطات جدیده.. لکن الشبکه لا تحتمل
تتجه الحکومه العراقیه إلى زیاده القدره الإنتاجیه عبر مشروعات حراریه وشمسیه. ویعرض التقریر خططا لإضافه نحو 30 ألف میغاواط من مشاریع حراریه وبخاریه وشمسیه مستقبلا.
کما یقول البکری إن القدره المرکبه المتاحه على المنظومه تصل إلى نحو 33 ألف میغاواط، لکن مشکله الوقود تحول دون تشغیلها بکامل طاقتها. ویتحدث عن خطط لإنشاء نحو 10 آلاف میغاواط من المحطات الحراریه والبخاریه خلال السنوات الثلاث المقبله، إلى جانب مشروعات حقول شمسیه بسعه تصل إلى 12 ألف میغاواط.
غیر أن بناء محطات جدیده لا یحل وحده أزمه الکهرباء إذا بقیت الشبکات المحلیه عاجزه عن نقل الطاقه وتوزیعها بکفاءه. فکل میغاواط یضاف إلى التولید یظل محدود الأثر إذا فقد جزء کبیر منه قبل وصوله إلى البیوت والمصانع.
الربط الخلیجی.. تخفیف للعجز
ضمن مساعی تنویع مصادر الطاقه، یبرز الربط الکهربائی مع الخلیج والسعودیه بوصفه أحد مسارات تخفیف الضغط، خاصه فی فترات الذروه الصیفیه.
ویشرح البکری أن الربط عبر المنصه الخلیجیه یقوم على الدفع المسبق؛ إذ تحجز بغداد کمیات محدده من الکهرباء قبل فتره الذروه، بما یمنح الدول المورده ضمانه مالیه ویتیح للعراق شراء أحمال مخططه وفق حاجته.
وشبه الخبیر الآلیه ببطاقات الاتصالات مسبقه الدفع، حیث تدفع الدوله مقدما مقابل کتله کهرباء محجوزه، بدلا من التعرض لمخاطر عدم السداد أو شراء طاقه لا تحتاج إلیها.
ومن المقرر أن یبدأ الربط السعودی بسعه تصل إلى 1000 میغاواط، مع إمکانیه رفعها لاحقا إلى 2000 میغاواط. ویتوقع البکری أن تصل قدرات الربط عبر الخطوط المختلفه إلى نحو 4000 میغاواط، وقد ترتفع إلى ما بین 4000 و5000 میغاواط عند احتساب الربط القائم مع إیران .
لکن حتى سعه قدرها 2000 میغاواط تبقى محدوده إذا قیست بالفجوه الرسمیه البالغه 34 ألف میغاواط بین الإنتاج والطلب الصیفی. فهی تعادل أقل من 6% من هذه الفجوه، بینما تمثل سعه 1000 میغاواط أقل من 3% منها. لذلک، لا ینبغی تقدیم الربط الخلیجی بوصفه حلا نهائیا، بل باعتباره أداه لتقلیل المخاطر وتنویع الإمدادات وتغطیه جانب من الاحتیاجات خلال الذروه.

الربط الخلیجی: دعم إضافی للکهرباء، لا بدیل عن إصلاح المنظومه. (الجزیره) فاتوره المواطن الموازیه
فی ظل ضعف التجهیز، یتحول الاعتماد على المولدات الأهلیه إلى اقتصاد مواز للکهرباء. وتتحمل الأسر وأصحاب الأعمال الصغیره کلفه اشتراکات شهریه ووقود وصیانه، بینما تتأثر قدره المحال وورش العمل والخدمات على التخطیط والتوسع.
وهنا لا تقاس أزمه الکهرباء بعدد ساعات الانقطاع فقط، بل بکلفتها على الأسره والإنتاج. فکل ساعه خارج الشبکه الوطنیه تعنی إنفاقا إضافیا، وتضعف تنافسیه الأعمال، وتزید الضغط على دخل تآکل بالفعل تحت وطأه الحراره وارتفاع الاحتیاجات المعیشیه.
ما یحتاجه العراق
الربط الکهربائی مع الخلیج والسعودیه یمکن أن یمنح العراق هامش أمان مهم، خصوصا إذا دخل الخدمه قبل صیف 2027 کما یأمل البکری. لکن استدامه الحل ترتبط بثلاثه ملفات متوازیه:
التقاط الغاز المصاحب واستثماره لتقلیل التبعیه للإمدادات المستورده. إعاده تأهیل شبکات التوزیع وتقلیص الهدر والتجاوزات. تنظیم الأحمال والجبایه، بما یشمل معالجه وضع المناطق العشوائیه وتوسیع العدادات الذکیه. فأزمه کهرباء العراق لیست عجز تولید فقط، ولا یمکن لخط ربط واحد أن ینهیها. إنما یبدأ الحل حین تصل الکهرباء التی تنتجها المحطات إلى المستهلک، ویصبح الوقود الذی تحتاجه المنظومه متاحا من موارد البلاد، لا رهینه تقلبات الإمداد الخارجی.
المصدر: الجزیره