
وکاله آریا للأنباء -
دفعت الهجمات المتبادله بین روسیا وأوکرانیا أسعار القمح إلى أعلى مستویاتها فی نحو ثلاث سنوات، وسط مخاوف متزایده بشأن سلامه موانئ التصدیر وقدره البلدین على مواصله إمداد الأسواق العالمیه.
وأنهت العقود الآجله للقمح فی بورصه شیکاغو تداولات الأسبوع الماضی مرتفعه بأکثر من 3% عند نحو 7.84 دولارات للبوشل، بما یعادل قرابه 287 دولارا للطن، وفق معطیات عرضتها شاشه الجزیره.
وسجلت أسعار القمح خلال الأسبوع الماضی قفزه تجاوزت 12%، فی أکبر ارتفاع أسبوعی لها منذ نحو أربع سنوات، مع تصاعد المخاوف بشأن إمدادات الحبوب من منطقه البحر الأسود . ومنذ بدایه العام، ارتفعت العقود الآجله للقمح بنحو 54%، فی ظل تزاید المخاطر التی تهدد حرکه تصدیر الحبوب من روسیا وأوکرانیا، اللتین تعدان من أکبر موردی القمح فی الأسواق العالمیه.
البحر الأسود.. شریان الحبوب العالمی
وتکتسب التطورات فی منطقه البحر الأسود أهمیه خاصه بالنسبه للأسواق العالمیه، إذ تضم موانئ تستخدم فی شحن نسبه کبیره من صادرات أوکرانیا من القمح والذره وبذور دوار الشمس، فیما تمثل روسیا وأوکرانیا معا نحو ربع صادرات القمح العالمیه.
ویقول الدکتور نادر نور الدین، الأستاذ بکلیه الزراعه فی جامعه القاهره والخبیر فی بورصات الحبوب العالمیه، إن أهمیه المنطقه تتجاوز القمح، مشیرا إلى أن روسیا وأوکرانیا تتحکمان فی نحو 34% من إجمالی صادرات الحبوب عالمیا، بما یشمل القمح والذره الصفراء والشعیر.
وأضاف نور الدین أن المنطقه تستحوذ کذلک على نحو 77% من صادرات زیت دوار الشمس، إلى جانب نحو 30% من صادرات بذور الصویا أو زیوت الصویا، وهی منتجات تدخل بصوره أساسیه فی صناعه الأعلاف وإنتاج الدواجن واللحوم والأسماک.
وأوضح أن أی تضرر فی هذا المصدر الرئیسی للإمدادات ینعکس على أسواق الغذاء العالمیه، مشیرا إلى أن إجمالی التجاره العالمیه من القمح یتراوح بین 210 و220 ملیون طن سنویا.
تراجع حاد فی الشحنات الروسیه والأوکرانیه
وتشیر تقدیرات التقریر إلى أن شحنات القمح الروسی تراجعت بأکثر من النصف خلال الشهر الجاری مقارنه بمستویاتها قبل عام، بینما أدت الهجمات الروسیه إلى انخفاض صادرات الحبوب الأوکرانیه بنحو 75% خلال النصف الأول من الشهر على أساس سنوی.
یأتی ذلک فی وقت تواجه فیه صادرات البلدین تحدیات متزایده بسبب المخاطر التی تحیط بالبنیه التحتیه والموانئ وطرق الملاحه فی البحر الأسود. ویحذر نور الدین من أن اتساع نطاق استهداف البنیه التحتیه المرتبطه بتجاره الحبوب قد یهدد مزیدا من الدول المصدره، مشیرا إلى أن کازاخستان، على سبیل المثال، دوله حبیسه تعتمد على الموانئ الروسیه لتصدیر جزء من حبوبها، ما یجعلها أیضا عرضه لتداعیات اضطراب حرکه الملاحه فی المنطقه.
أکثر من 55 ملیون طن صادرات روسیا
وتظهر بیانات التقریر أن صادرات روسیا من القمح شهدت تقلبات کبیره منذ اندلاع الحرب فی فبرایر/شباط 2022. فقد بلغت صادرات القمح الروسی نحو 33 ملیون طن فی عام 2022، قبل أن ترتفع إلى 45 ملیون طن فی الموسم التالی، رغم العقوبات الاقتصادیه الغربیه.
وفی الموسم الزراعی الذی انتهى عام 2024، سجلت الصادرات الروسیه مستوى قیاسیا تجاوز 55.5 ملیون طن، لکن هذا المسار لم یستمر فی العام الماضی، إذ تراجعت الصادرات إلى نحو 42 ملیون طن، وسط انخفاض الإنتاج وتجدد القیود على التصدیر.
أما أوکرانیا، فتشیر بیانات منظمه الأغذیه والزراعه التابعه للأمم المتحده ( الفاو ) إلى أن صادراتها من القمح اتجهت هی الأخرى إلى الانخفاض. فبعد أن بلغت نحو 19 ملیون طن عام 2022، تراجعت إلى 17 ملیون طن فی الموسم التالی، متأثره باضطرابات النقل والتصدیر والأضرار التی لحقت بالبنیه التحتیه الزراعیه.
وسجلت الصادرات تحسنا طفیفا عام 2024 لتصل إلى نحو 18 ملیون طن، قبل أن تنخفض بصوره ملحوظه العام الماضی إلى نحو 14 ملیون طن، مع اتساع تداعیات الحرب على موانئ التصدیر وسلاسل الإمداد.
البدائل أبعد.. والفاتوره أعلى
ومع اضطراب الإمدادات القادمه من البحر الأسود، بدأ المستوردون فی البحث عن بدائل من مناطق أبعد، مثل أسترالیا والأرجنتین وکندا والولایات المتحده، وهو ما یرفع تکالیف الشحن والنقل ویضیف ضغوطا جدیده على أسعار الغذاء. ویرى الدکتور نادر نور الدین أن المشکله لا تتعلق فقط بارتفاع سعر القمح، وإنما أیضا بارتفاع تکلفه نقله إلى الأسواق المستورده.
وأوضح أن الدول العربیه تعتمد بصوره کبیره على واردات الحبوب من منطقه البحر الأسود، مشیرا إلى أن نحو 65% من احتیاجات الدول العربیه من الحبوب تأتی من هذه المنطقه، وفق تقدیراته، وبقیمه تصل إلى نحو 75 ملیار دولار سنویا.
وأشار إلى أن قرب البحر الأسود من الأسواق العربیه یمنح وارداته میزه مهمه مقارنه بالمناشئ البعیده، إذ تستغرق الرحلات البحریه من أمریکا وکندا نحو 24 یوما، ومن الأرجنتین قرابه 28 یوما، وهو ما یعنی ارتفاع تکلفه النقل عند اللجوء إلى هذه البدائل.
أما أسترالیا، فیشیر نور الدین إلى أنها من أقرب البدائل الکبرى، لکن نقل القمح منها إلى المنطقه یستغرق نحو 7 إلى 10 أیام، کما أن أسعار القمح الأسترالی قد تکون أعلى من الأسعار المتداوله فی البورصات العالمیه. وقال إن القمح الفرنسی یمثل بدیلا آخر، لکنه یواجه تحدیات مرتبطه بارتفاع نسبه الرطوبه، فی حین یمکن لرومانیا والمجر أن تساهما بکمیات محدوده، تصل إلى نحو 5 ملایین طن لکل منهما، وفق تقدیراته.
الطاقه والتأمین
ولا تقف تداعیات الحرب عند تعطل الموانئ أو انخفاض الصادرات، إذ ترتبط أسعار الحبوب أیضا بتکالیف الطاقه والشحن والتأمین. ویقول نور الدین إن العلاقه بین أسعار الطاقه وأسعار الغذاء وثیقه، لأن عملیات نقل الحبوب تعتمد على السفن التی تعمل بالوقود، کما أن إنتاج الأسمده والمبیدات ومنظمات النمو یحتاج إلى کمیات کبیره من الطاقه.
ومع تحول البحر الأسود إلى منطقه عالیه المخاطر، ترتفع کذلک تکالیف التأمین على الشحنات، فضلا عن علاوه المخاطر التی یفرضها الناقلون بسبب احتمالات تعرض السفن أو البنیه التحتیه للهجمات. وضرب الخبیر فی بورصات الحبوب العالمیه مثالا على ذلک بإشارته إلى تعرض سفن محمله بالغذاء لأضرار فی البحر الأسود، معتبرا أن استهداف سفن الغذاء یمکن أن تکون له انعکاسات مباشره على الدول المستورده.
285 دولارا للطن
وتنعکس هذه التطورات بصوره مباشره على السعر النهائی للقمح، إذ یقول نور الدین إن سعر طن القمح کان فی بدایه العام عند حدود 250 دولارا، قبل أن یقترب حالیا من 285 دولارا، وهو ما یمثل ارتفاعا کبیرا فی تکلفه السلعه الأساسیه، مع ارتفاع مماثل فی أسعار الذره الصفراء.
ومع استمرار الهجمات على الموانئ والبنیه التحتیه فی منطقه البحر الأسود، تواجه الأسواق العالمیه معادله صعبه: إمدادات أقل من أحد أهم مصادر الحبوب، وبدائل أبعد وأکثر تکلفه، إلى جانب ارتفاع تکالیف الطاقه والتأمین والنقل.
وبالنسبه للدول العربیه التی تعتمد بدرجه کبیره على واردات الحبوب، قد یعنی استمرار اضطراب البحر الأسود فاتوره غذاء أعلى، فی وقت تتزاید فیه المخاوف من انتقال صدمه أسعار القمح إلى منتجات غذائیه أخرى تعتمد علیه أو على الحبوب والأعلاف فی إنتاجها.
المصدر: الجزیره