وکاله آریا للأنباء - جداریه بطول أحد شوارع طهران لمضیق هرمز (الفرنسیه)
بعد أکثر من سته أشهر من الحرب، تراهن الولایات المتحده على أن یفعل الاقتصاد بإیران ما لم تستطع القوه العسکریه إنجازه، عبر تشدید العقوبات والحصار البحری وتوسیع العقوبات الثانویه، فیما تواجه طهران الضغوط المتصاعده باستدعاء إستراتیجیتی "اقتصاد المقاومه" و"اقتصاد البقاء"، ومحاوله تحویل موقعها الجغرافی إلى شبکه منافذ بدیله تمتد من حدودها البریه إلى الصین وروسیا وآسیا الوسطى. وفی دراسه بعنوان "إیران فی مواجهه "الإنزال الاقتصادی": من هرمز إلى الممرات الأوراسیه"، عن مرکز الجزیره للدراسات، یبحث حاتم غندیر، الباحث الأول بالمرکز والمشرف على برنامج الدراسات الاقتصادیه، فی قدره الهجوم الاقتصادی الأمریکی على إخضاع إیران، وفی الأوراق التی تستخدمها طهران لتوزیع کلفه الحرب على خصومها والاقتصاد العالمی، ثم فی قدرتها على توظیف الجغرافیا الأوراسیه لتخفیف أثر الحصار.
وتنطلق الدراسه من التصعید الذی وصفته واشنطن بأنه "أکبر هجوم اقتصادی" فی التاریخ على إیران، وشبهه الرئیس الأمریکی دونالد ترمب ووزیر الخزانه بـ"الإنزال النورماندی الاقتصادی". وبدأت المرحله الجدیده بإعلان وزیر الخزانه سکوت بیسنت توسیع نطاق العقوبات إلى خمسه قطاعات هی الأصول الرقمیه، والتکنولوجیا، والذهب، والطیران، والشحن، مع إخضاع المتعاملین مع إیران لخطر "العقوبات الثانویه".
اقرأ أیضا
list of 2 items list 1 of 2 لماذا لم یحسم التفوق العسکری الإسرائیلی الحرب؟ list 2 of 2 البناء القانونی لنقابه الإعلامیین المصریه وإشکالیه استمرار المرحله التأسیسیه end of list لکن الباحث یرى أن الضجه التی سبقت إعلان الإجراءات الجدیده تجاوزت ما حملته فعلیًا؛ لأنها لا تمثل قطیعه مع السیاسه الأمریکیه السابقه بقدر ما تشکل تصعیدًا لنهج استخدمت فیه واشنطن، على مدى عقود، خلیطًا من الضغوط الاقتصادیه والسیاسیه والعسکریه والنفسیه ضد إیران.
حین عجز السلاح عن الحسم.. عاد الرهان إلى الاقتصاد
یضع غندیر الاقتصاد فی قلب الحرب الأمریکیه-الإسرائیلیه على إیران، ویربط أهمیته بعاملین رئیسیین: أولهما موقع إیران فی قلب منطقه إنتاج وتصدیر الطاقه العالمیه، وامتلاکها القدره على التأثیر فی واحد من أهم شرایین عبور النفط والغاز؛ وثانیهما الخبره الطویله للعقوبات الأمریکیه المفروضه على طهران بدرجات متفاوته منذ عام 1979.
وبعد أکثر من سته أشهر من الحرب، لم تستطع الولایات المتحده وإسرائیل، وفق الدراسه، حسم المواجهه عسکریًا رغم الفارق الواضح فی القوه الناریه. فقد تلقت إیران ضربات عسکریه موجعه، لکنها لم تؤد إلى تقویض واضح لقدراتها القتالیه أو إضعاف مرکزها التفاوضی، وهو ما یشیر إلى أن واشنطن ربما بالغت فی تقدیر أثر الضربه الأولى وقدرتها على دفع طهران سریعًا إلى قبول الشروط الأمریکیه.
وکان الرهان الأمریکی قبل العملیات العسکریه یقوم جزئیًا على تقدیر بأن الأزمه الاقتصادیه الإیرانیه وصلت إلى مستوى یمکن أن یحول الاحتجاجات التی بدأت فی طهران، فی 28 دیسمبر/کانون الأول 2025، ثم امتدت إلى مدن أخرى، إلى مرحله "ما قبل الثوره"، وأن الدعم الخارجی یمکن أن یدفعها نحو ثوره شعبیه تسقط النظام. وترى الدراسه أن هذا التقدیر کان من العوامل التی دفعت الإداره الأمریکیه إلى قلب طاوله المفاوضات والانتقال إلى هجوم واسع استهدف الصف الأول من القیاده والمنشآت الحیویه.
لکن الحسم العسکری المنتظر لم یقع، فعاد الاقتصاد إلى الواجهه بوصفه ساحه یمکن أن تحقق فیها واشنطن ما لم تحققه فی میدان الحرب.

من سوق تجریش التاریخی شمال طهران، وسط تصعید واشنطن تهدیداتها بـ"الخنق الاقتصادی".(الأناضول) هرمز.. حین قررت إیران "توزیع الألم"
فی مواجهه الضغط، اتجهت إیران إلى رفع تکلفه الحرب على خصومها وعلى الاقتصاد العالمی باستخدام ورقه ظلت لعقود جزءًا من أدوات التهدید الإیرانیه: مضیق هرمز، الذی یمر عبره نحو خمس صادرات النفط والغاز المتجهه إلى الأسواق العالمیه.
وترى الدراسه أن استخدام المضیق نقل آثار الحرب من الداخل الإیرانی ومحیطه الإقلیمی إلى الاقتصاد العالمی، ضمن ما تسمیه سیاسه "توزیع الألم".
وللمره الأولى، بحسب الباحث، اختبرت إیران هرمز فعلیًا باعتباره ورقه إستراتیجیه فی معادلتی الردع وتغییر موازین القوه. ولم یکن الاستخدام قائمًا على الإغلاق الکامل فقط، وإنما على تحویل المضیق إلى أداه ضغط متدرجه، من خلال السماح لبعض السفن بالمرور، وفرض الرسوم، ورفع المخاطر وتکالیف التأمین، وتهدید بعض المسارات، وتنفیذ استهداف انتقائی، والأهم خلق حاله مستمره من عدم الیقین.
وکانت النتیجه ارتفاع تکالیف النفط والغاز والشحن والتأمین، ثم انتقال أثر الحرب إلى قطاعات بعیده عن میدان القتال، من الغذاء إلى التکنولوجیا الدقیقه وکل الصناعات والخدمات التی تدخل الطاقه فی إنتاجها.
وتکشف الأرقام التی تعرضها الدراسه حجم التحول. فبحسب شرکه "کبلر"، انخفض عدد السفن العابره لهرمز من نحو 130 سفینه یومیًا قبل الحرب، نصفها تقریبًا ناقلات نفط، إلى ناقلتین فقط یومیًا فی ذروه المواجهه. وخلال عشره أسابیع تجاوزت الخسائر التراکمیه فی إمدادات منتجی الخلیج ملیار برمیل، مع توقف تدفق أکثر من 14 ملیون برمیل یومیًا، فی صدمه وصفتها وکاله الطاقه الدولیه بأنها غیر مسبوقه.
وانعکس ذلک مباشره على الأسعار. فمن 27 فبرایر/شباط إلى 22 أغسطس/آب 2026 ارتفع خام برنت من 72.87 إلى 94.39 دولارًا للبرمیل، بنحو 29.5%، وخام تکساس بنحو 29.9%، بینما کان الأثر أشد فی الغاز الطبیعی الأوروبی الذی ارتفع بنحو 106%. وارتفع سعر البنزین بنحو 37.6%، ووقود الطائرات 56%.
الحصار المزدوج.. إیران تصدر النفط وهرمز شبه مغلق
تکشف الدراسه عن مفارقه لافته: ففی ذروه الحرب، ومع توقف عبور ناقلات النفط عبر هرمز تقریبًا، تمکنت إیران فی مارس/آذار من تصدیر نحو 1.84 ملیون برمیل من النفط الخام یومیًا، مقارنه بمتوسط سنوی بلغ 1.68 ملیون برمیل یومیًا خلال 2025.
ودفع ذلک ترمب إلى إعلان حصار بحری على إیران بدأ فی 13 أبریل/نیسان، واستمر حتى مذکره التفاهم بین الجانبین فی 18 یونیو/حزیران، ثم أعید تفعیله فی 13 یولیو/تموز بعد انهیار التفاهم وتصاعد الأعمال العدائیه.
وتأتی الحرب فوق اقتصاد یعانی أصلًا آثار أکثر من أربعه عقود من العقوبات الأمریکیه والدولیه، وما ترتب علیها من تراجع العمله وارتفاع التضخم وأسعار السلع الأساسیه وتآکل القدره الشرائیه وارتفاع البطاله.
وکان الرهان الأمریکی أن الجمع بین الضغط العسکری الخارجی والاختناق الاقتصادی الداخلی یمکن أن یؤدی إما إلى إسقاط النظام وإما إلى دفعه للاستسلام. ولهذا أعلن ترمب ما وصفه بأشد عملیه اقتصادیه ضد إیران على الإطلاق، متوعدًا بحرب اقتصادیه وعزله غیر مسبوقتین.
ومنذ عودته إلى البیت الأبیض فی ینایر/کانون الثانی 2025 وإحیاء سیاسه "الضغط الأقصى"، فرضت واشنطن عقوبات إضافیه فی الطاقه والمال والتجاره، وتشیر بیانات مکتب مراقبه الأصول الأجنبیه إلى فرض عقوبات على أکثر من ألف شخص وسفینه وطائره، إلى جانب استهداف "أسطول الظل" الإیرانی وشرکات الشحن، واستمرار إقصاء المصارف الإیرانیه عن نظام "سویفت"، واستهداف منصات تداول العملات الرقمیه الإیرانیه.

سفن فی مضیق هرمز، قباله مدینه بندر عباس الساحلیه جنوب إیران (الفرنسیه) "الإنزال الاقتصادی".. اسم ضخم لأداه استُخدمت من قبل
هنا تطرح الدراسه سؤال الجدوى: ما الجدید الذی تستطیع واشنطن فرضه على اقتصاد لم یکد یبق فیه قطاع بعیدًا عن العقوبات؟
ویرى غندیر أن هذا هو المأزق الأساسی أمام "الإنزال الاقتصادی". فالعقوبات الثانویه الجدیده قد یکون أثرها هامشیًا مقارنه بحجم منظومه العقوبات القائمه، إلا أن الاختلاف یکمن فی محاوله نقل الضغط إلى الأطراف الثالثه التی لا تزال تمنح الاقتصاد الإیرانی منافذ مالیه وتجاریه.
وتأتی مصافی التکریر الصینیه الصغیره، المعروفه بـ"أباریق الشای"، فی مقدمه هذه الأهداف. فهی تمثل ربع طاقه التکریر الصینیه، بینما اشترت الصین أکثر من 80% من النفط الإیرانی خلال العام الماضی، بما یعادل 1.38 ملیون برمیل یومیًا.
وفرضت واشنطن بالفعل عقوبات على مصفاه "هنغلی"، متهمه إیاها بشراء نفط إیرانی بملیارات الدولارات، لکن بیجین رفضت العقوبات واعتبرتها انتهاکًا للقانون الدولی، فیما یمنع أمر قضائی صینی الکیانات المحلیه من الامتثال لها.
ویمتد الضغط إلى بعض البنوک الصینیه التی تسهل التجاره الإیرانیه. غیر أن الدراسه ترى أن فرض عقوبات واسعه على المشترین والمصارف الصینیه یبدو مستبعدًا قبل زیاره الرئیس شی جین بینغ للولایات المتحده خلال سبتمبر/أیلول الجاری.
کما تفکر واشنطن، إلى جانب الحصار البحری، فی حصار بری یستهدف عرقله التجاره الإیرانیه مع ترکیا والعراق وباکستان وآسیا الوسطى. ورد أمین المجلس الأعلى للأمن القومی الإیرانی محسن رضائی بالتحذیر من أن أی دوله تنضم إلى العقوبات الأمریکیه ستعدها طهران عدوًا وستستهدف مصالحها.
وفی اتجاه آخر، أقر مجلس الشیوخ فی نهایه یولیو/تموز تشریعًا یمنح الرئیس صلاحیات جمرکیه جدیده یمکن استخدامها ضد الدول الداعمه للتجاره الروسیه والإیرانیه، بینما هدد ترمب بفرض رسوم جمرکیه فوریه بنسبه 50% على بضائع أی دوله تزود إیران بأسلحه قتالیه.
وهنا تحدد الدراسه العامل الحاسم فی نجاح العقوبات الثانویه: مدى استعداد الدول والکیانات الثالثه لتحمل تکلفه تحدی الولایات المتحده. فکلما اتسعت دائره الدول القادره والراغبه فی الاستمرار بالتعامل مع إیران، وفی مقدمتها الصین وروسیا، تراجعت قدره واشنطن على بناء حصار اقتصادی شامل، بینما ستکون دول الجوار الأکثر ارتباطًا بالنظام المالی الأمریکی أمام معادله أصعب بین مصالحها مع إیران وخطر العقوبات الأمریکیه.
سته أشهر من الحرب.. اقتصاد إیرانی تحت ضغط هائل
لا تقلل الدراسه من خطوره الوضع الاقتصادی الإیرانی. فقد انتقلت الحرب سریعًا من استهداف المواقع العسکریه والنوویه إلى ضرب المنشآت الاقتصادیه والبنیه التحتیه، فی محاوله لإحداث شلل فی القطاعات الخدمیه والإنتاجیه یمکن أن یتحول إلى عامل لزعزعه الاستقرار الداخلی.
وبعد سته أشهر، تظهر المؤشرات حجم الضرر: اقترب التضخم السنوی من 88%، وانکمش الناتج المحلی الإجمالی، بینما قدرت الخسائر المباشره وغیر المباشره أولیًا، خلال الأسابیع الأولى فقط، بنحو 270 ملیار دولار، فضلًا عن التراجع الحاد للعمله الإیرانیه.
وتعرض الدراسه صوره أکثر تفصیلًا: انخفضت صادرات النفط من 1.4 ملیون برمیل یومیًا قبل الحرب إلى 534 ألف برمیل، أی 62%. وتراجعت مخزونات النفط الإیرانی العائمه خارج منطقه الحصار من 105 ملایین إلى 80 ملیون برمیل فی أغسطس/آب. وبعد انکماش اقتصادی بلغ 1.5% فی 2025، أصبح الانکماش المتوقع 6.1%.
وقفز التضخم من 52.6% فی دیسمبر/کانون الأول إلى 87.9% فی یولیو/تموز، بینما انخفضت التجاره غیر النفطیه بین مارس/آذار وأغسطس/آب من 42 ملیار دولار إلى 32 ملیارًا، وتراجعت التجاره مع الصین فی یونیو/حزیران من 713 ملیون دولار إلى 206.6 ملایین، بانخفاض بلغ 71%.
من "اقتصاد المقاومه" إلى "اقتصاد البقاء"
السؤال بالنسبه إلى طهران، وفق الدراسه، لم یعد فقط کیف تمنع تدهور الاقتصاد، وإنما إلى أی مدى یستطیع المجتمع تحمل الألم الاقتصادی قبل أن یتحول إلى أزمه سیاسیه؟
وتقدر بیانات برنامج الأمم المتحده الإنمائی أن الحرب قد تدفع ما بین 3.5 و4.1 ملایین إیرانی إضافی إلى ما دون خط الفقر، لترتفع نسبه الفقر من 36.3% إلى نحو 41%. کما تشیر تقدیرات إیرانیه إلى فقدان أکثر من ملیون وظیفه نتیجه تدمیر المنشآت وتعطل النشاط الاقتصادی.
وتحاول الحکومه تخفیف هذا الضغط باستخدام منظومه للحمایه الاجتماعیه؛ فرفعت الحد الأدنى للأجور بنحو 60% منذ الأیام الأولى للحرب، وحافظت على الدعم الکبیر للطاقه المنزلیه والبنزین، رغم عجز إمدادات البنزین الذی یقدر بنحو 15 ملیون لتر یومیًا.
وأعلن النائب الأول للرئیس محمد رضا عارف أن الحکومه لدیها خطه إستراتیجیه لعامین تستهدف کبح التضخم وتثبیت السوق وحمایه القدره الشرائیه، ولاسیما لدى الفئات الأکثر تضررًا.
وعلى المستوى الأوسع، تستند طهران إلى خبره تراکمت منذ إطلاق إستراتیجیه "الاقتصاد المقاوم" عام 2012، القائمه على زیاده الاعتماد على الذات، وتقلیل الواردات، وتجنب الانکشاف أمام المعاملات المالیه بالدولار.
لکن الحرب نقلت هذه الإستراتیجیه إلى مستوى أشد قسوه تسمیه الدراسه "اقتصاد البقاء"؛ أی ضمان الحد الأدنى من الغذاء والدواء والسلع الأساسیه للسکان، بالتوازی مع الحفاظ على عمل مؤسسات الدوله المدنیه والعسکریه بالقدر الضروری.
وکانت إیران قد أمضت سنوات قبل الحرب فی بناء منظومه معقده لبیع النفط والخدمات المصرفیه الموازیه والسریه، وهی تراهن الآن على قدره هذه الشبکات على إبقاء الاقتصاد حیًا فتره تکفی لتجاوز الهجوم الاقتصادی.
من هرمز إلى أوراسیا.. الجغرافیا تدخل الحرب
تنتقل الدراسه بعد ذلک إلى الورقه التی یمکن أن تصبح أکثر أهمیه کلما اشتد الحصار البحری: الجغرافیا الاقتصادیه الإیرانیه.
فإیران تملک حدودًا بریه مع سبع دول: العراق وترکیا وأذربیجان وأرمینیا وترکمانستان وأفغانستان وباکستان. وهی تقع بین الخلیج والمحیط الهندی جنوبًا، والقوقاز وآسیا الوسطى شمالًا، وترکیا وأوروبا غربًا، وباکستان وجنوب آسیا شرقًا.
ولهذا یصبح السؤال: هل تستطیع طهران تحویل الدول المجاوره إلى أجزاء من شبکه نقل تربطها بأسواق وموانئ بعیده وتحد من قدره واشنطن على عزلها؟
وتعدد الدراسه مجموعه من الممرات التی توفر لطهران بدائل بدرجات متفاوته. فهناک الممر الإیرانی-العراقی النشط فی صادرات الکهرباء والغاز والمواد الغذائیه والإنشائیه، والممر الإیرانی-الترکی الذی یمثل المعبر البری الرئیسی نحو الاتحاد الأوروبی، وممر القوقاز عبر أذربیجان وأرمینیا وصولًا إلى جورجیا وروسیا.
وهناک أیضًا ممر آسیا الوسطى عبر ترکمانستان إلى کازاخستان وأوزبکستان، والممر البری إلى الصین الذی بدأ تشغیله تدریجیًا منذ 2024 بواسطه قطارات الشحن العابره لکازاخستان وترکمانستان، إضافه إلى ممر النقل الدولی شمال-جنوب، والممرین الأفغانی والباکستانی.
أما بحریًا، فتبرز موانئ بحر عمان، ومنها شابهار، التی تسمح بالتجاره المباشره مع الهند وآسیا بعیدًا عن هرمز، إلى جانب المسار البحری عبر بحر قزوین نحو روسیا وکازاخستان.

الرئیس الأمریکی ترمب بعد عودته من الصین فی مایو الماضی (الفرنسیه) الصین وروسیا.. نافذتان فی جدار الحصار
ترى الدراسه أن زیاده الضغط البحری تدفع إیران إلى تعظیم البدائل البریه وتفعیل الاتفاقیات الثنائیه والمتعدده الأطراف، ومنها اتفاقیه عشق آباد للنقل والعبور متعدد الوسائط، بما یسمح لها بإعاده تقدیم موقعها باعتباره "مفصلًا بریًا لأوراسیا".
ویتشکل هذا الدور عبر محورین إستراتیجیین. الأول هو محور شرق-غرب: الصین-آسیا الوسطى-إیران-ترکیا وأوروبا. وقد أدى تشغیل خط السکک الحدیدیه بین بیجین وطهران إلى خفض مده نقل البضائع من 30 یومًا إلى 15 یومًا، وربط إیران بصوره أکبر بممرات "الحزام والطریق".
وتشیر الدراسه إلى أن الحصار نفسه سرّع استخدام هذا المسار. فوفق بلومبرغ، ارتفع عدد قطارات الشحن من شیآن الصینیه إلى طهران من قطار واحد أسبوعیًا قبل الصراع إلى قطار کل ثلاثه أو أربعه أیام بعد بدء الحصار فی 13 أبریل/نیسان، بینما تذهب التقدیرات الإیرانیه إلى أن عدد القطارات القادمه من الصین بالمواد الأولیه ارتفع من قطار واحد إلى سبعه قطارات أسبوعیًا.
أما المحور الثانی فهو الشمال-الجنوب: روسیا-بحر قزوین-إیران-الخلیج والهند، من خلال ممر النقل الدولی شمال-جنوب الذی تأسس باتفاق بین روسیا وإیران والهند عام 2000، وصادقت علیه لاحقًا 13 دوله.
وتقدر الطاقه الاستیعابیه السنویه للممر بما بین 20 و30 ملیون طن، فیما یبقى خط "رشت-آستارا"، بطول 162 کیلومترًا، الحلقه المفقوده لاستکمال الربط السککی على محور یمتد نحو 7200 کیلومتر بین سان بطرسبورغ ومومبای. وتزداد أهمیه هذا الطریق بالنسبه إلى إیران وروسیا تحدیدًا لأن الدولتین تواجهان العقوبات والحصار الأمریکی.
هل تستطیع إیران الإفلات من "الإنزال الاقتصادی"؟
لا تنتهی الدراسه إلى أن هذه البدائل قادره على إبطال الحصار الأمریکی. فالجغرافیا البریه تمنح إیران متنفسًا مهمًا، لکنها لا تستطیع أن تکون بدیلًا کاملًا عن مضیق هرمز، خصوصًا فی صادرات النفط ومشتقاته، ولا من حیث أحجام البضائع التی یمکن نقلها أو تکالیف النقل.
وفی المقابل، لا یبدو "الإنزال الاقتصادی" الأمریکی قادرًا تلقائیًا على تحقیق حصار کامل؛ لأن نجاح العقوبات الثانویه یتوقف على قدره واشنطن على إجبار الأطراف الثالثه على قطع تعاملاتها مع طهران، بینما تملک إیران منافذ مع الصین وروسیا وجیرانها وشبکات تجاریه ومالیه بنتها خلال عقود من العقوبات.
وهکذا تتحول المواجهه الاقتصادیه إلى سباق بین مسارین: واشنطن تحاول نقل الحرب من الضغط على إیران إلى الضغط على کل من یتعامل معها، وطهران تحاول نقل تجارتها من البحر إلى البر وربط اقتصادها بصوره أعمق بالممرات الأوراسیه.
وتصبح المفارقه التی تکشفها الدراسه أن الحصار الذی یستهدف عزل إیران قد یدفعها فی الاتجاه المعاکس: إلى زیاده ارتباطها بشبکات النقل والتجاره البریه التی تصل الصین بآسیا الوسطى وروسیا وأوروبا وجنوب آسیا. لکن قدره هذه الشبکات على إبقاء الاقتصاد الإیرانی صامدًا تظل محدوده بحقیقه أساسیه: أنها تستطیع تخفیف أثر الحصار، لا تعویض هرمز بالکامل. وفی هذه المسافه بین قدره واشنطن على إحکام "الإنزال الاقتصادی" وقدره طهران على إداره "اقتصاد البقاء" تدور المرحله الجدیده من الحرب.
للإطلاع على الدراسه کامله (اضغط هنا)
المصدر: الجزیره