وکاله آریا للأنباء - الریال الإیرانی یواجه ضغوطا متزایده مع ارتفاع الدولار وتصاعد أعباء الحرب والعقوبات الاقتصادیه (غیتی)
طهران- مع الارتفاع الحاد فی سعر الدولار بالسوق الحره، وضع البنک المرکزی الإیرانی ملیاری دولار على طاوله الدفاع عن العمله المحلیه، فی محاوله لاحتواء موجه هبوط جدیده دفعت الریال إلى مستویات قیاسیه.
وقال محافظ البنک المرکزی عبد الناصر همتی إن المصرف مستعد لعرض ما یصل إلى ملیاری دولار لإداره سوق الصرف، مؤکدا أن إیران تملک ما یکفی من العمله الأجنبیه، وأن تحصیل المستحقات الخارجیه ما زال مستمرا، إلى جانب وجود احتیاطیات وموارد داخلیه لم یکشف تفاصیلها.
اقرأ أیضا
list of 2 items list 1 of 2 الحکومه البریطانیه تستبعد دعم "جاغوار لاندروفر" لحمایه آلاف الوظائف list 2 of 2 "أوبک بلس" یبقی حصص إنتاج النفط دون تغییر لشهر أکتوبر end of list غیر أن تصریح همتی تحدث عن "الاستعداد للعرض"، ولم یحدد موعد الضخ أو آلیته، أو ما إذا کان المبلغ سیُطرح دفعه واحده أم تدریجیا. کما لم یکشف مصدره أو حجم الاحتیاطیات السائله التی یستطیع البنک المرکزی استخدامها فورا.
ووفقا لوکاله الأنباء الإیرانیه الرسمیه، قال همتی إن البنک المرکزی وفر نحو 18 ملیار دولار منذ بدایه السنه الإیرانیه رغم العقوبات، وإنه مستعد لعرض ملیاری دولار لإداره التقلبات الأخیره، معتبرا أن سیناریو انهیار الاقتصاد لم یتحقق.
ویأتی الإعلان فی وقت تواجه فیه إیران معادله مرکبه تتمثل فی حمایه الریال، وتمویل استیراد الغذاء والدواء والمواد الأولیه، ومواجهه التداعیات الاقتصادیه للحرب وإعاده إعمار المنشآت المتضرره، بالتزامن مع اضطراب قنوات بیع النفط وتحویل عائداته.
أکثر من عامل نفسی
یعزو همتی القفزه الأخیره فی سعر الدولار بدرجه کبیره إلى الأجواء النفسیه، متوقعا أن تهدأ الاضطرابات فی سوق الصرف. لکنّ تحلیلا نشرته وکاله إرنا ربط ارتفاع العمله بمجموعه عوامل متزامنه، بینها تراجع الوصول إلى الموارد الأجنبیه، واضطراب مسارات التحویل، وزیاده الطلب على العمله لتمویل الواردات، والحصار الاقتصادی، إلى جانب التوقعات التضخمیه.
وأوضح التحلیل أن صعود الدولار لا یمکن تفسیره بالمضاربه أو بصدمه مؤقته وحدهما، لأن القیود المفروضه على الوصول إلى عائدات الصادرات تضغط على جانب العرض، فی حین رفعت احتیاجات الاستیراد بعد الحرب الطلب الحقیقی على العمله.
ویتعرض الریال کذلک لضغط تضخمی شدید، إذ أعلن مرکز الإحصاء الإیرانی أن معدل التضخم السنوی بلغ 69.9% فی أغسطس/آب الماضی، بزیاده 3.9 نقاط مئویه عن الشهر السابق، بینما بلغت زیاده أسعار مجموعه الغذاء 128% مقارنه بالشهر نفسه من العام الماضی.
وتزید هذه المعطیات صعوبه مهمه البنک المرکزی، إذ یستطیع التدخل المباشر زیاده عرض الدولار وکبح موجه الشراء لفتره، لکنه لا یعالج وحده التضخم أو اضطراب تدفق الإیرادات أو ارتفاع کلفه الوصول إلى العمله الأجنبیه.
تدفقات لم تتوقف
یرى الخبیر الاقتصادی محمد إسلامی أن البنک المرکزی یمتلک القدره على توفیر الملیاری دولار، مستندا إلى استمرار التدفقات الناجمه عن الصادرات الإیرانیه رغم الحرب والحصار.
ویقول إسلامی للجزیره نت، إن التدفق النقدی للصادرات الإیرانیه لا یزال قائما. فحتى فی أصعب أیام الحرب، ثم خلال فتره الحصار، استمر تصدیر النفط والمنتجات النفطیه. ولا یعنی ذلک أن الصادرات بقیت عند مستواها فی الظروف الطبیعیه أو فی غیاب العقوبات، لکنها لم تتوقف، کما أن إنتاج النفط لم ینخفض إلى الصفر.
وتتقاطع إفادته مع تصریح وزیر النفط الإیرانی محسن باک نجاد بأن صادرات الخام لم تتوقف "حتى ساعه واحده" خلال الحرب التی استمرت 40 یوما، رغم استهداف جزیره خارک والقیود المفروضه على حرکه الناقلات.
ویضیف إسلامی أن إیران اکتسبت خلال عقدین أو ثلاثه عقود خبره فی تکییف آلیاتها التصدیریه مع العقوبات الأمریکیه، مستفیده من امتلاکها نحو 7 آلاف کیلومتر من الحدود البریه و3 آلاف کیلومتر من الحدود البحریه، إلى جانب استمرار صادرات المنتجات النفطیه والمعدنیه وغیرها من السلع التی توفر دخلا بالعمله الأجنبیه.
ویفرق الخبیر بین تحصیل عائدات الصادرات ودخولها إلى النظام المصرفی الإیرانی، موضحا أن إیرادات إیران من العمله الأجنبیه لم تعد مضطره منذ سنوات إلى العوده إلى المصارف داخل البلاد، بعدما بنت طهران آلیات خاصه لتمویل الصادرات والواردات وتحویل الأموال.
وبحسب تقدیره، توجد الکتله الأساسیه من الأرصده الإیرانیه فی الصین وجنوب شرق آسیا، مع استمرار حرکه العائدات عبر الهند وروسیا ودول بشرق أوروبا، إضافه إلى دول فی المنطقه مثل العراق وعُمان.
وفی هذا السیاق، یقول إسلامی إن قسما مهمّا من الملیاری دولار یعود إلى إیرادات الصادرات النفطیه وغیر النفطیه المتحققه خلال الحرب وما بعدها، وإن البنک المرکزی یستطیع استخدامه للحد من تسارع سعر الصرف إذا قرر ذلک.
لکنّ استمرار التصدیر لا یجیب بمفرده عن حجم الأموال القابله للاستخدام، فإتمام عملیه البیع لا یعنی بالضروره قدره البنک المرکزی على تحویل العائدات أو استخدامها بالسرعه والکلفه نفسیهما فی الظروف الطبیعیه.

صادرات النفط الإیرانیه خلال الحرب والحصار استمرت رغم القیود والاستهدافات التی طالت منشآت حیویه (رویترز) إداره التقلب لا خفض السعر
یشدد إسلامی على أن تصریح همتی لا یعنی اتخاذ قرار بضخ المبلغ کاملا، قائلا إن محافظ البنک المرکزی أعلن القدره على التدخل، لکنه "لم یقل إن الملیاری دولار ستُضخان حتما".
ویربط قرار التدخل بمده الحرب التی لا تستطیع الحکومه تقدیرها بدقه، موضحا أنه إذا أخذت السلطات فی الحسبان احتمال استمرار الظروف الحربیه عامین أو عامین ونصف العام، فستُضطر إلى تحریر مواردها الأجنبیه تدریجیا لتجنب التعرض لصدمه فی المستقبل.
ویرى إسلامی أن بعض القراءات الخارجیه تخطئ عندما تفسر وضع الاقتصاد الإیرانی انطلاقا من مؤشرات الاقتصاد الکلی وحدها، وتفترض أن تجاوز التضخم مستوى معینا یعنی اقتراب الاقتصاد من الانهیار.
ویقول إن الأولویه الأولى للاقتصاد الإیرانی منذ سنوات هی الصمود، وإن العقوبات تراکمت تدریجیا، مما دفع قطاعات الغذاء والملابس والتغلیف والسیارات وغیرها إلى زیاده اعتمادها على الإنتاج المحلی وبناء قدره على امتصاص الصدمات.
ولا ینفی إسلامی أن التضخم یمثل نقطه ضعف، لکنه یرى أنه لا یعنی بمفرده أن الاقتصاد یقف على حافه الانهیار. ویضیف أن الأولویه بالنسبه إلى القطاع الخاص لیست خفض التضخم أو سعر الصرف بأی ثمن، بل جعل مسارهما قابلا للتوقع حتى تتمکن الشرکات من اتخاذ قراراتها.
وبناء على ذلک، یعتقد أن هدف الحکومه فی المرحله الحالیه هو إبقاء تقلبات سعر الصرف والتضخم ضمن نطاق تمکن إدارته، ولیس إعاده الدولار سریعا إلى مستویاته السابقه.

البنک المرکزی الإیرانی یملک قدره التدخل بالعمله الأجنبیه دون التزام بضخ ملیاری دولار کامله (رویترز) شراء للوقت
فی المقابل، یرى الخبیر الاقتصادی بیمان مولوی أن ضخ ملیاری دولار لن یغیر الاتجاه العام للعمله ما دامت أسباب تراجعها قائمه.
ویقول مولوی للجزیره نت إن التدخل "قد یحدث أثرا نفسیا قصیر الأمد، لکنه لن یوقف انخفاض قیمه الریال بصوره مستدامه"، موضحا أنه عندما تکون الأزمه مرتبطه بالتضخم والحرب والعقوبات وتراجع الإیرادات الأجنبیه وزیاده الطلب على العمله، فإن ضخ الملیاری دولار "لا یمثل علاجا، بل شراء للوقت".
ویضیف أنه إذا لم تتغیر العوامل الأساسیه فسیعود الضغط على سعر الصرف بعد انتهاء التدخل، لافتا إلى أن السؤال الأهم لا یتعلق بإجمالی احتیاطیات إیران، بل بحجم الأرصده السائله التی یستطیع البنک المرکزی استخدامها فعلیا.
ویشرح مولوی أن "هناک فرقا بین الاحتیاطیات المسجله على الورق والاحتیاطیات المتاحه والقابله للتحویل"، وأن العقوبات تجعل جزءا من الأصول الإیرانیه خارج البلاد مقیدا أو صعب الاستخدام.
ویتابع: "المهم هو مقدار العمله التی یستطیع البنک المرکزی ضخها من دون الإضرار بتمویل الواردات الأساسیه، وهذا الرقم غیر معلن".
ولا یتفق مولوی مع تفسیر ارتفاع سعر الدولار بالعوامل النفسیه أساسا، قائلا إن توقعات السوق نفسها تستند إلى عوامل حقیقیه. فالحرب والعقوبات والتضخم وتراجع تدفقات العمله والغموض بشأن المستقبل تدفع الأفراد والشرکات إلى شراء الدولار وغیره من الأصول لحمایه مدخراتهم.
ویضیف أن "السوق یسعر التوقعات، لکنّ هذه التوقعات لیست منفصله عن الواقع الاقتصادی".
احتیاطیات أم واردات؟
تکشف الأرقام الرسمیه حجم المنافسه على موارد البنک المرکزی. فقد أعلن همتی تخصیص 3.7 ملیارات دولار لاستیراد السلع الأساسیه والأدویه خلال الأشهر الثلاثه الأولى من السنه الإیرانیه، وقال إن استخدام بعض الأرصده المقیده لشراء هذه السلع أتاح تحریر موارد أخرى لتمویل احتیاجات الصناعه.
وکان نائب محافظ البنک المرکزی قد أعلن قبل ذلک توفیر أکثر من 17 ملیار دولار منذ بدایه السنه، قبل أن یرفع همتی الرقم لاحقا إلى نحو 18 ملیارا. کما قال البنک المرکزی إن متوسط تمویل احتیاجات المستوردین بلغ 175 ملیون دولار یومیا، مقارنه بنحو 205 ملایین دولار خلال الفتره نفسها من العام الماضی.
ویحذر مولوی من أن تکرار التدخل قد یضع المصرف أمام مفاضله أکثر حده بین استقرار العمله والحفاظ على احتیاطیاته، قائلا "إما أن یسمح البنک المرکزی للریال بامتصاص جانب من الضغوط عبر انخفاض قیمته، وإما أن یستخدم مزیدا من موارده للدفاع عنه".
ویضیف أن استخدام الاحتیاطیات لدعم الریال فی ظل الحرب وتراجع الإیرادات قد یتحول إلى سیناریو شدید الکلفه، ولا سیما إذا لم تترافق العملیه مع معالجه التضخم وعجز الموازنه وأسباب ضعف تدفقات العمله.
ویخلص مولوی إلى أن المشکله لیست نقص بضعه ملیارات من الدولارات، بل "ضعف القدره على الإنتاج وتولید تدفقات مستدامه من العمله الأجنبیه"، محذرا من أن السیناریو الأکثر تشاؤما یتمثل فی إنفاق احتیاطیات محدوده وقیّمه على الدفاع عن الریال من دون معالجه أسباب تراجعه.
ولا یقتصر اختبار الملیاری دولار على قدره البنک المرکزی على خفض سعر الدولار مؤقتا، بل یمتد إلى قدرته على استعاده استقرار السوق دون الإضرار بتمویل الواردات أو استنزاف موارد تحتاجها إیران فی ظل حرب لا یُعرف مداها.
المصدر: الجزیره