وکاله آریا للأنباء - أحد شوارع منطقه سوق الثوره فی أم درمان (الجزیره)
الخرطوم – یقف شریف محمد الحسن، صاحب محل لبیع مواد البناء بمدینه أم درمان فی العاصمه السودانیه، أمام بضاعته وهو یواجه معادله باتت أکثر تعقیدا من مجرد تحدید هامش للربح.
فمع کل تحرک فی سعر صرف الجنیه السودانی أمام الدولار، یقول شریف فی حدیثه للجزیره نت إنه یجد نفسه مضطرا إلى إعاده حساب تکلفه ما یبیع، خشیه أن یبیع بضاعته الیوم ثم یعجز غدا عن شراء الکمیه نفسها بالسعر الجدید.
قصص مقترحه
list of 4 items list 1 of 4 کیف أثقلت الحرب کاهل الاقتصاد السودانی؟ list 2 of 4 الحرب والتضخم یدفعان المصارف السودانیه للاندماج أو التصفیه list 3 of 4 الجفاف یخنق سله غذاء السودان.. انحسار الغطاء النباتی فی ولایات الجزیره والنیل الأبیض والقضارف list 4 of 4 أوتشا یحذر من تفشی الکولیرا والملاریا فی السودان end of list فبالنسبه إلى شریف، لم یعد ارتفاع سعر الدولار مشکله تخص تکلفه السلع المستورده وحدها، لکنه أصبح عاملا یحدد قدرته على الاستمرار فی تجارته.
ویبرز قطاع مواد البناء بین الأنشطه الأکثر حساسیه لتغیرات تکلفه المدخلات (وسائل الإنتاج)، فی ظل ارتباط جزء من مواده بالسوق الخارجیه، وتداخل تکالیف النقل والطاقه فی تحدید أسعارها.
ومع تراجع قیمه الجنیه، یجد العاملون فی قطاع البناء أنفسهم أمام ارتفاع فی تکلفه الحصول على البضاعه، بینما تحد قدره المستهلکین على الشراء من إمکانیه تمریر الزیاده کامله إلى أسعار البیع للمستهلکین.

جانب من منطقه سوق حلایب القدیمه فی أم درمان غربی الخرطوم(الجزیره) إعاده التسعیر
وتعکس تجربه شریف جانبا من الارتباک الذی تشهده الأسواق السودانیه مع التذبذب الحاد فی سعر الصرف ، إذ بات التجار یواجهون صعوبه فی تحدید أسعار مستقره لبضائعهم، بینما تتسع الفجوه بین تکلفه الشراء وقدره المستهلک على الدفع.
ولا یتوقف أثر تقلبات العمله السودانیه عند أبواب المتاجر، فارتفاع تکلفه إعاده شراء السلع یدفع التجار إلى إعاده التسعیر. بینما یجد المستهلک نفسه أمام أسعار تتغیر بوتیره أسرع من دخله، تشهد بعض الأسواق فی الأیام الماضیه زیادات تراوحت بین 40% و60% فی أسعار السلع الأساسیه.
وتتراوح أسعار الدولار فی تعاملات البنوک السودانیه بین 3700 و4200 جنیه للدولار الواحد، وفقا لأسعار الصرف المعلنه الاثنین الماضی، فی وقت تجاوز فیه سعر العمله الأمریکیه 7 آلاف جنیه فی السوق الموازیه، ما یعکس اتساع الفجوه الهائله بین السعرین الرسمی والموازی.

تجار الخضروات بأسواق أم درمان یجدون صعوبه فی تحدید أسعار مستقره لبضائعهم (الجزیره) ارتفاع تکالیف النقل
وسرعان ما انعکس اضطراب سوق الصرف على أسعار السلع والخدمات، ولا سیما المنتجات المستورده من بینها الأدویه والمواد الغذائیه، فی ظل اعتماد الاقتصاد السودانی بدرجه کبیره على الواردات.
کما ساهم ارتفاع أسعار الوقود والنقل واضطراب طرق التجاره فی رفع تکلفه نقل البضائع إلى الأسواق والمحال التجاریه.
وداخل أحد محلات المواد الغذائیه بأم درمان، یقول التاجر أبو القاسم الأمین إن سعر جوال (کیس) السکر زنه 50 کیلوغراما ارتفع من 215 ألف جنیه (نحو 31 دولارا) إلى 225 ألفا (نحو 32 دولارا) خلال یومین، فی حین بلغ سعر الجوال زنه 10 کیلوغرامات 48 ألف جنیه (نحو 7 دولارات).
ویشیر أبو القاسم إلى أن الزیاده لا تقتصر على السکر، إذ تشهد أسعار عدد من السلع الغذائیه، ومن بینها الدقیق والزیت والمعلبات بأنواعها ارتفاعا متدرجا مع تغیر أسعار الشراء من الموردین، الأمر الذی یضطر التجار إلى تعدیل أسعار البیع للحفاظ على هامش بسیط یمکنهم من مواصله العمل.
ویضیف التاجر فی حدیثه للجزیره نت أن استمرار ارتفاع تکالیف النقل والترحیل یزید من أعباء التجار، خصوصا مع تغیر الأسعار بین فتره وأخرى، ما یجعل عملیه التسعیر صعبه ویضع المستهلک أمام أسعار مختلفه للسلعه نفسها خلال فترات قصیره.
مجرد أرقام
وبینما یواجه التجار ارتفاع تکلفه شراء السلع، یجد المواطنون أنفسهم أمام أسعار تتجاوز قدرتهم الشرائیه.
ویقول عبد الله سالم وهو سائق أجره یعول 5 أطفال ووالدتهم، إن قیمه النقود تراجعت بصوره کبیره، وأصبحت فی نظره مجرد أرقام لا تکفی لشراء الاحتیاجات التی کان یستطیع توفیرها فی السابق.
ویضیف سالم فی حدیثه للجزیره نت أن عدم توفر السیوله النقدیه، والاعتماد المتزاید على التطبیقات البنکیه التی تعمل بصوره متقطعه، زادا من صعوبه الحیاه الیومیه. إذ أصبحت هذه التطبیقات على حد قوله عبئا إضافیا بدلا من أن تکون وسیله لتسهیل الحصول على المال وشراء الاحتیاجات.

یواجه التجار فی أم درمان ارتفاع کلفه شراء السلع بینما یجد المشترون أسعارا تفوق قدرتهم الشرائیه (الجزیره) وسیله للحفاظ على المال
وبحسب خبراء الاقتصاد لا یحدث ارتفاع الدولار بمعزل عن أوضاع الاقتصاد السودانی، التی تأثرت بالحرب بین الجیش السودانی وقوات الدعم السریع ، وتراجع النشاط الإنتاجی والتجاری.
ویرى أستاذ الاقتصاد السودانی خضر علی أن ارتفاع سعر الدولار یرتبط بجمله من العوامل، من بینها تراجع موارد النقد الأجنبی، إلى جانب زیاده الطلب على العملات الأجنبیه، فی ظل حاجه السوق إلى تمویل الواردات.
ویشیر المتحدث نفسه فی حدیثه للجزیره نت إلى أن استمرار هذه العوامل یضغط على قیمه الجنیه، ویدفع المتعاملین إلى البحث عن الدولار کوسیله للحفاظ على قیمه أموالهم، الأمر الذی ینعکس بدوره على سعر الصرف فی السوق.
ویحذر الاقتصادی السودانی من أن استمرار تراجع الجنیه لا یقف أثره عند سوق العملات، لکنه أیضا ینتقل سریعا إلى أسعار السلع والخدمات، خصوصا السلع المستورده أو التی تدخل فی إنتاجها وتوزیعها تکالیف مرتبطه بالنقد الأجنبی.
ویقول إن ارتفاع الأسعار یضعف القوه الشرائیه للمواطنین، بینما یواجه التجار صعوبه فی تثبیت أسعار السلع، مع تغیر تکلفه الشراء والترحیل، بما یزید الضغوط المعیشیه على الأسر السودانیه.

بعض المحال فی السوق العربی مغلقه منذ اندلاع الحرب فی أبریل 2023 (الجزیره) تراجع معدلات التضخم
وکان الجهاز المرکزی للإحصاء فی السودان قد أعلن عن تراجع معدل التضخم السنوی إلى 41.61% فی یولیو/تموز الماضی، مقارنه بـ51.28% فی یونیو/حزیران، وفق بیانات تعتمد على سله تضم 663 سلعه وخدمه تمثل أنماط استهلاک الأسر فی المناطق الحضریه والریفیه.
وبلغ التضخم فی المدن 45.24%، مقابل 39.85% فی الریف، فیما تستحوذ مجموعه الأغذیه والمشروبات على 52.89% من إنفاق السودانیین، تلیها السکن والمیاه والکهرباء والغاز والوقود بنسبه 14.17%، والنقل بنسبه 8.34%.
ورغم انخفاض معدل التضخم السنوی، أظهرت البیانات استمرار ارتفاع الأسعار، إذ زاد الرقم القیاسی العام لأسعار المستهلک بنسبه 1.47% على أساس شهری خلال یولیو/تموز الماضی.
ویأتی ذلک وسط استمرار تداعیات الحرب على النشاط الاقتصادی، من تراجع الإنتاج والتجاره واضطراب سلاسل الإمداد إلى تقلص مصادر الدخل والقدره الشرائیه للأسر، ما یجعل انخفاض معدل التضخم لا یعنی بالضروره تراجع الأسعار، أو تحسن القدره الشرائیه للمواطنین.
المصدر: الجزیره