وکاله آریا للأنباء - إنجاز المعامله قد یستغرق بین ثلاثه وخمسه أسابیع، ویتطلب الانتقال بین مؤسسات عده (الجزیره)
کان طارق جانودی یتوقع أن تکون عودته إلى سوریا ، بعد سنوات طویله قضاها فی ترکیا ، فرصه قصیره للقاء عائلته واستعاده بعض الوقت الذی غاب فیه عنهم، لکنه وجد نفسه بعد وصوله أمام مشکله لم یکن یتوقعها، فاسمه ما زال مدرجا على قوائم المنع من السفر التی خلفها النظام المخلوع، وعلیه إنجاز سلسله من الإجراءات قبل أن یتمکن من مغادره الحدود السوریه.
طارق الذی ینحدر من مدینه اللاذقیه ، انشق عن قوات النظام عام 2012 بعد أن سیقَ للتجنید الإلزامی، بعدما کان یعمل مدرسا فی حلب ، ثم لجأ إلى ترکیا وبقی فیها حتى سقوط النظام. وعندما عاد إلى سوریا لزیاره عائلته، أُبلغ بأنه ممنوع من مغادره البلاد بسبب تغیبه عن عمله الحکومی، وطُلب منه مراجعه مدیریه التربیه فی حلب لتسویه وضعه والحصول على إذن بالمغادره.
قصص مقترحه
list of 2 items list 1 of 2 سوریا وخطوط الطاقه بعد اضطرابات هرمز.. فرص التوسع والعوائق والمنافسون list 2 of 2 سفن عسکریه روسیه تصل السواحل السوریه.. ما عددها وماذا تحمل؟ end of list یقول جانودی إن إنجاز المعامله التی تنهی وضعه کـ"ممنوع من السفر" قد یستغرق بین ثلاثه وخمسه أسابیع، ویتطلب الانتقال بین مؤسسات عده، بدءا من مدیریه التربیه، مرورا بالمالیه والتأمینات الاجتماعیه والمحکمه، وصولا إلى الهجره والجوازات. وبالنسبه إلى شخص یقیم خارج البلاد ویعود إلیها فی إجازه قصیره، تتحول هذه الإجراءات إلى عبء قد یلتهم کامل فتره الزیاره، وهو الذی کان یستعد لترکیا حیث یعمل هناک.

أمام مبنى الهجره والجوازات فی دمشق – ینایر/کانون الثانی 2022 (الجزیره) إجازه قصیره ومعامله طویله
تتکرر القصه مع مؤید بیطار، وهو مدرس غادر سوریا عام 2015 وأقام خارج البلاد، إذ لدى وصوله إلى مطار دمشق قبل أشهر، فوجئ بوجود اسمه على قائمه الممنوعین من السفر، وأُبلغ بضروره إزاله اسمه حتى یتمکن من العوده إلى دوله قطر حیث کان یقیم.
کانت إجازه بیطار لا تتجاوز أسبوعا واحدا، وهو وقت لم یکن کافیا لإنجاز معامله تتطلب مراجعه أکثر من جهه. وبدلا من أن یقضی الأیام القلیله مع عائلته فی اللاذقیه، أمضى ثلاثه أیام فی حلب، ثم انتقل إلى طرطوس وعاد إلى حلب، قبل أن یضطر فی نهایه المطاف إلى توکیل محام لمتابعه معاملته والحصول على إذن السفر.
یقول بیطار إنه شاهد خلال مراجعته للدوائر الحکومیه حالات مشابهه لسوریین عادوا لقضاء إجازاتهم، لکنهم وجدوا أنفسهم یلهثون خلف المعاملات قبل موعد رحلاتهم. وسمع وفق روایته، عن أشخاص اضطروا إلى تأجیل رحلاتهم ودفع تکالیف إضافیه بسبب استمرار ظهور أسمائهم على قوائم المنع.
ولا تبدو هذه الحالات معزوله حیث یروی سوریون على وسائل التواصل تجارب مشابهه عند محاولتهم مغادره البلاد بعد عودتهم من الخارج. وبینما کان بعضهم یواجه قضایا أو غرامات مالیه، فوجئ آخرون بقیود مرتبطه بوظائف حکومیه ترکوها منذ سنوات.
ملایین الأسماء
وتعود جذور المشکله إلى سیاسه واسعه اتبعها النظام المخلوع فی استخدام منع السفر، إذ لم یقتصر الإجراء على القضایا القضائیه، بل طال، بحسب حقوقیین ومتضررین، معارضین ومنشقین وموظفین غادروا وظائفهم، فضلا عن أشخاص ارتبطت أسماؤهم بملفات مالیه أو قضائیه.
ولا یعرف بشکل دقیق عدد السوریین الممنوعین حالیا من السفر، لکن فی نوفمبر/تشرین الثانی الماضی، أعلنت وزاره الداخلیه السوریه إزاله أسماء نحو خمسه ملایین مواطن من أصل 8.3 ملایین من قوائم منع السفر التی وضعها النظام السابق، قالت إنها تواصل معالجه ملفات مئات ألاف السوریین الآخرین الذین وضُعوا على قائمه المنع أیام النظام المخلوع.
وقال المتحدث باسم الوزاره نور الدین البابا آنذاک إن هذه القوائم شکّلت أحد أبرز انتهاکات نظام الأسد بحق السوریین، وإن الوزاره تعاملت مع ملایین الحالات، فیما یستمر العمل لإنجاز الملف.
لکن استمرار ظهور بعض الأسماء على المعابر والمطارات یشیر إلى أن المشکله لم تنته بالکامل، سواء بسبب بقاء قیود قدیمه أو بسبب الحاجه إلى مراجعه جهات حکومیه وقضائیه لإثبات انتهاء أسباب المنع.
ویرى مازن عبد الباقی، وهو موظف سابق فی دائره الهجره والجوازات من اللاذقیه، أن المشکله ترتبط بأحکام قضائیه من أیام النظام السابق، فالموظف الذی ترک عمله دون استقاله مطالب بتسویه وضعه، سواء بالاستقاله أو العوده للعمل، کما أن هناک أحکام منع سفر تتعلق بغرامات ومخالفات مالیه وجب تسویتها، مضیفا أن هناک آلافا من السوریین لا یزالون یعانون من مشاکل قانونیه وجب تسویتها.
واقترح عبد الباقی لحل هذه المشکله تسهیل الإجراءات ومنح إذن سفر مؤقت محدد بسنه على الأقل لیتاح للعائد تسویه وضعه، فضلا عن تأمین قاعده بیانات مرکزیه یجری تحدیثها بصوره مستمره، إلى جانب إعاده تنظیم أنظمه التحقق فی المعابر وتبسیط الإجراءات أمام السوریین المقیمین فی الخارج.
منع السفر بین القانون والحق
ولا ینظر القانون الدولی إلى حریه السفر باعتبارها امتیازا تمنحه الدوله للمواطن، وإنما باعتبارها حقا یمکن تقییده فی ظروف محدده.
وفی هذا الصدد یقول المحامی السوری المعتصم الکیلانی لـ "سوریا الآن"، إن منع السفر لیس مجرد إجراء إداری مزعج، بل هو "تقیید لحق أساسی، وقد یتحول إلى إجراء تعسفی إذا استمر تلقائیا من عهد سابق، أو لم یعرف المواطن سببه، أو لم تتوفر له آلیه سریعه للطعن فیه ورفعه".
وتنص الماده 12 من العهد الدولی الخاص بالحقوق المدنیه والسیاسیه على حق کل شخص فی مغادره أی بلد، بما فی ذلک بلده، ولا تسمح بتقیید هذا الحق إلا إذا کان القید منصوصا علیه فی القانون، وضروریا لتحقیق غرض مشروع، ومتناسبا معه.

قرار وزاره الداخلیه إزاله 5 ملایین منع سفر للسوریین من عهد نظام الأسد (سانا) ویشیر الکیلانی إلى أن الإعلان الدستوری السوری الصادر فی 13 مارس/آذار 2025 نص فی الماده 13 على حریه التنقل، کما نصت الماده 18، باستثناء حاله الجرم المشهود، على عدم تقیید حریه الشخص إلا بقرار قضائی. کما أدرج الإعلان الدستوری الحقوق الوارده فی اتفاقیات حقوق الإنسان التی صادقت علیها سوریا ضمن منظومته الحقوقیه.
وبناء على ذلک وفق الکیلانی "لا تکمن المشکله الحقوقیه فی وجود إمکانیه قانونیه لمنع السفر بحد ذاتها، إذ یمکن للقضاء اللجوء إلى هذا الإجراء فی حالات استثنائیه، وإنما فی استمرار قیود لا تستند إلى أساس قضائی واضح، أو اکتشاف المواطن لها عند الحدود من دون أن یکون قد أُبلغ بها مسبقا".
حین تصبح العوده مخاطره
وبالنسبه إلى السوریین المقیمین فی الخارج, لا تتوقف المشکله عند خساره یوم أو بضعه أیام من الإجازه. فالشخص الذی یدخل بلده بصوره قانونیه ثم یکتشف عند المغادره أنه غیر قادر على الخروج، یجد نفسه أمام حاله من عدم الیقین لم یکن مستعدا لها.

لاجئون سوریون فی لبنان فی انتظار عودتهم إلى الأراضی السوریه – یولیو/تموز 2026 (إیبا) وقد یعنی ذلک إلغاء رحله، أو خساره تذکره، أو تمدید الإقامه أو الغیاب عن العمل، فضلا عن اضطرار الشخص إلى الانتقال بین مدن ودوائر حکومیه ومحاکم بحثاً عن ورقه تسمح له بالمغادره.
وقال سوریون فوجئوا بوجود اسمهم ضمن قوائم المنع من السفر لـ"سوریا الآن"، إن مفاجآت من هذا النوع ستدفعهم وآخرین من أصدقائهم للتفکیر مرتین قبل اتخاذ قرار العوده لسوریا مستقبلا.
ویرى الحقوقی السوری المعتصم الکیلانی، أن الحل لا یتمثل فی إلغاء منع السفر نهائیا، بل فی إسقاط القیود الموروثه التی لا تستند إلى قرار قضائی نافذ ومسبب، وإعاده بناء النظام على قواعد واضحه تضمن أن یکون المنع استثنائیا ومحددا بمده وسبب قانونی.
ومن بین الضمانات التی یقترحها المحامی "مراجعه جمیع أوامر منع السفر الموروثه، وإبلاغ المواطن مسبقا بالمنع والجهه التی أصدرته والأساس القانونی له، وإنشاء آلیه عاجله للطعن أمام القضاء، إضافه إلى توفیر خدمه رسمیه تتیح للسوری المقیم فی الخارج معرفه ما إذا کان بحقه قید على السفر قبل دخول البلاد".
المصدر: الجزیره