وکاله آریا للأنباء - أعلام الدول أمام مقر الأمم المتحده (غیتی)
تدخل الأمم المتحده المرحله الممتده بین عامی 2026 و2027 وهی تواجه مفارقه ربما تکون من أکثر المفارقات حده فی تاریخها الحدیث: العالم یحتاج إلیها فی وقت تبدو فیه أقل قدره على الاستجابه لما یحتاجه منها. الحروب تتسع، والتنافس بین القوى الکبرى یزداد، والموارد المالیه تتراجع، وعملیات حفظ السلام تنکمش، فیما تقترب المنظمه من تغییر قیادتها مع انتهاء ولایه الأمین العام أنطونیو غوتیریش، وانتظار من سیخلفه فی مطلع عام 2027.
من هذه المفارقه ینطلق التقریر الخاص لمجموعه الأزمات الدولیه «عشره تحدیات للأمم المتحده فی 2026-2027»، . فالمشکله، کما یقدمها التقریر، لیست أن الأمم المتحده فقدت ضرورتها، وإنما أن الحاجه إلیها تتزاید بالتزامن مع تراجع قدرتها على أداء الوظائف التی أنشئت من أجلها. فما زالت المنظمه المنتدى العالمی الوحید الذی یجتمع فیه العالم کله تقریبا، لکنها أصبحت أقل قدره على وقف الحروب وتخفیف معاناه المدنیین، بینما أدت التخفیضات المالیه إلى إضعاف إمکاناتها المیدانیه.
قصص مقترحه
list of 2 items list 1 of 2 العنف الإمبراطوری بین القوه والضعف.. الحرب الأمریکیه على إیران وحدود السیطره list 2 of 2 هل یحول الحوثیون باب المندب إلى بوابه للجبایه؟ end of list ولا یتعامل التقریر مع هذه الأزمه باعتبارها مجرد أزمه مالیه أو إداریه یمکن علاجها بإعاده هیکله الأمانه العامه أو تخفیض النفقات. إنها فی الأساس أزمه سیاسیه تتصل بالعالم الذی تعمل فیه المنظمه. فمجلس الأمن ما زال قادرا على التوصل إلى تفاهمات عندما یتعلق الأمر بملفات لا تمس مباشره المصالح الأساسیه للقوى الکبرى، لکنه یکاد یصاب بالشلل عندما یصل إلى الحروب التی تنخرط فیها هذه القوى أو حلفاؤها بصوره مباشره. ویضع التقریر الحرب الأمریکیه الإسرائیلیه مع إیران، إلى جانب أوکرانیا والسودان، فی مقدمه الأمثله على هذا العجز.
والنتیجه أن الأمم المتحده تجد نفسها أمام سؤال أکبر من الأزمات العشر التی یتناولها التقریر: ما الوظیفه الممکنه لمنظمه دولیه تأسست على فکره العمل الجماعی فی عالم یتجه بصوره متزایده إلى القوه المنفرده وصفقات المصالح؟
منظمه أضعف.. وعالم أکثر اضطرابا
شهد العام الأخیر من ولایه غوتیریش ضغوطا متراکمه على المنظمه. فقد جاءت الأزمات القدیمه فی أوکرانیا وغزه والسودان، ثم أضیفت إلیها الحرب الأمریکیه الإسرائیلیه مع إیران، لتضع مجلس الأمن أمام انقسامات یصعب تجاوزها. وفی الوقت نفسه تفاقمت أزمه السیوله التی تعانی منها الأمم المتحده، وأدت التخفیضات فی المساهمات الطوعیه إلى تقلیص قدره الوکالات الإنسانیه على الوصول إلى ملایین المتضررین من النزاعات.
وکان العامل الأمریکی حاضرا بقوه فی هذا التحول. ویرصد التقریر انتقال واشنطن إلى مقاربه أکثر انتقائیه فی تعاملها مع الأمم المتحده؛ فهی لا تنسحب من النظام متعدد الأطراف بالکامل، لکنها ترید منظمه أصغر حجما، أقل تکلفه، وأکثر ارتباطا بالأولویات الأمریکیه.
وقد ظهرت هذه المقاربه فی مجلس الأمن. ففی هایتی، أیدت واشنطن إنشاء قوه جدیده لمکافحه العصابات ومکتبا أممیا لتوفیر الدعم اللوجستی لها. وفی غزه، دفعت باتجاه اعتماد مجلس الأمن خطه وقف إطلاق النار وإنشاء «مجلس السلام»، لکن النموذجین، کما یرى التقریر، أعطیا الولایات المتحده مساحه أکبر لصنع القرار، فیما تقلص الدور السیاسی والتشغیلی المباشر للأمم المتحده.
ومع ذلک، تکشف حرکه مجلس الأمن عن صوره أکثر تعقیدا من مجرد صراع أمریکی روسی صینی. فالدول الثلاث تستطیع الاختلاف بشده فی ملف ثم التفاهم فی ملف آخر. وقد تعاونت واشنطن وبکین فی بعض قضایا أفغانستان، وفی اختیار مسؤولین لبعثات الأمم المتحده فی الکونغو الدیمقراطیه وجنوب السودان، فی حین اصطدمت واشنطن بموسکو وبکین بشأن إیران.
وتکشف هذه الوقائع عن إحدى الأفکار التی تتکرر فی التقریر: الأمم المتحده لم تفقد القدره على العمل تماما؛ لکنها أصبحت تعمل داخل المساحات التی تترکها لها القوى الکبرى.
وهذه المساحات تضیق أیضا بفعل المال.
فقد أقرت الدول الأعضاء خفضا یقارب 15 فی المئه فی میزانیه الأمانه العامه لعام 2026، مع خفض عدد الموظفین بنسبه 19 فی المئه. وکانت عملیات حفظ السلام من أکبر المتضررین؛ إذ طلب غوتیریش من البعثات تخفیض میزانیاتها بما لا یقل عن 15 فی المئه، وهو ما أدى إلى إعاده نحو 13 ألفا من العسکریین والمدنیین العاملین فیها، وانعکس فی تقلیص الدوریات وإغلاق قواعد وتعلیق بعض مبادرات الحوار المحلی.
وهکذا تصبح الأزمه المالیه أزمه سیاسیه وأمنیه أیضا: تقلیص التمویل یعنی عددا أقل من الجنود والموظفین، وعددا أقل من الدوریات، وحضورا أضعف فی مناطق النزاع، وقدره أقل على حمایه المدنیین.
وسط هذا المشهد یبدأ التقریر رحلته بین ساحات الأزمات، لکن اللافت أنه لا یختار بالضروره أکبر عشر حروب فی العالم. ما یبحث عنه هو الأماکن التی ما زالت فیها مساحه یمکن للأمم المتحده أن تتحرک داخلها.

الأمین العام للأمم المتحده أنطونیو غوتیریش .. والمنظمه تستعد لانتقال قیادی جدید، فیما یواجه خلیفته تحدی استعاده دورها وسط الحروب والانقسامات وأزمه التمویل. (غیتی) ز من لبنان والسودان وغزه إلى هایتی وأفریقیا الوسطى
یبدأ الاختبار من جنوب لبنان، حیث تقترب مهمه «الیونیفیل»، التی یعود وجودها إلى عام 1978، من نهایتها. والمشکله لیست إنهاء بعثه أممیه عمرها نحو نصف قرن بقدر ما هی السؤال عما سیأتی بعدها.
فالمفاوضات المدعومه أمریکیا بین إسرائیل ولبنان لم تنتج حتى الآن ترتیبا أمنیا مستقرا. وترید إسرائیل نزع سلاح حزب الله، بینما لا تستطیع الدوله اللبنانیه الدخول فی مواجهه عسکریه مفتوحه معه من دون المخاطره باضطرابات داخلیه واسعه. وفی المقابل، یربط حزب الله الملف بمسار أوسع یشمل إیران والولایات المتحده. وبین هذه الأطراف جمیعا توجد منطقه جنوب لبنان التی تحتاج إلى جهه تراقب وتتحقق وتمنع الاحتکاکات من التحول إلى حرب جدیده.
لهذا یحذر التقریر من انتهاء «الیونیفیل» من دون وجود بدیل. فحتى إذا لم تستطع قوه دولیه جدیده حل القضایا الکبرى، فإنها تستطیع وراثه بعض أهم وظائف «الیونیفیل»، وفی مقدمتها المراقبه المیدانیه ومنع الاحتکاک. ویرى أن ترک فراغ بعد الانسحاب یمکن أن یجعل وضعا متوترا بالفعل أکثر قابلیه للانفجار.
ومن لبنان ینتقل التقریر إلى السودان، حیث تبدو المشکله معکوسه تقریبا: لیست هناک بعثه أممیه کبرى مهدده بالانسحاب، وإنما منظمه دولیه تقف أصلا على هامش الجهود الرامیه إلى وقف الحرب.
ویرى التقریر فی تعیین بیکا هافیستو مبعوثا جدیدا للأمم المتحده فرصه لإعاده بناء المقاربه الأممیه. لکن سقف التوقعات یظل منخفضا؛ فالجیش السودانی وقوات الدعم السریع لم یصلا إلى مرحله الاقتناع بأن التفاوض أکثر فائده من الحرب، کما أن القوى الخارجیه المؤثره فی الصراع تعقد إمکان الوصول إلى تسویه.
ویصف التقریر السودان بأنه أصبح، فی الواقع، مقسما بین مناطق یسیطر علیها الجیش وأخرى تسیطر علیها قوات الدعم السریع، فی وقت تتزاید فیه التحذیرات من الفظائع ومن اتساع الکارثه الإنسانیه.
لذلک لا یقترح التقریر أن تتولى الأمم المتحده فجأه قیاده عملیه سلام لا تملک شروطها. الدور الأکثر واقعیه هو دعم مسارات الوساطه القائمه، والمساعده فی التنسیق بینها، والعمل على الملفات الإنسانیه، والاستعداد لأی فرصه لوقف إطلاق النار. وهنا تظهر فلسفه التقریر کلها تقریبا: لا ینتظر من الأمم المتحده أن تحل الحرب، وإنما أن تکون جاهزه عندما تفتح السیاسه نافذه للحل.
أما فی غزه، فالمعضله مختلفه. هناک قرار لمجلس الأمن وخطه لوقف إطلاق النار، لکن التقریر یرى أن الآلیات التی نشأت لتنفیذها وضعت الأمم المتحده إلى حد بعید خارج عملیه تقریر مستقبل القطاع.
ولهذا یقترح إعاده الجمعیه العامه إلى المشهد. فقد کانت الجمعیه خلال الحرب ساحه رئیسیه للتحرک عندما تعطل مجلس الأمن، بینما تراجع نشاطها بعد اعتماد خطه وقف إطلاق النار. ویرى التقریر أن الدول الأعضاء تستطیع استخدامها لمراجعه أداء «مجلس السلام» والضغط باتجاه إعاده الإعمار والمسار المؤدی إلى الدوله الفلسطینیه.
ولا یعنی ذلک أن الجمعیه العامه تستطیع الحلول محل مجلس الأمن أو فرض تسویه، لکن التقریر یبحث مره أخرى عن المساحه المتاحه: إذا کان مجلس الأمن مقیدا، فلماذا تظل بقیه المنظومه الأممیه ساکنه؟
وفی هایتی، یواجه العالم نموذجا آخر تماما. فالدوله تعانی تمدد العصابات المسلحه وتآکل مؤسساتها الأمنیه، ولذلک أقر مجلس الأمن قوه لمکافحه العصابات. وهنا یدعو التقریر إلى تجنب أخطاء التجارب السابقه: القوه الأمنیه وحدها لن تعید بناء الدوله.
ویضع للأمم المتحده أدوارا تتجاوز الدعم اللوجستی، من بینها مساعده الأشخاص الراغبین فی الخروج من العصابات، ودعم المؤسسات القضائیه القادره على التحقیق فی جرائمها ومحاکمه مرتکبیها. والفکره أن النجاح لا یقاس بعدد المسلحین الذین تتم مواجهتهم فقط، وإنما بقدره الدوله على استعاده الوظائف التی سمحت للعصابات بملء الفراغ أصلا.
ثم تأتی جمهوریه أفریقیا الوسطى، حیث یطرح التقریر سؤالا حساسا: متى یصبح نجاح بعثه حفظ السلام سببا للانسحاب، ومتى یؤدی الانسحاب المبکر إلى تبدید ما حققته؟
فالولایات المتحده والصین تتحدثان عن بدء الاستعداد لخروج بعثه «مینوسکا»، مستندتین إلى التحسن الأمنی وإجراء الانتخابات من دون اضطرابات کبرى، إلى جانب الرغبه فی خفض تکلفه عملیات السلام. لکن التقریر یرى أن الصوره خارج العاصمه أکثر هشاشه؛ فالبعثه لا تزال تؤدی أدوارا فی حمایه المدنیین، ومتابعه اتفاق السلام، ودعم الحوارات المحلیه وبرامج نزع السلاح، بل إن مؤسسات الدوله فی بعض المناطق تعتمد علیها لوجستیا وأمنیا.
وبذلک یصبح السؤال لیس: هل تحسن الوضع؟ بل: هل أصبح التحسن قادرا على البقاء من دون المظله الدولیه التی ساعدت فی صنعه؟

مؤیدون لحزب الله یتظاهرون فی بیروت (AP) مؤسسات تحت الضغط ومستقبل عملیات السلام
ولا تقف التحدیات عند الحروب نفسها. فجزء من الأزمه یتعلق بالمؤسسات التی یفترض أن تتعامل مع نتائج الحروب، وفی مقدمتها المحکمه الجنائیه الدولیه، إلى جانب عمل الأمم المتحده فی میانمار وقضایا المرأه والسلام والأمن.
فی هذه الملفات ینتقل التقریر من الجغرافیا إلى بنیه النظام الدولی نفسه: کیف یمکن حمایه المؤسسات الدولیه عندما تصبح موضع ضغوط سیاسیه؟ وکیف تستطیع الأمم المتحده الاحتفاظ بمساحه للعمل عندما ترفض الحکومات التعاون معها أو عندما تصبح قضایا حقوق الإنسان والسلام موضع صراع بین الدول الأعضاء؟
ویظهر هذا المأزق بصوره خاصه فی مستقبل عملیات السلام الأممیه. فالمنظمه التی عرفت لعقود بالقبعات الزرقاء تجد نفسها أمام بیئه دولیه أقل ترحیبا بهذا النموذج. الحکومات الواقعه تحت ضغط حرکات تمرد ترید فی أحیان کثیره قوات تساعدها فی هزیمه خصومها، لا وسطاء یدفعونها إلى التفاوض معهم.
لکن الأمم المتحده، وفق التقریر، ینبغی ألا تتحول إلى مؤسسه لفرض السلام بالقوه. ویمکن لمجلس الأمن أن یجیز ترتیبات خاصه، کما فی حاله قوه مکافحه العصابات فی هایتی، وأن تقدم الأمم المتحده لها الدعم الإداری واللوجستی، لکن ذلک یختلف عن تحویل عملیات السلام الأممیه نفسها إلى قوات حرب.
ولهذا تصبح المهمه الأعمق هی استعاده الثقه فی صناعه السلام ذاتها: إقناع أطراف النزاع بأن الوساطه والتفاوض وبناء السلام یمکن أن تحقق ما تعجز القوه العسکریه وحدها عن تحقیقه، ثم استخدام بعثات الأمم المتحده لمسانده العملیات السیاسیه عندما تتوافر لها فرصه النجاح.
وهی مهمه أصعب بکثیر مما تبدو؛ لأن المنظمه مطالبه فی الوقت نفسه بأن تفعل ذلک بموارد أقل.
الأمین العام الجدید.. هل یمکن إعاده تشغیل الآله؟
فی نهایه الرحله یعود التقریر إلى نیویورک، وإلى الطابق الأعلى فی مبنى الأمم المتحده، لیضع التحدی العاشر فی قلب المؤسسه نفسها.
فعندما یتولى الأمین العام الجدید منصبه فی الأول من ینایر/کانون الثانی 2027، ستکون أمامه فتره قصیره یستطیع خلالها تغییر طریقه إداره الأزمات. ولا یرى التقریر أن المشکله کلها فی نقص الأموال أو صدام القوى الکبرى؛ فهناک أیضا خلل داخلی فی عملیه صنع القرار.
فالمسؤولون المعنیون بعملیات السلام والشؤون السیاسیه یشکون من ضعف تدفق المعلومات، ومن الحذر المفرط فی المستویات العلیا، ومن الصراعات البیروقراطیه بین الإدارات. ویشیر التقریر إلى شکاوى داخل مجلس الأمن من أن طلب إعداد خیارات للتعامل مع أزمات مثل غزه والسودان وهایتی ولبنان یستغرق وقتا طویلا، وأن النتائج لا تکون دائما بالمستوى المطلوب.
ومن هنا تأتی إحدى أکثر توصیات التقریر عملیه: إنشاء قدره أکثر مرکزیه داخل مکتب الأمین العام لإنتاج الخیارات وتنسیق الاستجابه للأزمات، بحیث تستطیع المنظمه التحرک بسرعه عندما یطلب مجلس الأمن تصورات أو عندما تنفجر أزمه جدیده.
لکن الإصلاح الإداری یقود مباشره إلى السیاسه.
فالمناصب الکبرى داخل الأمانه العامه تخضع منذ سنوات لترتیبات غیر مکتوبه بین القوى الخمس الدائمه العضویه: فرنسا ترتبط بمنصب عملیات السلام، والولایات المتحده بالشؤون السیاسیه، وبریطانیا بالشؤون الإنسانیه، والصین بالشؤون الاقتصادیه والاجتماعیه، وروسیا بمکافحه الإرهاب. ویطالب التقریر الأمین العام المقبل بالحفاظ على قدر من الاستقلال فی اختیار کبار معاونیه، حتى وإن کان تجاهل القوى الخمس تماما أمرا غیر واقعی.

مبنى لوکاله الأمم المتحده لإغاثه وتشغیل اللاجئین الفلسطینیین (الأونروا) فی محافظه الزرقاء (الجزیره) وهکذا یصل التقریر إلى نقطه تبدو متناقضه: ینتظر الجمیع الأمین العام الجدید، لکن الأمین العام نفسه لن یستطیع إنقاذ الأمم المتحده إذا لم تتغیر البیئه التی یعمل فیها.
فالشخص الذی سیجلس فی مکتب غوتیریش لن یستطیع إنهاء الحروب أو إجبار القوى الکبرى على الاتفاق، ولن یستطیع إصلاح النظام الدولی بقرار إداری. ولذلک یقترح التقریر تصورا أکثر تواضعا لدور المنظمه: أن تکون منصه لتقلیل المخاطر، وفتح قنوات الاتصال، ومنع الاحتکاکات، واستعاده بعض قدرتها على الوساطه، وتخفیف معاناه المدنیین، ومساعده الدول الأکثر هشاشه فی مواجهه الصدمات الاقتصادیه والإنسانیه.
وهنا تکمن الرساله التی تربط صفحات التقریر کلها.
فلیس السؤال الحقیقی ما إذا کانت الأمم المتحده تستطیع العوده إلى اللحظه التی تأسست فیها بعد الحرب العالمیه الثانیه، ولا ما إذا کان الأمین العام المقبل قادرا على إعاده تشکیل النظام العالمی. السؤال أکثر واقعیه: ما الذی لا یزال فی مقدور الأمم المتحده فعله عندما تعجز عن فعل کل شیء؟
فی جنوب لبنان یمکنها المساعده فی منع الفراغ. وفی السودان یمکنها وصل مسارات الوساطه والعمل الإنسانی. وفی غزه یمکن للدول الأعضاء إعاده تحریک الجمعیه العامه. وفی هایتی تستطیع المنظمه أن تربط الأمن بالقضاء وإعاده بناء مؤسسات الدوله. وفی أفریقیا الوسطى یمکنها منع انسحاب سابق لأوانه. وفی عملیات السلام تستطیع الدفاع عن الوساطه بدلا من التحول إلى طرف فی الحروب. وفی نیویورک یستطیع الأمین العام الجدید إصلاح الآله التی تنتج القرارات والخیارات.
إنها أجنده تبدو متواضعه إذا قیست بحجم الحروب التی یشهدها العالم، لکنها تعکس التحول الذی یرید التقریر لفت الانتباه إلیه: زمن الأمم المتحده القادره على تقدیم نفسها باعتبارها مرکز إداره النظام الدولی ربما یتراجع، لکن ذلک لا یعنی أن زمن الحاجه إلیها قد انتهى.
بل ربما تکون المفارقه الأکبر أن العالم، کلما أصبح أقل استعدادا للتعاون، أصبح أکثر حاجه إلى مکان یستطیع فیه الخصوم أن یتحدثوا، وإلى مؤسسه تستطیع الدخول عندما تتوقف الحرب لحظه، أو ینفتح ممر للمساعدات، أو تظهر فرصه للوساطه.
ولهذا ینتهی تقریر مجموعه الأزمات إلى الدفاع عن دور أقل طموحا للأمم المتحده، لکنه أکثر التصاقا بما تستطیع فعله بالفعل. ففی عالم تزداد فیه المنافسه الجیوسیاسیه، قد لا تستطیع المنظمه منع القوى الکبرى من الصدام، لکنها تظل، فی عدد کبیر من الأزمات، المؤسسه متعدده الأطراف الوحیده التی تجمع التفویض والشرعیه والقدره على فتح مساحه للدبلوماسیه.
وعلى هذا الأساس، فإن عام 2027 لن یکون مجرد عام أمین عام جدید، وإنما اختبارا للسؤال الذی یطارد التقریر من بدایته إلى نهایته: هل تستطیع الأمم المتحده أن تعید تعریف دورها قبل أن یصبح العالم معتادا على غیابها؟
التقریر کاملًا (اضغط هنا)
المصدر: الجزیره