وکاله آریا للأنباء - أزمه الغذاء فی السودان تفاقمت منذ عام 2024، لتدخل البلاد إحدى أسوأ مراحل الجوع فی تاریخها الحدیث (الجزیره)
الخرطوم- بعد نحو 342 عاما على أول مجاعه موثقه فی السودان القدیم، یخشى مؤرخون وناشطون فی المجالین الاجتماعی والإنسانی تکرار مآس إنسانیه تعید إلى الأذهان سنوات کانت أشد فتکا بالمواطن نتیجه عوامل البیئه أو الحروب أو بفعل البشر کما یحدث حالیا.
ولا یحمل تاریخ السودان المدون سوى إشارات محدوده إلى المجاعات التی ضربت البلاد قبل القرن العشرین، بینما یحتفظ التراث الشعبی بروایات واسعه عن آثارها، من الموت جوعا وتفشی الأوبئه والأمراض إلى النزوح والهجرات الجماعیه والتغیرات الدیمغرافیه.
قصص مقترحه
list of 2 items list 1 of 2 تدهور الغطاء النباتی فی السودان.. أزمه بیئیه تهدد الثروه الحیوانیه والزراعه list 2 of 2 تعددت الکیانات والوجع واحد.. من غیّب صوت الصحفیین الموحد فی السودان؟ end of list ومن أبرز المجاعات خلال القرون الخمسه الماضیه مجاعه عام 1684، التی وقعت فی عهد مملکه الفونج واستمرت أربع سنوات، وشملت مناطق واسعه من وسط البلاد مع شح الحبوب وارتفاع الأسعار، مما دفع الناس إلى أکل لحوم الکلاب والنزوح بأعداد کبیره. وتزامنت معها موجه تفش للجدری، أودت بأعداد کبیره من السکان.
وفی عام 1750، ضربت مجاعه أخرى وسط السودان، ارتبطت بتفشی الجدری على نطاق واسع، مما أعاق المزارعین عن ممارسه أعمالهم.
أما مجاعه الأعوام 1835-1838، التی وقعت خلال الحکم المصری العثمانی، فتأثرت بها مناطق وسط البلاد، وکان الجفاف الحاد الناجم عن نقص الأمطار وانخفاض منسوب النیل وجفاف الودیان من أبرز أسبابها.
تغییر دیمغرافی
ومن أشهر ما تحتفظ به الذاکره الشعبیه السودانیه "مجاعه سنه سته"، التی وقعت عام 1306هـ (1888-1889م) فی عهد الخلیفه عبد الله التعایشی، وکانت أزمه مرکبه تداخلت فیها عوامل بیئیه واقتصادیه وسیاسیه واجتماعیه.
وحصدت المجاعه أرواح مئات الآلاف من السکان والماشیه، بعدما أدى شح الأمطار والحرب إلى تراجع الزراعه، وانخفاض منسوب النیل، ثم اجتاح الجراد معظم المحاصیل. وأمام الجوع الشدید، نزح کثیرون إلى مناطق أفضل حالا، وتذکر روایات شعبیه أن بعض الأسر أغلقت أبوابها وماتت جوعا تجنبا للتسول. وتقدّر دراسات تاریخیه ضحایا المجاعه والأوبئه فی تلک الفتره بأکثر من 1.5 ملیون شخص.
وتکررت المجاعات خلال عامی 1920 و1921 بسبب شح الأمطار والجفاف ونقص المیاه وتدهور الغطاء النباتی فی حزام الساحل الأفریقی، وارتبطت الذاکره الشعبیه حینئذ بصوره سلبیه عن الإداره الاستعماریه، التی استخدمت السوط (الکرباج) فی تنظیم توزیع المساعدات.
وخلال الأعوام 1940-1941 و1949-1950، ضربت مجاعتان مناطق وسط السودان وشرقه وغربه، وأودتا بحیاه أعداد کبیره من السکان والماشیه، واضطرت الحکومه الاستعماریه إلى استیراد الذره من الهند والفول من مصر لإغاثه المتضررین.

المطابخ الخیریه "التکایا" فی الخرطوم أُغلق معظمها بسبب شح التمویل وارتفاع أسعار السلع (الجزیره) موجات متتالیه
وخلال الفتره بین عامی 1970 و1974، شهدت مناطق غرب السودان وشرقه ووسطه تراجعا حادا فی الأمطار، أدى إلى انخفاض إنتاج الحبوب وارتفاع أسعارها، ودفع السکان إلى النزوح نحو المدن، فی حین تدخلت وکاله المعونه الأمریکیه لإغاثه المتضررین.
وفی عام 1984، خلال عهد الرئیس الراحل جعفر نمیری، ومع أسوأ موجه جفاف شهدتها دول شرق أفریقیا، تعرض السودان لإحدى أکبر أزماته الغذائیه، بالتزامن مع أزمه اقتصادیه وسوء إداره توزیع الغذاء.
وانخفض إنتاج الذره إلى أدنى مستویاته، وفقد الرعاه فی غرب البلاد وشرقها 86% من ثروتهم الحیوانیه، وتأثر نحو 2.8 ملیون شخص فی دارفور و1.2 ملیون فی کردفان. وأدت المجاعه إلى نزوح مئات الآلاف من غرب السودان نحو الخرطوم وولایات أخرى، وترکت آثارا عمیقه على الترکیبه السکانیه والاجتماعیه.
وفی عام 1988، خلال حکومه رئیس الوزراء الراحل الصادق المهدی ، ضربت البلاد أزمه غذائیه تزامنت مع سیول وفیضانات واسعه غمرت مساحات زراعیه کبیره، وعطلت الإنتاج فی مناطق عده.
ومع اندلاع الحرب بین الجیش و قوات الدعم السریع فی أبریل/نیسان 2023، بدأت أزمه الغذاء تتفاقم بوضوح منذ عام 2024، لتنزلق البلاد إلى إحدى أسوأ أزماتها الغذائیه الحدیثه.
وتختلف المجاعات التاریخیه فی السودان عن المجاعه الحالیه الناتجه عن حرب 2023 فی طبیعه المحرک الأساسی، والنطاق الجغرافی والسکانی، إضافه إلى طبیعه استجابه المجتمع الدولی ، حسب المرصد الإنسانی فی الخرطوم.
صنع البشر
یقول المؤرخ الاجتماعی والناشط فی العمل الإنسانی عبد الله التجانی للجزیره نت إن معظم المجاعات السابقه ارتبطت بعوامل مناخیه وبیئیه، تفاقمت أحیانا بسبب سوء الإداره والنزاعات، بینما تقف عوامل بشریه بصوره أکبر وراء الأزمه الحالیه، أبرزها:
المجاعات السابقه کانت محصوره غالبا فی أقالیم بعینها کما حدث فی عام 1984، أو مناطق فی جنوب السودان قبل انفصاله فی التسعینیات، بینما ظلت العاصمه والمدن الرئیسیه تملک مقومات العیش والخدمات. أزمه غذاء شامله ضربت قلب التجمعات الحضریه والزراعیه الرئیسیه فی ولایات الخرطوم والجزیره وسنار ودارفور وکردفان، وتسببت فی نزوح ملایین المواطنین داخل البلاد وخارجها. التدمیر الممنهج للبنیه التحتیه، وتعطیل المشروعات الزراعیه الکبیره، واستهداف الأسواق والمخابز والمحاصیل، إلى جانب تعطیل النظام المصرفی وشبکات التواصل مما عزل مناطق بأکملها. عرقله الممرات الإنسانیه، وتصاریح المرور لعمال الإغاثه، مع استخدام سلاح "الغذاء" والتحکم فی الإمدادات من قِبل أطراف النزاع، فضلا عن نقص التمویل الدولی مقارنه بحجم الأزمه.
ویرى الباحث الاقتصادی محمد عبد الرحمن أن أزمه الأمن الغذائی فی السودان تعکس فجوه تنمویه واضحه، رغم امتلاک البلاد مقومات تؤهلها لتکون "سله غذاء عالمیه"، من نحو 200 ملیون فدان من الأراضی الصالحه للزراعه، وموارد مائیه من النیل والأمطار، وثروه حیوانیه کبیره، لکن عوامل متداخله تعوق استغلال هذه الإمکانات.
ویقول عبد الرحمن للجزیره نت إن الحروب والنزاعات المسلحه من أکثر العوامل تأثیرا فی الإنتاج الغذائی، إلى جانب نزوح المزارعین من أراضیهم، وغیاب الاستقرار السیاسی والسیاسات الزراعیه، وضعف التمویل والضمانات الحکومیه، والاعتماد على أسالیب الزراعه التقلیدیه.
أزمه الغذاء فی السودان تفاقمت منذ عام 2024، لتدخل البلاد إحدى أسوأ مراحل الجوع فی تاریخها الحدیث (الجزیره)
المصدر: الجزیره