وکاله آریا للأنباء - یعبرون إلى وسط مدینه تعز من مناطق سیطره الحوثیین عبر المعبر الإنسانی الشرقی (أسوشیتد برس)
لا تبدو المعارک الدائره فی غرب وجنوب غرب تعز، کما یقدمها تقدیر موقف صادر عن مرکز المخا للدراسات الاستراتیجیه ، مجرد جوله جدیده فی حرب یمنیه ممتده منذ سنوات. فخلف أسماء المرتفعات والممرات الجبلیه التی تتکرر فی الأخبار ـ الکدحه وراسن وجرداد وجبل نعمان وبنی بکاری ـ تدور معرکه أکبر تتصل بمصیر تعز نفسها، وبخطوط الإمداد القادمه إلیها من الجنوب، وتمتد نتائجها إلى الساحل الغربی والبحر الأحمر وباب المندب.
وینطلق تقدیر الموقف، المعنون "معرکه الممرات والمرتفعات فی تعز: ما الذی یریده الحوثیون؟"، من التحول المیدانی الذی شهده سبتمبر/أیلول الجاری، بعد التراجع العسکری فی المخا وأجزاء من الشریط الساحلی وتثبیت الحوثیین تموضعهم هناک، لینتقل ثقل عملیاتهم إلى الجبهه الغربیه لتعز. ویرى أن الهدف یتجاوز الاستیلاء على مواقع جدیده إلى محاوله إکمال ما یسمیه "قوس التطویق" حول المحافظه، والضغط على الممرات التی تصل تعز بشریان إمدادها الرئیسی عبر خط لحج ـ طور الباحه ـ التربه، بما قد یتیح إعاده فرض حصار کامل على المدینه.
قصص مقترحه
list of 2 items list 1 of 2 لیس بالدین وحده.. لماذا ینضم الأفارقه إلى الجماعات المسلحه؟ list 2 of 2 الرئیس الصینی فی واشنطن.. شراکه مستحیله وانفصال مکلف end of list ومن هنا یصبح مفتاح فهم المعرکه فی الجغرافیا: من یسیطر على المرتفع لا یکسب الجبل وحده، وإنما یستطیع التحکم فی الطریق الذی یمر أسفله.
تعز.. المعرکه على الطریق لا على مساحه الأرض
یفرد تقدیر الموقف أهمیه خاصه لتعز بسبب موقعها وثقلها السکانی والسیاسی والثقافی، فضلا عن کونها محافظه بقیت خارج السیطره الحوثیه الکامله رغم القتال الممتد منذ عام 2015.
ویقدم المرکز بعدا سیاسیا لهذا الاهتمام، إذ یرى أن لتعز حضورا جمهوریا مناهضا للمشروع السیاسی للحوثیین، ولذلک فإن إخضاعها یحمل، من وجهه نظر التقدیر، قیمه تتجاوز المکاسب العسکریه المباشره.
لکن للجغرافیا القول الفصل فی المعرکه الحالیه.
فتعز محاطه بتضاریس جبلیه تجعل السیطره على المرتفعات الغربیه والجنوبیه الغربیه وسیله للتحکم فی حرکه القوات والإمدادات بین المحافظه ولحج والساحل. ولهذا تتکرر فی التقدیر أسماء الکدحه وجبل نعمان وبنی بکاری والشراجه وراسن والعلقمه وجرداد.
ولیست جمیعها نقاطا متساویه الأهمیه. فالکدحه تمثل البوابه الرئیسیه للمحور الغربی والاتصال بالساحل، بینما تمنح مرتفعات نعمان وبنی بکاری والشراجه قدره على الإشراف على محیط جبل حبشی ومنافذه الداخلیه. أما راسن والعلقمه وجرداد فتشکل سلسله جبلیه تطل على خط التربه ـ طور الباحه الذی یربط تعز بلحج.
ولهذا یقدم تقدیر الموقف معیارا مختلفا لقیاس النجاح فی هذه المعرکه: لیس السؤال کم کیلومترا استولى علیها هذا الطرف أو ذاک، وإنما من یستطیع التأثیر فی خط الإمداد، ومن یستطیع إبقاء الاتصال مفتوحا بین تعز والجنوب.
وبحسب هذا التصور، یحاول الحوثیون ربط المرتفعات التی یتقدمون نحوها بعضها ببعض، وتحصینها، حتى یصبح بمقدورهم تطویق شریان الإمداد. وفی المقابل، تترکز مهمه القوات الحکومیه والمقاومه الشعبیه على منع اکتمال هذا الترابط الجغرافی والحفاظ على نقاط الارتکاز التی تؤمن الطریق.

یمنیون یحتفلون فی تعز بالذکرى الـ64 لثوره 26 سبتمبر، رافعین العلم الوطنی، فی مدینه یصفها تقدیر الموقف بأنها ذات حضور بارز فی قلب الصراع الراهن (أسوشیتد برس) ماذا یرید الحوثیون من تعز؟
یضع تقدیر الموقف عده أهداف داخل تحرک واحد.
الأول هو عزل تعز أو الاقتراب من ذلک عبر الضغط على طریق إمدادها الحیوی، بما یعید المدینه إلى حاله حصار أکثر شده.
والثانی هو إضعاف قدره القوات الحکومیه على التحرک والتنسیق بین جبهات تعز والساحل ولحج، بحیث تتحول الجغرافیا التی تربط هذه الجبهات إلى نقاط فصل بینها.
لکن الهدف الثالث هو الذی ینقل المسأله من معرکه یمنیه داخلیه إلى مستوى أکثر اتساعا: البحر الأحمر وباب المندب.
فتقدیر الموقف یرى أن أهمیه مرتفعات غرب وجنوب غرب تعز لا تنتهی عند قدرتها على التحکم فی الطرق البریه، وإنما تمتد إلى المجال الساحلی. والسیطره على مواقع جبلیه حصینه وممرات اتصال مناسبه تمنح الحوثیین قدره أکبر على المراقبه والاستطلاع والضغط على خطوط الحرکه المؤدیه إلى الساحل الیمنی والبحر الأحمر ومضیق باب المندب وأجزاء من خلیج عدن.
وهکذا تصبح المفارقه واضحه: القتال یجری فوق الجبال، لکن أحد أهدافه یوجد فی البحر.
لماذا یحتاج الحوثیون إلى الجبل بعد الساحل؟
یذهب التقدیر إلى أبعد من مجرد الربط الجغرافی بین تعز وباب المندب، فیطرح تصورا للطریقه التی یمکن أن یستخدم بها الحوثیون المرتفعات.
فالمواقع العسکریه الثابته على الساحل أکثر عرضه للرصد والاستهداف. أما التضاریس الجبلیه المعقده فی غرب وجنوب غرب تعز فتمنح القوات المنتشره فیها فرصا أکبر للحرکه والتخفی وتوزیع القدرات العسکریه.
ویرى التقدیر أن الحوثیین یسعون إلى تطویر قدرات قتالیه موزعه ومتحرکه داخل هذه التضاریس، بما یقلل اعتمادهم على المواقع الساحلیه الثابته، خصوصا فی ظل تعرض مواقع فی المخا وذوباب للاستهداف.
ویمکن لهذا النمط، بحسب تقدیر المرکز، أن یوفر بنیه جغرافیه تسمح بتعدد مواقع إطلاق الصواریخ البحریه والطائرات المسیره ونشر الرادارات، وتزید فی الوقت نفسه کلفه استهدافها.
وبهذا المعنى، لا تکون مرتفعات تعز مجرد ظهیر یحمی المکاسب الحوثیه على الساحل، وإنما قد تصبح امتدادا بریا للقوه المستخدمه فی التأثیر على المجال البحری.
وهنا تحدیدا تتصل معرکه تعز بمعرکه البحر الأحمر.
لماذا لم تسقط تعز طوال هذه السنوات؟
إذا کانت المحافظه بهذه الأهمیه، فلماذا لم یتمکن الحوثیون من حسمها رغم سنوات الحرب؟
یحدد تقدیر الموقف عده أسباب، تبدأ بالتضاریس نفسها التی تمنح المهاجم والمُدافع میزات مختلفه. فالسیطره على منطقه قد تستلزم أولا السیطره على المرتفعات المحیطه بها، وهو ما یجعل التقدم بطیئا ومکلفا ویمنح القوات المدافعه قدره أکبر على رصد الحرکه.
کما أن القتال داخل مدینه تعز وأحیائها یحد من بعض مزایا الأسلحه الثقیله، ویحول التقدم إلى سلسله من المعارک على مناطق متقاربه تتطلب معرفه دقیقه بالأرض.
ویضیف التقدیر عاملا آخر یراه شدید الأهمیه: البیئه الاجتماعیه فی تعز.
فهو یرى أن الحوثیین لا یتمتعون فیها بحاضنه اجتماعیه واسعه، وأن الترکیبه المدنیه للمحافظه وذاکرتها الجمهوریه تعقدان قدرتهم على تحویل السیطره العسکریه إلى سیطره مستقره على السکان.
ومن ثم یمیز التقدیر بین أمرین: الوصول إلى الأرض والبقاء فیها.
فقد تستطیع قوه مهاجمه الاستیلاء على موقع، لکن الاحتفاظ به وإدارته وتأمینه وسط مجتمع رافض یفرض کلفه أخرى. ولهذا یخلص إلى أن "کلفه البقاء فی تعز أعلى من کلفه الوصول إلیها".
وتضاف إلى ذلک خبره القوات المحلیه بالأرض، وتعدد القوات والتشکیلات المدافعه عن الجبهات، بحیث لا یعنی سقوط موقع واحد بالضروره انهیار بقیه الجبهه، فضلا عن استمرار اتصال تعز بمناطق الجنوب التی توفر طرقا للحرکه والإمداد.
والنتیجه أن الحوثیین قد یحققون تقدما موضعیا، لکن تحویله إلى حسم کامل لتعز یظل، وفق تقدیر الموقف، عملیه طویله ومکلفه.

صوره لعبد الملک الحوثی على لوحه رقمیه فی صنعاء، بالتزامن مع تصاعد المعارک بین الحوثیین والقوات الحکومیه فی تعز (أسوشیتد برس) ثلاثه طرق یمکن أن تسلکها المعرکه
یرسم تقدیر الموقف ثلاثه سیناریوهات لما یمکن أن یحدث بعد التصعید الحالی، ویضع فی مقدمتها سیناریو لا یحمل انتصارا سریعا لأی من الطرفین.
الأول، وهو الذی یرجحه التقدیر، استمرار الاستنزاف وتثبیت خطوط التماس.
وفیه تبقى المواجهات مرکزه فی المحاور الغربیه، مع انتقال بعض المرتفعات بین الطرفین، لکن من دون اختراق قادر على تغییر الخریطه العسکریه بصوره حاسمه.
ویستند ذلک إلى صعوبه التضاریس واستمرار التعزیزات فی الکدحه ونعمان وراسن وجرداد. وعندئذ تتحول المعرکه إلى حرب طویله للسیطره الناریه على الممرات وإنهاک الخصم، بدلا من السیطره الواسعه على الأرض.
أما السیناریو الثانی، الذی یصفه التقدیر بأنه الأخطر، فهو نجاح الحوثیین فی توسیع الهجوم وإعاده فرض الحصار الشامل على تعز.
ویبدأ هذا السیناریو باختراق فی الجبهه الغربیه وتثبیت المواقع الجدیده، ثم توسیع الضغط باتجاه المحاور المتصله بالحوبان ومداخل المدینه، مع استهداف طرق الإمداد والتعزیزات.
وعندئذ تتغیر طبیعه المعرکه: فلا تبقى مواجهات على أطراف المحافظه، وإنما تتحول إلى تهدید مباشر للمدینه وسکانها.
ویبقى السیناریو الثالث: نجاح هجوم عکسی للقوات الحکومیه والمقاومه واستعاده خطوط التوازن الجغرافی.
ویفترض هذا المسار امتصاص أثر المکاسب الحوثیه فی المخا وذوباب والساحل وصولا إلى باب المندب، ثم تنفیذ عملیات مضاده بالتنسیق بین جبهات تعز ولحج والساحل، مع استعاده النقاط الحاکمه فی الکدحه وراسن وتأمین طریق الإمداد عبر طور الباحه.
ویجعل التقدیر نجاح هذا السیناریو مرتبطا، من بین عوامل أخرى، بإنشاء غرفه عملیات مشترکه بین المحاور الثلاثه واستثمار صعوبه التضاریس فی استنزاف القوات المهاجمه.
من تعز إلى البحر الأحمر
لا ینتهی تقدیر الموقف عند السؤال عمن یسیطر على جبل أو طریق، وإنما یعید جمع أجزاء الصوره فی معادله واحده: تعز ـ لحج ـ الساحل ـ باب المندب.
ویرى أن معرکه الجبهه الغربیه مرشحه لأن تظل حرب استنزاف مرتفعه الکلفه، بینما یحاول الحوثیون تحویل مکاسبهم فی الساحل الغربی إلى وضع یسمح بالضغط الدائم على تعز، واستخدام المرتفعات الغربیه والجنوبیه الغربیه بوصفها منصات نفوذ تمتد آثارها نحو البحر الأحمر وباب المندب.
ومن هنا تأتی توصیات المرکز بتنسیق العملیات بین تعز ولحج والقوات الموجوده فی محیط الساحل، وتأمین مثلث راسن ـ جرداد ـ طور الباحه، وتحصین المرتفعات المطله على طریق الإمداد، مع الاعتماد على البیئه المحلیه والتضاریس فی إعاقه التقدم الحوثی. وهذه توصیات تقدیر الموقف نفسه ولیست توصیات مستقله فی هذا العرض.
وبذلک یقدم التقدیر معرکه تعز باعتبارها أکبر من مجموع الاشتباکات التی تدور على جبالها. فالسیطره على المرتفع تعنی السیطره على الطریق، والسیطره على الطریق قد تعنی خنق المدینه، والسیطره على شبکه المرتفعات والممرات المتصله بالساحل تمنح المعرکه بعدا یصل إلى البحر الأحمر.
ولهذا، فإن السؤال فی تعز لیس فقط: من یسیطر على الجبل؟ بل: إلى أین یقود الطریق الذی یسیطر علیه؟
المصدر: الجزیره