
وکاله آریا للأنباء - الصراع على الفضاء لم یعد یقتصر على الأقمار الصناعیه (الجزیره)
لم یعد الفضاء مجرد مجال بعید عن صراعات الأرض، بل تحول تدریجیا إلى ساحه جدیده للتنافس العسکری بین القوى الکبرى، بعدما کشفت الولایات المتحده للمره الأولى عن امتلاکها أسلحه منتشره فی الفضاء، فی اعتراف یفتح الباب أمام مرحله أکثر خطوره من سباق التسلح خارج الغلاف الجوی.
وجاء الإعلان الأمریکی فی توقیت لافت، بالتزامن مع المواجهه العسکریه التی تخوضها واشنطن مع إیران، إذ کشف وزیر القوات الجویه الأمریکی تروی مینک أن الولایات المتحده تمتلک أسلحه منتشره فی الفضاء.
قصص مقترحه
list of 2 items list 1 of 2 ارتدت الکوفیه.. أمریکیه تتهم ملیاردیرا مؤیدا لإسرائیل بالتسبب فی فصلها من العمل list 2 of 2 "التجدید النصفی".. خطه ترمب للحشد الانتخابی تصطدم بتراجع الشعبیه وانقسام الجمهوریین end of list ولم یتوقف الأمر عند الإعلان، إذ قالت "قوه الفضاء " الأمریکیه إن هذه الأسلحه ضروریه لحمایه القوات الأمریکیه من أی عمل عدوانی، لکنها أقرت فی الوقت نفسه بإمکانیه استخدامها بصوره هجومیه.. ولا یعنی استهداف الأقمار الصناعیه بالضروره تعطیل قدرات عسکریه فقط، وإنما قد یطال أنظمه مدنیه یعتمد علیها العالم فی الاتصالات والملاحه والتنبؤ بالطقس والاستجابه للکوارث، بل وحتى خدمات الطوارئ.
الصین: أوقفوا توسیع الاستعدادات العسکریه
لم یتأخر الرد الصینی على الإعلان الأمریکی، إذ دعت بکین واشنطن إلى وقف ما وصفته بتوسیع استعداداتها العسکریه فی الفضاء. وقال المتحدث باسم وزاره الخارجیه الصینیه غوو جیاکون "نحث الجانب الأمریکی على وقف توسیع استعداداته، واتخاذ خطوات فعلیه لحمایه الاستقرار الإستراتیجی العالمی ".
ویأتی الموقف الصینی فی ظل اتهامات متبادله بین بکین وواشنطن بشأن عسکره الفضاء. فمنذ عام 2024، تتهم الصین الولایات المتحده بتحویل الفضاء إلى ساحه معرکه، وتصف الجیش الأمریکی بأنه أکبر مصدر تهدید لأمن الفضاء العالمی. کما سبق لبکین أن تقدمت بشکوى إلى الأمم المتحده بعد اقتراب أقمار صناعیه تابعه لشرکه " سبیس إکس " من محطتها الفضائیه "تیانغونغ " مرتین خلال عام واحد.
فی المقابل، تصنف واشنطن الصین باعتبارها أکبر تهدید محتمل فی الفضاء، بینما تؤکد بکین التزامها بالاستخدام السلمی للفضاء وتنفی سعیها إلى خوض سباق تسلح.
سباق الأقمار الصناعیه
وتکشف أعداد الأقمار الصناعیه عن حجم التنافس المتسارع بین القوتین. فحتى مایو/أیار 2025، تجاوز عدد الأقمار الصناعیه الصینیه 1007 أقمار، بزیاده بلغت 520% خلال عشر سنوات. أما الولایات المتحده فتملک أکثر من 12 ألف قمر، معظمها تابع لشرکه "ستارلینک " المملوکه لإیلون ماسک .
لکن الفصل بین الاستخدام المدنی والعسکری لهذه الأقمار بات أکثر صعوبه، فالتکنولوجیا نفسها یمکن أن تخدم الاتصالات والملاحه والخدمات المدنیه، وفی الوقت نفسه توفر إمکانات عسکریه تشمل المراقبه والاستطلاع وتحدید المواقع والاتصالات العسکریه. وهذا التداخل یجعل أی توسع فی القدرات الفضائیه موضع شک وقلق لدى المنافسین، حتى عندما تعلن الدول أن أهدافها سلمیه.
ومن بین الأمثله التی أثارت مخاوف أمریکیه، القمر الصینی "شیجیان-17 " الذی أطلق عام 2016 وحمل ذراعا روبوتیه متقدمه. وفی عام 2021 أطلقت الصین القمر "شیجیان-21 "، وقالت إنه مخصص لاختبار تقنیات تخفیف الحطام الفضائی.
لکن القمر أظهر لاحقا قدره على الاقتراب من قمر ملاحه صینی معطل وسحبه إلى مدار بعید، وهو ما أثار فی واشنطن مخاوف من إمکانیه استخدام التکنولوجیا نفسها للاقتراب من الأقمار الأمریکیه أو التقاطها أو تعطیلها. وبذلک أصبح ما تقدمه دوله على أنه وسیله لمعالجه الحطام الفضائی قابلا للتفسیر من جانب منافسیها باعتباره قدره عسکریه محتمله.
روسیا.. السلاح المضاد للأقمار
ولا تقتصر المنافسه على الولایات المتحده والصین، إذ تحتل روسیا موقعا رئیسیا فی سباق عسکره الفضاء. فموسکو ، التی دخلت تاریخ الفضاء بإطلاق أول قمر صناعی بشری "سبوتنیک " عام 1957، تواجه اتهامات أمریکیه بتطویر قدرات هجومیه یمکن استخدامها ضد الأقمار الصناعیه.
وفی مایو/أیار 2024، أطلقت روسیا القمر "کوزموس 2576 "، الذی اتخذ، وفقا لمحللین فضائیین، مسارا باتجاه قمر تجسس أمریکی یحمل اسم "USA-314 ". وأثار اقترابه من القمر الأمریکی مخاوف فی واشنطن، ووصف البنتـاغون القمر الروسی بأنه سلاح مضاد للأقمار قادر على مهاجمه أقمار أخرى.
وقال مسؤولون أمریکیون إن هذه لیست المره الأولى التی تظهر فیها أقمار روسیه سلوکا مشابها، مشیرین إلى قمرین أطلقتهما موسکو عامی 2019 و2022. لکن روسیا نفت الاتهامات الأمریکیه، ووصفتها بأنها "أخبار زائفه ".
وبالتوازی مع الجدل حول القدرات الهجومیه، تواصل روسیا زیاده عدد أقمارها الصناعیه. وأطلقت موسکو حتى مارس/آذار 2026 نحو 134 قمرا خلال ثلاثه أشهر فقط، وهو عدد یتجاوز ما أطلقته خلال العام السابق بأکمله. وبلغ مجموع الأقمار الروسیه 364 قمرا، وهو رقم أقل کثیرا من العدد الأمریکی والصینی، لکنه یعکس تسارعا کبیرا فی وتیره الإطلاق.
فضاء بلا قواعد کافیه
ویعود أصل القلق الدولی من عسکره الفضاء إلى بدایات عصر الفضاء نفسه، ففی عام 1967، وقعت الدول الکبرى "معاهده الفضاء الخارجی "، التی حظرت نشر أسلحه الدمار الشامل فی الفضاء. لکن المعاهده ترکت ثغرات مهمه، إذ لم تحظر الأسلحه التقلیدیه، کما لم تمنع تطویر أو استخدام الأسلحه المضاده للأقمار التی تطلق من الأرض. ومنذ ذلک الوقت، استمرت محاولات وضع قواعد أکثر صرامه.
وفی عامی 2008 و2014، طرحت روسیا والصین مشروع معاهده لمنع وضع الأسلحه فی الفضاء، لکن الولایات المتحده رفضتها، معتبره أن المشروع یفتقر إلى آلیات تحقق کافیه ولا یعالج الصواریخ التی تطلق من الأرض.
کما استمر الخلاف داخل الأمم المتحده. ففی أبریل/نیسان 2024، طرح قرار فی مجلس الأمن یدعو إلى حظر أسلحه الدمار الشامل فی الفضاء، وصوتت 13 دوله لصالحه، لکن روسیا استخدمت حق النقض وأسقطت القرار.
سباق بلا خط نهایه
وبینما تتبادل الولایات المتحده والصین وروسیا الاتهامات بشأن عسکره الفضاء، یتسع الاعتماد العالمی على الأقمار الصناعیه فی کل شیء تقریبا، من الاتصالات والملاحه إلى الطقس والنقل والخدمات المالیه والطوارئ. وهنا تکمن المفارقه: کلما توسعت القدرات العسکریه فی الفضاء، أصبح استهداف الأقمار الصناعیه قادرا على إحداث تأثیر یتجاوز ساحه المعرکه لیطال الحیاه الیومیه لملیارات البشر.
فالولایات المتحده تقول إن أسلحتها الفضائیه تهدف إلى حمایه قواتها، والصین تؤکد التزامها بالاستخدام السلمی، وروسیا تنفی الاتهامات الموجهه إلیها، لکن التطورات التقنیه وعدد الأقمار وسلوک بعضها فی المدار تکشف عن سباق یتسارع على نحو یصعب معه الفصل بین الاستخدام المدنی والعسکری.
وفی غیاب قواعد دولیه واضحه وشامله تحظر الأسلحه الفضائیه التقلیدیه وتضع آلیات للتحقق والردع، یبقى الفضاء ساحه مفتوحه لمنافسه القوى الکبرى، حیث قد یکون الصراع القادم غیر مرئی من الأرض، لکن آثاره یمکن أن تصل إلى کل تفاصیل الحیاه علیها.
المصدر: الجزیره