وکاله آریا للأنباء - رئیس وزراء العراق علی الزیدی (غیتی)
لم یعد الجدل فی العراق حول سلاح الفصائل مجرد خلاف بشأن أسلحه غیر مرخصه أو جماعات تعمل خارج المؤسسه العسکریه الرسمیه، بل تحول، وفق ورقه "العراق ومعضله سلاح الفصائل تحت ضغط الحرب الأمریکیه–الإیرانیه"، للباحث د. لقاء مکی الصادره عن مرکز الجزیره للدراسات، إلى سؤال یتصل بتعریف الدوله العراقیه ذاتها: من یمتلک القوه؟ ومن یملک قرار استخدامها؟ ومن یقرر الحرب والسلم؟
وکان یفترض أن یقدم یوم 30 سبتمبر/أیلول 2026 إجابه واضحه عن هذا السؤال. ففی هذا الیوم انتهى وجود قوات التحالف بقیاده الولایات المتحده فی العراق، وکان من المفترض، وفقا للالتزام الذی أعلنته الحکومه العراقیه فی یولیو/تموز، أن یکتمل فی الموعد نفسه نزع سلاح الفصائل، بحیث یدخل العراق الأول من أکتوبر/تشرین الأول خالیا من القوات الأجنبیه ومن الجماعات المسلحه الموجوده خارج إطار الدوله.
قصص مقترحه
list of 2 items list 1 of 2 انتخابات البوسنه.. هل یستطیع من أنهى الحرب أن یصنع دوله قادره على الحکم؟ list 2 of 2 معرکه الممرات والمرتفعات فی تعز:..ما الذی یریده الحوثیون؟ end of list لکن الموعدین لم یتطابقا فی النهایه. انتهت مهمه التحالف، بینما تراجعت الحکومه عن اعتبار 30 سبتمبر/أیلول موعدا نهائیا لإنهاء ملف سلاح الفصائل، وانتقل الموعد إلى منتصف عام 2027، مع إعاده صیاغه الهدف نفسه تحت عنوان "حصر السلاح بید الدوله".
وترى الورقه أن وراء هذا التحول أزمه أکثر تعقیدا من القدره الفنیه على جمع السلاح؛ فالتنظیمات المعنیه لا تمتلک قوه عسکریه فقط، وإنما تجمع بین السلاح والنفوذ السیاسی والموارد الاقتصادیه والامتدادات الإقلیمیه، فضلا عن امتلاکها القدره على رفض قرارات الحکومه ومواجهتها إذا اقتضى الأمر. ولهذا یصبح "حصر السلاح بید الدوله" أوسع سیاسیا من العملیه التقلیدیه لنزع السلاح والتسریح وإعاده الإدماج.
من الموعد النهائی إلى التسویه المرحلیه
تشیر الورقه التحلیلیه للباحث أول بمرکز الجزیره للدراسات وأستاذ الإعلام د. لقاء مکی إلى أن رئیس الوزراء العراقی، علی الزیدی، بدا خلال الصیف حاسما بعد لقائه الرئیس الأمریکی دونالد ترمب فی یولیو/تموز، وتعهد بإنهاء وجود السلاح خارج الدوله بحلول 30 سبتمبر/أیلول، بالتزامن مع انتهاء مهمه التحالف الدولی.
لکن الخطه اصطدمت بثلاث عقبات: رفض ثلاث جماعات مرتبطه بإیران على الأقل، ومعارضه إیرانیه لنزع السلاح فی ظروف الحرب، والخشیه داخل القوى الشیعیه من أن یؤدی فرض القرار بالقوه إلى اقتتال داخلی. وهکذا انتقلت بغداد من منطق الإنذار النهائی إلى منطق التسویه المرحلیه.
وتبلورت الصیغه الجدیده خلال 21 و22 سبتمبر/أیلول، عندما أعلن الزیدی فی نیویورک تصورا یبدأ بهدنه مدتها 90 یوما، تتوقف خلالها هجمات الفصائل مقابل عدم تعرضها لهجمات أمریکیه، ثم تبدأ عملیه تدریجیه لتسلیم السلاح وحصره، على أن تنتهی فی 30 یونیو/حزیران 2027.
وبعد لقاء الزیدی وزیر الخارجیه الأمریکی مارکو روبیو، أعلن المبعوث الأمریکی توم باراک اتفاق واشنطن وبغداد على أن تصبح "الدوله وحدها"، بحلول نهایه یونیو/حزیران 2027، صاحبه القوه العسکریه. وتقرأ الورقه ذلک باعتباره مؤشرا إلى استعداد واشنطن لقبول تغییر الموعد، ولکن لیس تغییر الهدف النهائی.

الرئیس الأمریکی دونالد ترمب (یمین) یستقبل رئیس وزراء العراق فی البیت الأبیض (رأرشیفیه-ویترز) خروج القوات الأمریکیه یسقط حجه "المقاومه"
ترصد الورقه ثلاثه متغیرات دفعت قضیه السلاح إلى الواجهه بهذه القوه.
أولها انتهاء مهمه التحالف الدولی. فقد استخدمت الفصائل الوجود الأمریکی طویلا لتبریر احتفاظها بما تسمیه "سلاح المقاومه"، لکن الحکومه قلبت هذه الحجه علیها: إذا غادرت القوات الأجنبیه، یصبح المبرر السیاسی والقانونی لوجود قوه مسلحه مستقله عن الدوله أضعف.
وقال الزیدی صراحه إن خروج القوات الأمریکیه یعنی أنه لن تبقى "حاجه أو مبرر لأی مقاومه" داخل العراق. وفی السیاق نفسه، قررت الحکومه تسمیه 30 سبتمبر/أیلول "یوم السیاده" وجعلته عطله رسمیه، فی محاوله، بحسب الورقه، لتقدیم خروج القوات باعتباره منجزا وطنیا یدعم حجه حصر السلاح وإنهاء وجود الجماعات خارج الدوله.
لکن المتغیر الثانی یعقد هذه المعادله، وهو الحرب الأمریکیه–الإیرانیه. فالفصائل لم تعد قضیه عراقیه داخلیه فحسب، لأن بعضها شارک فعلیا فی المواجهه الإقلیمیه.
وتنقل الورقه عن وکاله رویترز تقدیرها أن مظله "المقاومه الإسلامیه فی العراق" تضم نحو عشر فصائل متشدده، یبلغ إجمالی مقاتلیها قرابه 50 ألفا، وتملک صواریخ بعیده المدى وقدرات مضاده للطائرات ومسیّرات متطوره، إلى جانب مصالح اقتصادیه فی البناء والعقارات والصیرفه. لکنها تنبه إلى أن العدد الدقیق للفصائل موضع جدل، لأن بعض الأسماء قد تکون مجرد واجهات إعلامیه تستخدم لتبنی الهجمات وإبعاد المسؤولیه عن التنظیمات الفعلیه ذات الحضور العسکری والسیاسی المعلن.
والمشکله التی تترتب على ذلک أن هذه القدرات یمکن استخدامها ضد أهداف أمریکیه أو خلیجیه انطلاقا من الأراضی العراقیه، ومن دون قرار الحکومه، بما یسمح للفصائل بإدخال العراق کله فی حرب تحاول حکومته النأی بالبلاد عنها.
أما المتغیر الثالث فهو تغیر طبیعه الضغط الأمریکی. فالورقه ترى أن إداره ترمب لم تعد تتعامل مع الملف بوصفه إصلاحا عراقیا داخلیا مرغوبا فیه، وإنما بوصفه اختبارا لسیاده العراق وعلاقته الاستراتیجیه بواشنطن.
وتحدد الورقه ثلاثه مطالب فی الخطاب الأمریکی: تفکیک البنیه العسکریه المستقله للفصائل، ومنع استخدام الأراضی العراقیه لشن هجمات خارجیه، وحصر قرار استخدام القوه بالدوله. وفی لقاء روبیو والزیدی، قالت الخارجیه الأمریکیه إن الطرفین اتفقا على أهمیه "تفکیک المیلیشیات الإرهابیه" ومنع الهجمات المنطلقه من العراق وممارسه الدوله سیادتها کامله.
الفصائل لیست جبهه واحده
لا تتعامل الورقه مع الفصائل باعتبارها کتله متجانسه. فمنذ طرح مشروع نزع السلاح، أبدت بعض الفصائل درجات مختلفه من الاستعداد للامتثال أو إعاده تنظیم أوضاعها، ومن أبرزها عصائب أهل الحق، وکتائب الإمام علی، وسرایا السلام، مع اختلاف طبیعه علاقه کل منها بالدوله.
وفی المقابل، ظهر معسکر أکثر تشددا یرفض أصل فکره نزع السلاح، ویطرح شروطا بعضها طویل المدى وبعضها، بحسب الورقه، غیر ممکن قانونیا أو فنیا. وتشمل هذه الشروط ضمان عدم عوده القوات الأمریکیه، وإنهاء ما تعتبره الفصائل نفوذا أمریکیا فی القرار العراقی السیاسی والاقتصادی، وخروج القوات الترکیه، وإزاله الأخطار الاستراتیجیه التی تواجه العراق، وتطویر قدرات القوات المسلحه ولاسیما الدفاع الجوی، وحل قوات البیشمرکه التابعه لحکومه إقلیم کردستان.
ویضم هذا المعسکر کتائب حزب الله وحرکه النجباء وکتائب سید الشهداء، إلى جانب جماعات أخرى تقدم نفسها ضمن "المقاومه الإسلامیه فی العراق". وتقول الورقه إن بعضها قد یکون واجهات إعلامیه للفصائل الثلاث، بینما تؤکد هذه الفصائل ارتباطها بإیران ضمن "محور المقاومه" وولاءها للمرشد الإیرانی الأعلى بصفته الولی الفقیه.
ولا تقوم حجه الفصائل، کما تعرضها الورقه، على مجرد رفض تسلیم السلاح؛ بل على القول إن الدوله العراقیه لا تمتلک القدره الکافیه للدفاع عن نفسها أمام الولایات المتحده أو إسرائیل أو الأخطار الخارجیه، ومن ثم ینبغی بقاء "المقاومه" باعتبارها قوه ردع موازیه.
لکن قبول هذه الحجه یضع العراق، وفق الورقه، أمام المشکله الدستوریه والسیادیه الأساسیه: وجود مرکزین لاتخاذ قرار الحرب والسلم.

رئیس الوزراء العراقی علی الزیدی یلتقی الرئیس الإیرانی مسعود بزشکیان فی نیویورک (رویترز) إیران.. الحفاظ على وظیفه السلاح
فی مقابل الضغط الأمریکی، لا تشیر الورقه إلى وجود موقف إیرانی رسمی معلن یقول صراحه: "نرفض نزع سلاح الفصائل العراقیه". لکنها تنقل عن تقاریر إعلامیه عراقیه أن قائد فیلق القدس، إسماعیل قاآنی، أوصى الفصائل خلال زیاره غیر معلنه لبغداد فی أغسطس/آب باتباع مسار مزدوج: عدم تسلیم السلاح فی الوقت الراهن، وعدم الدخول فی مواجهه عسکریه مع حکومه الزیدی، مع البحث عن تسویه سیاسیه تحقق الهدفین.
وتفسر الورقه هذا الموقف من زاویه المصالح الاستراتیجیه الإیرانیه. ففی ظل الحرب مع الولایات المتحده وإسرائیل، یعنی فقدان قدرات الفصائل العراقیه خساره جزء من منظومه الدفاع المتقدم والردع الإیرانی غیر المباشر.
ومن ثم قد تستطیع طهران القبول بـ"تنظیم" سلاح الفصائل أو دمجها قانونیا وإداریا فی المنظومه الأمنیه العراقیه، لکنها تنظر إلى إزاله قدرتها العملیاتیه المستقله باعتبارها خساره استراتیجیه کبیره فی المرحله الحالیه.
وتختصر الورقه الفارق بدقه: یمکن لإیران التعایش مع تغییر الشکل القانونی للسلاح، لکن المشکله بالنسبه إلیها هی فقدان وظیفته الاستراتیجیه.
من هنا یظهر أحد أهم محاور الورقه: الصراع حول المصطلح نفسه.
فالتفاوض بین المطالب الأمریکیه والاحتیاجات الإیرانیه أفرز ثلاثه تعبیرات: نزع السلاح، وحصر السلاح، وتنظیم السلاح. ولا ترى الورقه أن الأمر مجرد خلاف لغوی؛ لأن اختیار المصطلح یحدد الشکل القانونی والمیدانی لمستقبل الجماعات المسلحه، بل ویعکس رؤیه الدوله لنفسها ولحقها فی احتکار استخدام القوه.
وتستشهد الورقه برئیس الوزراء الأسبق نوری المالکی، الذی قال إن تعبیر "نزع السلاح" لم یعد مستخدما فی المفاوضات، وإن الحدیث أصبح عن "تنظیم السلاح" أو "احتوائه"، مع طرح أسئله حول ما إذا کان ذلک سیشمل کل أنواع الأسلحه أم بعضها، وإمکان التفریق بین السلاح الثقیل والمتوسط والخفیف.
وتوحی هذه الرؤیه، مع تجاوز موعد 30 سبتمبر/أیلول، بمحاوله الإطار التنسیقی التوصل إلى تسویه تتخلى عن صیغه حل الفصیل وتسلیم کامل سلاحه ثم إدماجه فی القوات النظامیه، لمصلحه صیغه أخرى تقوم على تخزین السلاح الثقیل للفصیل ووضعه اسمیا تحت سلطه الحشد الشعبی والقائد العام، مع استمرار جزء من بنیته التنظیمیه والسیاسیه.
وهنا تطرح الورقه أسئلتها الأکثر حساسیه: من یسیطر فعلیا على مخازن الصواریخ والدبابات والمدافع والمرکبات المدرعه والمسیّرات؟ ومن یصدر أمر استخدامها؟ وهل تصل سلسله القیاده فعلا إلى القائد العام للقوات المسلحه؟
کما تتساءل عن جدوى وجود مخازن مستقله لفصیل دخل أصلا فی هیاکل الحشد الشعبی، وعن مصیر الأسلحه المتوسطه والخفیفه، وإمکان استخدامها فی صراع أهلی أو فی استمرار هیمنه قاده الفصائل على البیئات المحلیه باعتبارهم مراکز قوه.
الإطار التنسیقی یبحث عن طریق بین حربین
ترى الورقه أن الصیغه المقترحه قد تساعد فی تجاوز أزمه عاجله، لکنها قد تؤسس لأزمات لاحقه؛ لأنها یمکن أن تبقی الجماعات خارج الدوله، مع تحویلها من مصدر تهدید لدول الإقلیم والمصالح الأمریکیه إلى تهدید داخلی.
ولهذا شکّل الإطار التنسیقی لجنه ثلاثیه من نوری المالکی ومحمد شیاع السودانی وهادی العامری للتفاوض مع الفصائل، فی محاوله للعثور على مخرج بین خیارات کلها مکلفه.
فالوقوف کاملا مع الزیدی ضد الفصائل قد یؤدی إلى انقسام البیت الشیعی وربما إلى صدام مسلح داخله، والوقوف مع الفصائل ضد الحکومه قد یضع العراق أمام مواجهه مباشره مع واشنطن وضغوط وعقوبات مالیه وسیاسیه، أما ترک الملف من دون حل فیضعف رئیس الوزراء والدوله أمام الأمریکیین والفصائل معا.
ومن هنا ظهر ما تسمیه الورقه عملیا الخیار الرابع: شراء الوقت، بتحویل الموعد الحاسم إلى عملیه سیاسیه تدریجیه. وتمثل ذلک فی الانتقال من 30 سبتمبر/أیلول 2026 إلى 30 یونیو/حزیران 2027، مع ما یبدو حتى الآن، وفق الورقه، قبولا أمریکیا بالموعد الجدید.
وتتکون الخطه الجدیده التی عرضها الزیدی فی نیویورک من ثلاث مراحل. تبدأ فی 30 سبتمبر/أیلول بهدنه مدتها 90 یوما تتوقف فیها الفصائل عن مهاجمه دول المنطقه أو القوات الأمریکیه الموجوده فیها، مقابل امتناع الولایات المتحده عن مهاجمه الفصائل خلال المده نفسها.
ثم تبدأ الفصائل بتسلیم أسلحتها الثقیله وإعاده هیکله تنظیماتها للاندماج فی الحشد الشعبی، على أن تنتهی العملیه بحلول 30 یونیو/حزیران 2027.
وتتیح هذه الترتیبات للزیدی، بحسب الورقه، تحقیق ثلاثه أهداف فی وقت واحد: تجنب الحرب الداخلیه مع الفصائل، والحصول على قبول أمریکی بتمدید الجدول الزمنی، وإعطاء القوى الشیعیه وقتا للتفاوض بشأن شکل الإدماج.
لکنها تضع أمامه مخاطرتین: الأولى ضروره ضمان عدم تنفیذ الفصائل أی نشاط عسکری إقلیمی خلال فتره التسعین یوما، والثانیه أن تنتهی الأشهر التسعه من دون تغییر حقیقی فی سلسله القیاده والسیطره، فیتحول التأجیل من تسویه انتقالیه إلى إعاده إنتاج للوضع السابق.

رئیس الوزراء العراقی الأسبق نوری المالکی خلال لقائه وزیر الخارجیه الأمریکی الأسبق جون کیری فی بغداد.(أرشیفیه غیتی) الحرب الأمریکیه–الإیرانیه تمسک بخیوط الملف
تربط الورقه مصیر المشروع کله بمسار المواجهه الأمریکیه–الإیرانیه. وتنقل عن صحیفه نیویورک تایمز، نقلا عن مسؤول أمنی عراقی، أن الخطه قد تفشل بالکامل إذا لم یتحقق سلام بین واشنطن وطهران، لأن تنفیذ جدول زمنی لنزع السلاح أثناء استمرار الحرب بالغ الصعوبه.
فإذا استمرت الحرب، تستطیع الفصائل القول إن سبب وجودها لم ینته، حتى بعد مغادره القوات الأمریکیه العراق، لأن ارتباطها بالمواجهه الإیرانیه–الأمریکیه یعید إنتاج مبرر "المقاومه". کما سترى إیران أن التخلی عن هذه الفصائل أثناء الحرب یعادل التخلی طوعا عن أحد أذرع الردع.
أما إذا توصلت واشنطن وطهران إلى اتفاق أو تهدئه إقلیمیه مستقره، فسترتفع تکلفه استمرار السلاح خارج الدوله؛ لأن حجه "المقاومه فی زمن الحرب" ستصبح أضعف. ومع ذلک، لا یعنی ذلک أن إیران ستفقد اهتمامها بالفصائل، التی ستظل بالنسبه إلیها أداه ردع متقدمه، وإن کانت طبیعه وجودها ستتعرض لضغوط شدیده وقد تضطر طهران إلى البحث عن صیغ مختلفه للاحتفاظ بنفوذها العراقی مع المحافظه على أی تسویه محتمله مع واشنطن.
ولهذا تخلص الورقه إلى أن المتغیر الأکثر أهمیه فی النهایه لیس موقف رئیس الوزراء أو الفصائل، ولا الضغط الأمریکی أو الإیرانی منفردا، وإنما مسار الصراع الأمریکی–الإیرانی نفسه.
وتکمن المعضله الأساسیه فی أن الفصائل المطلوب نزع سلاحها لیست جماعات متمرده مهزومه یمکن إجبارها على قبول شروط الحکومه.
فبعض هذه الجماعات، کما تشیر الورقه، موجود فی النظام السیاسی والدوله والحشد الشعبی والبرلمان والاقتصاد فی الوقت نفسه، ولدیه قدرات عسکریه کبیره وموارد اقتصادیه مستقله. ولذلک تظل قدره الحکومه على فرض النتیجه بالقوه محدوده للغایه.
وفی المقابل، ترى الورقه أن ثمه مساحه سیاسیه أتاحتها مواقف الأطراف المختلفه: واشنطن تبدو مستعده لقبول التأجیل، لکنها لا تقبل استمرار السلاح المستقل؛ وإیران تقبل التفاوض والتنظیم لکنها لا ترید فقدان القدره العسکریه قبل التسویه الإقلیمیه؛ والحکومه ترید حصر السلاح لکنها تسعى إلى ذلک من دون حرب داخلیه؛ أما الفصائل فترید ضمانات استراتیجیه قبل التخلی عن قوتها.
بل تشیر الورقه إلى احتمال أن تجد طهران، إذا توصلت إلى تسویه مع واشنطن، أن إدماج الفصائل داخل الدوله وقوات الأمن العراقیه یمنحها شکلا آخر من النفوذ ستکون بحاجه إلیه مستقبلا.
الاختبار لیس فی البنادق
تنتهی الورقه إلى معیار یفصل بین حصر السلاح الحقیقی وإعاده تسمیه الوضع القائم.
فالاختبار لن یکون فی عدد البنادق التی تظهر أمام الکامیرات أثناء عملیات التسلیم، وإنما فی أربعه أشیاء محدده:
الصواریخ، والمسیّرات، ومخازن السلاح الثقیل، وسلسله إصدار أوامر العملیات.
فإذا انتقلت السیطره الفعلیه على هذه العناصر إلى القائد العام للقوات المسلحه، یکون العراق، وفق الورقه، قد بدأ تحولا بنیویا نحو احتکار الدوله للقوه.
أما إذا ظلت الصواریخ والمسیّرات والمخازن وقرار التشغیل تحت سیطره قیادات الفصائل، بینما تغیرت التسمیات والأشکال القانونیه فقط، فإن ما جرى لن یکون نزعا للسلاح، ولا حصرا فعلیا له بید الدوله، وإنما إعاده تنظیم للسلاح.
وهکذا تعید الورقه القضیه إلى السؤال الذی بدأت منه: لیست المعضله أین تخزن الأسلحه، ولا الاسم القانونی الذی تحمله الجماعات المسلحه بعد یونیو/حزیران 2027، وإنما من یملک فی العراق حق إصدار الأمر باستخدام القوه، ومن یملک فی النهایه قرار الحرب والسلم؟
الورقه التحلیلیه للدکتور لقاء مکی کامله (اضغط هنا)
المصدر: الجزیره