وکاله آریا للأنباء - أسواق المنتجات النفطیه فقدت نحو 4 ملایین برمیل یومیا من إمدادات روسیا والشرق الأوسط (الأوروبیه)
تکشف أزمه الدیزل العالمیه عن اختناق یتجاوز ارتفاع أسعار الوقود، مع نقص المنتجات النفطیه المکرره القابله للوصول إلى المستهلک، رغم عدم وجود نقص مماثل فی إمدادات النفط الخام عالمیا.
وتزامنت الأزمه مع اضطرابات طالت ثلاثه مصادر رئیسیه للإمدادات، إذ قیدت الحرب تدفقات المشتقات من الخلیج، وواصلت روسیا حجب صادرات الدیزل بعد تضرر مصافیها جراء الهجمات الأوکرانیه، کما توقفت الصین عن تصدیر بعض المنتجات النفطیه، بینما تعمل مصافٍ غربیه عدیده عند مستویات مرتفعه یصعب معها إضافه کمیات کبیره سریعا.
قصص مقترحه
list of 3 items وقال الرئیس التنفیذی لشرکه "فیتول" راسل هاردی، لوکاله رویترز، إن أسواق المنتجات النفطیه فقدت قرابه ملیونی برمیل یومیا من روسیا، ونحو ملیونی برمیل أخرى من الشرق الأوسط، مشیرا إلى أن وضع الخام أفضل نسبیا من المنتجات المکرره، وأن السوق تواصل استنزاف المخزونات المتاحه. کما أکد مسؤول التجاره العالمیه فی "فیلیبس 66" مارک سین أن معظم المصافی الأمریکیه تعمل بالفعل بأقصى طاقتها تقریبا.
وتظهر الأزمه مباشره فی الأسعار؛ إذ سجل الدیزل فی الولایات المتحده مستویات قیاسیه قرب 6.5 دولارات للغالون، بینما تخطى متوسط سعر اللتر فی بریطانیا جنیهین إسترلینیین (نحو 2.6 دولار) للمره الأولى، بارتفاع 40.5%، مقارنه بنهایه فبرایر/شباط الماضی، وفق نادی السیارات البریطانی "آر إیه سی".
أزمه مختلفه
ترى خبیره شؤون الطاقه لوری هایتایان أن أسواق الطاقه انتقلت منذ اندلاع الحرب مع إیران عبر سلسله متتالیه من الأزمات، بدأت بالنفط الخام، ثم وقود الطائرات والبنزین، قبل أن تصل الضغوط حالیا إلى الدیزل.
وتقول هایتایان، للجزیره نت، إن المشکله الأساسیه لیست عدم وجود الخام، "ولیست حتى فی تراجع إنتاج المصافی"؛ لأن المصافی الأمریکیه، خصوصا تعمل عند مستویات تقارب 98% إلى 100%، لکن الطلب على المنتجات المکرره یفوق الکمیات التی تصل إلى الأسواق بعدما تعطلت أو تراجعت تدفقات من الخلیج وروسیا والصین.
وتتوافق هذه القراءه مع رؤیه مدیر معهد الکربون لأبحاث الطاقه والمناخ کریم الجندی، الذی یرى أن الاختناق انتقل من آبار النفط إلى المصافی وإمدادات الوقود الجاهز.
ویقول الجندی للجزیره نت إن "الأزمه الراهنه لیست أزمه فی النفط الخام بل هی أزمه فی المنتجات المکرره"؛ إذ لا تزال إمدادات الخام متاحه نسبیا، بینما تضررت مصافٍ روسیه واضطربت التدفقات الخلیجیه، فی وقت تعمل فیه المصافی الغربیه قرب حدودها القصوى بعد سنوات من توقف جزء من طاقتها.
وتظهر هذه المفارقه أیضا فی أوروبا؛ إذ انخفضت الطاقه التکریریه فی الاتحاد الأوروبی وبریطانیا وترکیا وأوکرانیا وسویسرا من نحو 17.5 ملیون برمیل یومیا عام 2009 إلى 14.4 ملیونا حالیا، کما أغلقت أو حُولت نحو 30 مصفاه من قرابه 100 مصفاه أوروبیه منذ ذلک التاریخ، بحسب بیانات نقلتها رویترز.
وتعتبر هایتایان أن هذه التحولات جعلت أوروبا أکثر اعتمادا على الخارج، فبعد تقلیص طاقتها التکریریه تخلت أیضا عن الدیزل الروسی عقب حرب أوکرانیا، لیرتفع اعتمادها على الولایات المتحده والشرق الأوسط، وهو ما جعلها أکثر عرضه للصدمات الحالیه.
قطاعات مکشوفه
تختلف أهمیه الدیزل عن البنزین فی أنه یدخل بصوره مباشره فی عملیه الإنتاج نفسها؛ إذ تعتمد علیه الشاحنات ومرکبات الشحن والجرارات الزراعیه ومضخات الری ومعدات البناء والتعدین والمولدات وعدد من وسائل النقل البحری.
ویصف الجندی الدیزل بأنه "العمود الفقری للاقتصاد"، موضحا أن الآلات والمرکبات التی تستخدمه هی أصول رأسمالیه تعمل سنوات أو عقودا؛ ولذلک لا تستطیع الشرکات والمزارع تغییر مصدر الطاقه المستخدم فیها لمجرد ارتفاع السعر.
وتشیر بیانات سوق الدیزل إلى أن النقل البری استحوذ على نحو 73.8% من الاستهلاک العالمی فی عام 2025، وهو ما یعکس مدى حساسیه حرکه السلع والتجاره لأی نقص فی الوقود.
کما یوضّح أستاذ العملیات وسلاسل الإمداد بجامعه سالفورد جوناثان أوینز لصحیفه الإندبندنت البریطانیه، أن الدیزل لا یزال حاسما لحرکه البضائع وتشغیل أساطیل التوزیع والبناء والزراعه؛ ولذلک یمکن لأی اضطراب کبیر فی الإمدادات العالمیه أن ینتقل بسرعه إلى تکالیف النقل والتشغیل.
وتشیر هایتایان إلى صعوبه إیجاد بدیل سریع، فکما أن المصفاه مصممه لمعالجه أنواع محدده من الخام، فإن الصناعات والمعدات التی بنیت لتعمل بالدیزل لا یمکن تحویلها "بین لیله وضحاها" إلى الکهرباء أو الغاز أو مصدر آخر للطاقه.
ویرى الجندی أن هذه المشکله أکثر وضوحا فی الدول العربیه المستورده مثل مصر والأردن والمغرب؛ إذ تضیف زیاده الأسعار فاتوره بالعمله الأجنبیه إلى الاقتصاد، بالتزامن مع اعتماد النقل والزراعه والری بصوره کبیره على الوقود.

النقل البری استحوذ على نحو 73.8% من الاستهلاک العالمی للدیزل فی 2025 (رویترز) تضخم متسلسل
تبدأ الصدمه من خزان وقود الشاحنه، لکنها لا تنتهی عنده، فارتفاع کلفه نقل محصول من المزرعه إلى سوق الجمله یزید سعر الغذاء، کما یرفع تشغیل الجرارات ومضخات المیاه تکلفه الإنتاج الزراعی، فی حین تزید کلفه المعدات والآلات أسعار البناء والتعدین والصناعه.
وتقول هایتایان إن المستهلک لا یشتری النفط الخام مباشره، وإنما یستهلک مشتقاته داخل معظم القطاعات الاقتصادیه؛ ولذلک فإن ارتفاع الدیزل "یجعل کل شیء یرتفع"، بدءا من النقل ووصولا إلى المنتج الزراعی والسلع المعروضه فی المتاجر.
ویصف الجندی الأثر بأنه أشبه بـ"ضریبه خفیه" على الاقتصاد؛ لأن الدیزل یوجد فی حلقات متعدده من سلسله الإنتاج والتوزیع، ومن ثم تنتقل الزیاده إلى المستهلک بصوره شبه حتمیه حتى وإن استغرقت العملیه بعض الوقت.
وتزید حساسیه الدول العربیه لهذه القناه بسبب اعتماد جانب کبیر منها على الغذاء المستورد، مما یعنی أنها قد تستقبل الصدمه مرتین:
أولا: عبر ارتفاع کلفه إنتاج ونقل الغذاء عالمیا. ثانیا: عبر ارتفاع فاتوره نقل السلع داخلیا. ویشیر الجندی إلى أن صدمه الدیزل تختلف عن البنزین؛ لأن البنزین یقع أثره المباشر بصوره أکبر على المستهلک، بینما یستخدم الدیزل فی الشاحنات والقطارات والسفن والزراعه والبناء، ولذلک یمکن لارتفاعه أن یدفع التضخم إلى قطاعات واسعه، ویضغط فی الوقت نفسه على هوامش الشرکات، بما یزید مخاطر الرکود التضخمی.

ارتفاع أسعار الدیزل یزید تکالیف الإنتاج والنقل وینقل الضغوط التضخمیه إلى الغذاء (غیتی) مخزون مؤقت
دفعت هذه المخاطر دول مجموعه السبع إلى الاتفاق فی 2 أکتوبر/تشرین الأول على الإفراج المنسق عن 100 ملیون برمیل من النفط الخام والمنتجات المکرره عبر وکاله الطاقه الدولیه فی أربعه أشهر، على أن یجری ضخ کمیه کبیره من الدیزل بصوره مبکره فی أول 20 یوما.
کما اتفقت المجموعه على تنسیق صیانه المصافی لتجنب خروج قدرات تکریریه فی الوقت نفسه، ورفع معدلات التشغیل مؤقتا متى کان ذلک ممکنا، إلى جانب دعوه الدول ذات القدرات التکریریه الکبیره إلى زیاده إنتاج المنتجات، وخصوصا الدیزل.
وعقب الاتفاق أعلن الرئیس الأمریکی دونالد ترمب أنه لن یمضی فی حظر صادرات الدیزل الأمریکیه الذی کانت إدارته تدرسه، لتتراجع بذلک إحدى المخاطر الفوریه أمام الإمدادات العالمیه.
لکنّ خبراء یحذرون من اعتبار استخدام الاحتیاطات حلا للأزمه؛ إذ یشیر الجندی إلى أن الإفراج سیضغط على الأسعار نزولا، لکن أثره سیکون قصیر الأجل لأنه لا یحل مشکله نقص المعروض الأساسیه، معتبرا أن المخزونات الإستراتیجیه "مسکن ولیست علاجا"؛ لأنها تشتری الوقت ولا تضیف طاقه تکریریه دائمه، ویحذر من أن عوده الأزمه بعد استنزاف الاحتیاطات قد تکون أشد إذا لم یستخدم الوقت لمعالجه مصادر الخلل.
وترى هایتایان أن ضخ الدیزل فی أول 20 یوما یمکن أن یؤدی إلى انخفاض متواضع فی الأسعار، لکن النتیجه ستظل مرتبطه بمسار الحرب وعوده مضیق هرمز إلى العمل بصوره طبیعیه؛ إذ إن ارتفاع تکالیف النقل والتأمین یظل جزءا من المشکله حتى عندما تنجح بعض الشحنات فی العبور.
خلل هیکلی
تکشف الأزمه أیضا حدود قدره المصافی على الاستجابه لارتفاع الأسعار، فارتفاع هامش التکریر یفترض نظریا أن یدفع المنتجین إلى زیاده الإنتاج، لکن هذه الآلیه تفقد جزءا من فعالیتها عندما تکون المصافی القائمه تعمل أصلا قرب حدودها التشغیلیه.
وقال هاردی إن العالم "لا یشغل طاقه تکریریه کافیه" لمنع استمرار السحب من المخزونات، بینما حذر سین من أن دخول الشتاء بمخزونات دیزل منخفضه قد یبقی قوه الأسعار مستمره، ووصل هامش تکریر الدیزل الأمریکی أثناء الأزمه إلى مستوى قیاسی بلغ 108.02 دولارات للبرمیل.
وترى هایتایان أن الأزمه قد تدفع أوروبا إلى إعاده النظر فی موقع التکریر ضمن مفهوم الأمن الطاقوی، بعدما جعلتها إغلاقات المصافی أکثر اعتمادا على المنتج المستورد وأکثر تعرضا للصدمات الجیوسیاسیه الخارجیه.
ویوافق الجندی على أن الأزمه تکشف خللا هیکلیا، لکنه یحذر من استخلاص نتیجه مفادها أن العالم یحتاج إلى موجه ضخمه جدیده من بناء المصافی التقلیدیه، موضحا أن المنشآت الجدیده تحتاج عقودا لاسترداد استثماراتها فی وقت یتجه فیه الطلب طویل الأجل على الوقود السائل إلى التراجع.
ویصف المشکله بأنها "انتقال طاقی غیر مُنظم"؛ إذ یتراجع جانب من طاقه العرض التقلیدیه بوتیره أسرع من قدره القطاعات المستهلکه على التخلص من اعتمادها على الدیزل.
ومن ثم، یرى الجندی أن الحل طویل الأجل لا یقتصر على زیاده التکریر، بل یتطلب خفض ارتهان الاقتصاد نفسه للدیزل من خلال کهربه النقل والخدمات اللوجیستیه والزراعه وتحسین کفاءه استخدام الطاقه.
وتدعم المؤشرات الحالیه احتمالات استمرار الضغط، فقد توقع نحو نصف مسؤولی شرکات النفط والغاز المشارکین فی استطلاع بنک الاحتیاطی الفدرالی (البنک المرکزی الأمریکی) فی دالاس أن یحتاج سعر الدیزل إلى أکثر من أربعه فصول للعوده إلى مستویات عام 2025، بما یعنی أن تداعیات الأزمه قد تتجاوز فتره السحب من المخزونات الحالیه.
المصدر: الجزیره