
وکاله آریا للأنباء -
وکان البنک الدولی قد نشر فی الفتره الأخیره تقریرا بعنوان "تحدی المیاه فی تونس: من الندره إلى القدره على التکیّف"، متناولا تطورات الاقتصاد خلال الفتره الأخیره وآفاقه، إلى جانب التحدیات المرتبطه بشح المیاه وتأثیراتها المحتمله على النشاط الاقتصادی.ما الذی یتوقعه البنک؟یقدّر البنک الدولی أن یسجل الاقتصاد التونسی نموا بنسبه 2.3% لکامل عام 2026، قبل أن یستقر معدل النمو فی حدود 2.1% فی المتوسط خلال عامی 2027 و2028، وتکشف هذه التوقعات، رغم استمرار الاقتصاد فی تحقیق نسب نمو إیجابیه، عن صعوبه تحقیق قفزه أکبر فی النشاط الاقتصادی خلال السنوات المقبله.وفی سوق الشغل، سجل معدل البطاله تراجعا إلى 14.9% خلال الربع الثانی من عام 2026، وفق التقریر، مقابل مستویات أعلى خلال الفتره السابقه، غیر أن البطاله لا تزال مرتفعه، خاصه فی صفوف النساء، إذ بلغت 21.6 % خلال الفتره نفسها.وفی المقابل، یظل الوضع المالی من أبرز التحدیات التی تواجه الاقتصاد التونسی، مع استمرار ارتفاع الدین العام وحاجات الدوله إلى التمویل، فی وقت أصبح فیه التمویل المحلی، وخاصه عبر القطاع البنکی، أکثر أهمیه فی تغطیه احتیاجات الدوله.ویضع البنک الدولی کذلک أزمه المیاه ضمن أبرز المخاطر التی تواجه الاقتصاد التونسی على المدى المتوسط والطویل.ویقدر البنک الدولی أن استمرار الضغوط المائیه دون تدخلات کافیه قد یؤدی إلى انخفاض الناتج المحلی الإجمالی لتونس بنسبه 6.4% بحلول عام 2050، ما یجعل إداره الموارد المائیه جزءا من التحدیات الاقتصادیه ولیس البیئیه فقط.نمو إیجابی دون إقلاع اقتصادیوفی قراءه لمؤشرات البنک الدولی، قال رئیس المنظمه الوطنیه لرواد الأعمال، یاسین قویعه، فی تصریح لـ"سبوتنیک"، إن "توقعات البنک بتسجیل الاقتصاد التونسی نموا بنسبه 2.7% عام 2025، ثم 2.3% خلال کامل عام 2026، ثم 2.1% خلال عامی 2027 و2028، تؤکد استمرار الاقتصاد فی تحقیق معدلات نمو إیجابیه، لکنها فی الوقت ذاته تکشف محدودیه هذا النمو.ورأى قویعه أن السؤال لا ینبغی أن یتوقف عند تسجیل الاقتصاد نموا من عدمه، بل یتعین النظر فی مدى انعکاس هذا النمو على المؤسسات والأفراد، معتبرا أن "السؤال الحقیقی لیس هل عدنا إلى النمو؟ وإنما هل أصبح هذا النمو قادرا على تغییر واقع المؤسسه والمواطن؟".وفی هذا السیاق، أوضح قویعه أن المرحله المقبله تتطلب أن یکون النمو قائما على نشاط المؤسسات، لا سیما المؤسسات الصغرى والمتوسطه، إلى جانب الاستثمار والإنتاج والتصدیر، معتبرا أن تونس لم تدخل بعد "دوره نمو مرتفع ومستدام".وأضاف أن تقریر البنک الدولی یعکس، فی تقدیره، تحسنا فی أداء الاقتصاد التونسی، لکنه لا یعنی بلوغه مرحله الإقلاع، قائلا إن "الاقتصاد "بدأ یخرج من غرفه الإنعاش الاقتصادی، لکنه لم یدخل مرحله الإقلاع"، خاصه فی ظل توقعات البنک بتراجع معدل النمو إلى 2.1% خلال عامی 2027 و2028".وفی ما یتعلق بتراجع معدل البطاله، یربط قویعه هذا التحسن بالأداء المسجل فی عدد من القطاعات، وخاصه بعد تحسن الموسم الفلاحی والسیاحی، إلى جانب بعض الصناعات، معتبرا أن انخفاض البطاله فی هذه المرحله یرتبط بدرجه کبیره بتحسن نشاط هذه القطاعات.الماء.. أکبر تحدٍ اقتصادیویضع البنک الدولی شح الموارد المائیه ضمن أبرز المخاطر التی تهدد الاقتصاد التونسی على المدى الطویل.وأشار التقریر إلى أن نصیب الفرد من المیاه العذبه المتجدده فی تونس لا یتجاوز حالیا نحو 380 مترا مکعبا سنویا، وهو مستوى أدنى بکثیر من عتبه الندره المائیه المطلقه، فی وقت یتزاید فیه الضغط على الموارد بفعل التغیرات المناخیه وارتفاع الطلب.وحذر البنک الدولی من أن عدم اتخاذ إجراءات کافیه لمعالجه هذا الوضع قد تکون له کلفه اقتصادیه کبیره، إذ یمکن أن ینخفض الناتج المحلی الإجمالی بنسبه 3.4% بحلول 2030، لترتفع الخساره إلى 6.4% بحلول 2050.وفی السیاق ذاته، رأى قویعه أن تعافی الاقتصاد یحتاج الى استراتیجیه عمل واضحه تأخذ بعین الاعتبار قضیه الماء التی تحولت الى قضیه اقتصادیه ستظهر تأثیراتها فی المستقبل على محرکات النمو.وأضاف قویعه أن ندره المیاه لم تعد مسأله مرتبطه بالقطاع الفلاحی وحده، وإنما أصبحت عاملا مؤثرا فی قدره مختلف القطاعات الاقتصادیه على الإنتاج والاستثمار وخلق مواطن الشغل، مشددا أن معالجه هذا الملف تتطلب الانتقال من إداره الأزمه عند حدوثها إلى وضع سیاسه استباقیه تضمن الموارد المائیه اللازمه لاستمراریه النشاط الاقتصادی.معضله التمویل تعیق النمووفی تعلیقه حول الموضوع، قال أستاذ الاقتصاد فی کلیه العلوم الاقتصادیه والتصرف بنابل، رضا الشکندالی، إن "قراءه مؤشرات البنک الدولی تقتضی التمییز بین تحسن نسبی فی بعض الأرقام وبین دخول الاقتصاد التونسی فعلیا فی مسار نمو قوی ومستدام"، معتبرا أن النمو المسجل خلال الفتره الأخیره لا یزال متواضعا مقارنه بحجم التحدیات.وأشار إلى أن تقریر البنک الدولی یدعو إلى إعاده توجیه جزء أکبر من السیوله نحو القطاع الخاص والمشاریع الإنتاجیه، معتبرا أن "الاستثمار یمثل أحد الشروط الأساسیه للانتقال من نمو ظرفی إلى نمو مستدام، خاصه فی ظل تراجع نفقات التنمیه والاستثمار العمومی خلال السنوات الأخیره".ورأى أن معالجه أزمه المیاه تظل ضروریه، لکن مقاربتها یجب ألا تقتصر على الجانب المالی، بل ینبغی أن تراعی انعکاساتها على القطاعات الإنتاجیه والقدره الشرائیه، خاصه أن ندره المیاه لم تعد مشکله بیئیه منفصله عن الاقتصاد، وإنما أصبحت عاملا مؤثرا فی الإنتاج والنمو والتشغیل.