وکاله آریا للأنباء - الاقتصاد الإیرانی یواجه انکماشا بنسبه 10.1% وتضخما بنحو 70% وسط تراجع العمله والإنتاج والاستثمار وضغوط الحرب (أدوبی ستوک)
یواجه اقتصاد إیران فی خریف عام 2026 مجموعه من الضغوط المتزامنه من تراجع فی قیمه الریال، وارتفاع التضخم ، وانخفاض الإنتاج، وتقیید التجاره الخارجیه، وتراجع الاستثمار، إلى جانب التکالیف المباشره وغیر المباشره للحرب. وقد أثرت هذه العوامل فی الاقتصاد فی وقت کانت فیه الحکومه تواجه بالفعل محدودیه الموارد وعجز الموازنه.
برأیی، تکمن أهمیه الوضع الحالی فی أن هذه الضغوط لا یمکن تحلیلها بمعزل بعضها عن بعض. فتراجع إیرادات النقد الأجنبی قد یؤثر فی سوق الصرف وإیرادات الحکومه معا، وانخفاض الإنتاج قد یحد من الإیرادات الضریبیه، وارتفاع تکالیف الحرب قد یزید الضغط على الموازنه، وقد تؤثر طریقه تمویل عجز الموازنه أیضا فی التضخم والقوه الشرائیه.
قصص مقترحه
list of 3 items لذلک، لا یمکن تفسیر مشکله الاقتصاد الإیرانی بسعر الصرف أو التضخم وحدهما، فالمسأله الرئیسیه هی قدره الاقتصاد والحکومه على إداره عده صدمات کبیره فی وقت واحد.
اقتصاد ینکمش وترتفع فیه الأسعار
تشیر البیانات الرسمیه المنشوره فی الأشهر الأخیره إلى تراجع ملحوظ فی النشاط الاقتصادی. فقد انخفض الناتج المحلی الإجمالی لإیران فی الربع الأول من العام الإیرانی 1405، الموافق للفتره من 21 مارس/آذار إلى 21 یونیو/حزیران 2026، بنحو 10.1% مقارنه بالفتره نفسها من العام السابق. وشهد قطاع النفط والغاز تراجعا بنحو 26%، کما انخفض الناتج المحلی الإجمالی الغیر نفطی.
ولم یقتصر تراجع الإنتاج على قطاع الطاقه، إذ تأثرت أیضا قطاعات الصناعه والتعدین والخدمات والإنتاج. وفی الوقت نفسه، بلغ التضخم مستوى مرتفعا جدا، ووصل معدل التضخم لفتره 12 شهرا فی شهر شهریور، الموافق للفتره من 23 أغسطس/آب إلى 22 سبتمبر/أیلول 2026، إلى نحو 70%.
فی هذه الظروف، یواجه الاقتصاد وضعا مزدوجا: انخفاض الإنتاج، وارتفاع تکالیف المعیشه.
وقد یحد تراجع القوه الشرائیه من استهلاک الأسر، کما قد یؤثر انخفاض الطلب بدوره فی مبیعات بعض المنشآت وإنتاجها. ومن جهه أخرى، یفرض ارتفاع تکالیف المواد الخام والطاقه والنقل والواردات مزیدا من الضغط على المنتجین.

قطاع النفط والغاز یسجل تراجعا بنحو 26%، بالتزامن مع انخفاض الناتج المحلی الإجمالی غیر النفطی (رویترز) انهیار الریال وتراجع القوه الشرائیه
فقد الریال خلال الأشهر الأخیره جزءا کبیرا من قیمته مقابل الدولار. وتجاوز سعر الدولار فی السوق الحره بنهایه سبتمبر/أیلول حاجز 2.5 ملیون ریال، بعدما کان فی حدود ملیون ریال قبل نحو عام.
ولا یعد انخفاض قیمه العمله الوطنیه مجرد مؤشر یتعلق بسعر الصرف. فإیران تؤمن من الخارج جزءا من احتیاجاتها من المواد الخام والمعدات والأدویه والسلع الوسیطه والسلع الاستهلاکیه. لذلک، قد یؤدی تراجع قیمه الریال إلى ارتفاع تکالیف الواردات، وقد ینتقل أثره إلى المستهلک عبر زیاده تکالیف الإنتاج وأسعار السلع.
لکن ارتفاع الأسعار لا ینجم عن سعر الصرف وحده. فنمو السیوله، وعجز الموازنه، وقیود العرض، وتکالیف الإنتاج، والتوقعات التضخمیه، واضطراب التجاره الخارجیه، کلها عوامل تسهم أیضا فی حدوث التضخم.
وتتمثل التداعیات الاجتماعیه لهذا المسار فی تراجع القوه الشرائیه وازدیاد الضغط على الطبقات المتوسطه وذوی الدخل المنخفض. وفی هذه الظروف، حتى الزیاده الاسمیه فی الأجور لا تعنی بالضروره ارتفاع القوه الشرائیه الفعلیه.
تراجع إیرادات الحکومه
من أهم تداعیات انخفاض صادرات النفط وتقیید وصول إیران إلى موارد النقد الأجنبی تراجع إیرادات الحکومه. ففی الاقتصاد الإیرانی، لا تعد الإیرادات النفطیه المصدر الوحید لتوفیر النقد الأجنبی اللازم للواردات، کما یعتمد جزء من الموارد المالیه للحکومه على الإیرادات الناتجه عن صادرات النفط والغاز.
لذلک، عندما تنخفض صادرات النفط أو یصبح الوصول إلى إیراداتها أکثر صعوبه، تتعرض الحکومه للضغط من جهتین: تراجع موارد البلاد من النقد الأجنبی، وفقدان جزء من إیرادات الحکومه.
وتکتسب هذه المسأله أهمیه أکبر فی ظروف الحرب. فالحکومه تواجه انخفاضا فی جزء من إیراداتها بینما ترتفع نفقاتها، من الإنفاق الدفاعی والأمنی إلى دعم الأسر، والحفاظ على الخدمات العامه، وتعویض خسائر المنشآت، وإعاده بناء البنیه التحتیه المتضرره.
ونتیجه لذلک، قد یؤدی تراجع إیرادات النقد الأجنبی مباشره إلى تفاقم عجز الموازنه. ولتعویض هذه الفجوه، تضطر الحکومه إلى اللجوء إلى مصادر أخرى، مثل الإیرادات الضریبیه، وإصدار السندات ، وبیع الأصول، واستخدام موارد الصنادیق، أو اللجوء فی بعض الحالات إلى التمویل النقدی.
ومن هذا المنظور، لا یعد انخفاض صادرات النفط مجرد مسأله تتعلق بالتجاره الخارجیه أو سوق الصرف، فقد یؤدی تراجع إیرادات النقد الأجنبی إلى انخفاض موارد الحکومه، وزیاده عجز الموازنه، وتقلیص قدرتها على تمویل النفقات الجاریه والاستثمار.
عجز الموازنه: إیرادات أقل ونفقات أکبر
یعد عجز الموازنه إحدى المشکلات الهیکلیه للاقتصاد الإیرانی، ولا یقتصر على الحرب. ومع ذلک، قد تؤدی ظروف الحرب إلى تفاقم هذا الاختلال.
یرتبط جزء کبیر من نفقات الحکومه بالرواتب والأجور، ومعاشات التقاعد ، والتعلیم، والصحه، والدعم، وسائر الخدمات العامه. ومن الصعب خفض هذه النفقات بسرعه من الناحیتین التنفیذیه والاجتماعیه.
فی المقابل، تتسم إیرادات الحکومه بقدر أکبر من المرونه، وقد تنخفض فی ظروف الرکود وتراجع صادرات النفط. کما تواجه الإیرادات الضریبیه قیودا عندما یتعرض الإنتاج والتجاره والاستهلاک المحلی للضغط.
وهکذا، تواجه الموازنه ضغطا من جهتین: موارد أقل ونفقات أکبر.
وتوسع الحرب هذه الفجوه من خلال زیاده الإنفاق الدفاعی والأمنی، والدعم الطارئ، وتکالیف إعاده الإعمار.
التکلفه لا تقتصر على الإنفاق العسکری
لا یمکن قیاس التکلفه الاقتصادیه للحرب بموازنه الدفاع وحدها. فالأضرار التی تلحق بمنشآت الطاقه، وشبکه الکهرباء، والوحدات الصناعیه، والمبانی السکنیه، والنقل، والبنیه التحتیه الحضریه، تعنی نشوء تکالیف جدیده على الحکومه والقطاع الخاص.
ومن جهه أخرى، قد یؤدی توقف نشاط بعض المنشآت أو تراجعه إلى انخفاض الإنتاج والتوظیف والإیرادات الضریبیه. کما یزید اضطراب النقل والتجاره تکالیف الاستیراد والتصدیر.
لذلک، قد تؤثر الحرب فی الموازنه عبر عده مسارات: زیاده بعض النفقات الحکومیه المباشره، وتراجع الإیرادات النفطیه وإیرادات النقد الأجنبی، وانخفاض الإیرادات الضریبیه، وارتفاع تکالیف الدعم، وتکالیف إصلاح البنیه التحتیه وإعاده بنائها، وانخفاض القدره الإنتاجیه والإیرادات المستقبلیه.
وقد طرح مسؤولون إیرانیون تقدیرا أولیا للأضرار المباشره وغیر المباشره للحرب بنحو 270 ملیار دولار. ومع ذلک، ینبغی التعامل مع هذا الرقم بوصفه تقدیرا أولیا، ولیس تقدیرا نهائیا ومستقلا للخسائر.

الحرب تفاقم عجز الموازنه الإیرانیه مع تراجع الإیرادات النفطیه والضریبیه وارتفاع الإنفاق الدفاعی وتکالیف إعاده الإعمار (غیتی) تحدی الموازنه بعد الحرب
حتى إذا توقفت المواجهات، فلن تزول الضغوط الاقتصادیه فورا. فقد تحتاج مرحله إعاده الإعمار إلى موارد مالیه کبیره.
وعلى الحکومه توزیع الموارد بین عده احتیاجات متنافسه: تمویل النفقات الجاریه، ودعم الأسر، وتوفیر الخدمات العامه، وإعاده بناء البنیه التحتیه، وتهیئه الظروف لعوده الاستثمار والإنتاج.
وإذا لم تتوفر موارد کافیه، فستکون أمام الحکومه خیارات مثل إصدار سندات الدین، وبیع الأصول، واستخدام موارد الصنادیق، وزیاده الضرائب، أو التمویل النقدی للعجز.
ولکل من هذه الأسالیب تداعیاته الخاصه. فقد تؤدی زیاده الضرائب إلى رفع إیرادات الحکومه، لکنها قد تضغط على النشاط الاقتصادی إذا صممت بصوره غیر ملائمه. وینقل إصدار سندات الدین جزءا من التکلفه إلى المستقبل، ویزید التزامات الحکومه. کما قد یؤدی خفض الإنفاق الإنمائی إلى إبطاء إعاده الإعمار والنمو الاقتصادی .
وقد یؤدی تمویل العجز من مصادر نقدیه أیضا إلى مزید من الضغوط التضخمیه إذا نمت القاعده النقدیه والسیوله بصوره کبیره، دون زیاده متناسبه فی الإنتاج.
لذلک، لا تتعلق المسأله الرئیسیه بحجم عجز الموازنه وحده؛ فطریقه تمویله ذات أهمیه حاسمه أیضا.
الضغط الاقتصادی الأمریکی وقیود التجاره
تؤثر العقوبات الأمریکیه منذ سنوات فی جزء من الاقتصاد الإیرانی. وفی عام 2026، اشتدت هذه الضغوط مع فرض قیود جدیده واتخاذ إجراءات بحریه.
وتصف واشنطن هذه الإجراءات بأنها جزء من الضغط الاقتصادی والسیاسی الرامی إلى الحد من الموارد المالیه لإیران وتغییر سلوک النظام. فی المقابل، یرى المسؤولون الإیرانیون أن هذه الإجراءات تزید الضغوط على الاقتصاد وحیاه الناس، وقد وصفوا بعض الإجراءات البحریه الأمریکیه بأنها غیر قانونیه.
وبصرف النظر عن اختلاف الآراء بشأن أهداف هذه الإجراءات ومشروعیتها، یمکن دراسه أثرها الاقتصادی فی عده مجالات: زیاده صعوبه تصدیر النفط، وارتفاع تکالیف التجاره، وتقیید الوصول إلى الموارد المالیه، وزیاده تکالیف النقل والتأمین، وازدیاد صعوبه استیراد بعض السلع.
وفی الوقت نفسه، تعود جذور بعض المشکلات الاقتصادیه الإیرانیه إلى عوامل داخلیه کانت موجوده قبل اشتداد الضغوط الخارجیه؛ منها عجز الموازنه، والتضخم المزمن، وضعف الاستثمار، ومشکلات النظام المصرفی، واعتماد الموازنه بدرجه کبیره على الإیرادات النفطیه.
لذلک، فإن إرجاع جمیع مشکلات الاقتصاد الإیرانی إلى عامل واحد لا یقدم صوره کامله.

العقوبات الأمریکیه تزید صعوبه تصدیر النفط الإیرانی وترفع تکالیف التجاره والنقل والتأمین (الصحافه الإیرانیه) الاستثمار: حلقه معرضه للضرر
یحتاج النمو الاقتصادی المستدام إلى الاستثمار، لکن الحرب وعدم الیقین یزیدان صعوبه اتخاذ القرارات الاستثماریه.
وعندما تکون آفاق سعر الصرف، والتجاره الخارجیه، وأمان رأس المال، ومستوى الطلب المحلی غیر واضحه، فقد تؤجل المنشآت استثماراتها الجدیده.
وتکتسب هذه المسأله أهمیه کبیره على المدى الطویل. فتراجع الاستثمار لا یعنی انخفاض النشاط الاقتصادی الیوم فحسب، بل قد یحد أیضا من القدره الإنتاجیه فی المستقبل.
وإلى جانب رأس المال المالی، قد یترتب على خروج الکفاءات المتخصصه من البلاد تکلفه طویله الأمد أیضا. فإعاده بناء الاقتصاد لا تحتاج إلى المبانی والآلات والموارد المالیه وحدها؛ إذ تمثل الموارد البشریه والمعرفه المتخصصه جزءا من رأس المال الاقتصادی للبلاد.
الضغوط المعیشیه وتغیر سلوک الأسر
قد یؤدی ارتفاع الأسعار وتراجع القوه الشرائیه إلى تغییر سلوک الأسر أیضا. فقد تخصص الأسر حصه أکبر من دخلها للسلع الأساسیه، وتخفض نفقاتها على التعلیم والعلاج والترفیه أو الاستثمار الشخصی.
وتؤثر هذه التغیرات على المستوى الاقتصادی الکلی أیضا. فقد یؤدی تراجع الطلب على السلع والخدمات غیر الضروریه إلى انخفاض مبیعات بعض الأعمال، وما یترتب علیه من تراجع الإیرادات والتوظیف.
ومن جهه أخرى، قد تضطر الحکومه إلى زیاده الدعم النقدی أو العینی لمنع تفاقم الضغوط المعیشیه، وهو إجراء یفرض بدوره تکالیف أکبر على الموازنه.
التجاره الخارجیه ومضیق هرمز
تکتسب القیود على المسارات البحریه ووضع مضیق هرمز أهمیه خاصه أیضا. فجزء کبیر من تجاره المنطقه یمر عبر هذا المسار، وقد یؤدی اضطرابه إلى زیاده تکالیف النقل والتأمین وتوفیر السلع.
وبالنسبه إلى إیران، تزداد أهمیه هذه المسأله، لأن صادرات النفط وجزءا من التجاره الخارجیه للبلاد یعتمدان على المسارات البحریه.
وقد یؤثر اضطراب هذا المسار لفتره طویله، إضافه إلى الاقتصاد الإیرانی، فی الدول المصدره للطاقه فی المنطقه والأسواق العالمیه.
وفی هذه الظروف، یتجاوز أثر الحرب حدود إیران، وینتقل إلى أسعار الطاقه والتجاره الإقلیمیه وسلاسل الإمداد الدولیه.
الصین وروسیا والجیران: مسارات بدیله
سعت إیران خلال سنوات العقوبات إلى تقلیل اعتمادها على القنوات المالیه والتجاریه الغربیه، وتوسیع علاقاتها الاقتصادیه مع الصین وروسیا والدول المجاوره.
وقد تخفف هذه العلاقات جزءا من الضغط الناجم عن القیود الغربیه، لکنها لا تشکل بدیلا کاملا للتجاره العالمیه. فالقیود المصرفیه، وتکالیف النقل، واختلاف المعاییر، ومحدودیه قدره بعض المسارات البریه والبحریه، ومشکلات تحویل الأموال، لا تزال قائمه.
ولهذا، قد یشکل توسیع التجاره الإقلیمیه جزءا من الحل، لکنه لا یعالج بمفرده جمیع المشکلات المتعلقه برأس المال والتکنولوجیا والنقد الأجنبی والصادرات.

تتوزع الأعباء الاقتصادیه بین تراجع القوه الشرائیه للأسر وانخفاض أرباح الشرکات واستثماراتها وارتفاع الدین الحکومی (الجزیره) من یدفع تکلفه الأزمه؟
من أهم الأسئله الاقتصادیه: على عاتق أی فئات ستقع تکلفه هذه الظروف فی نهایه المطاف؟ یدفع جزء من التکلفه عبر تراجع القوه الشرائیه للأسر، وجزء عبر انخفاض أرباح المنشآت واستثماراتها، وجزء عبر زیاده دیون الحکومه. کما قد ینقل جزء منها إلى السنوات المقبله من خلال خفض الإنفاق العام أو تأخیر المشاریع الإنمائیه.
وفی حال زیاده الضرائب، سیتحمل المکلفون بها جزءا آخر من التکلفه. وإذا مول العجز من مصادر نقدیه، فقد یتوزع جزء منها على مجمل الاقتصاد فی صوره تضخم.
لهذا، لا یعد عجز الموازنه مجرد مسأله محاسبیه تخص الحکومه، فطریقه إدارته قد تؤثر مباشره فی توزیع الدخل والقوه الشرائیه وآفاق النمو الاقتصادی.
وفی نهایه المطاف، لا تقتصر المسأله الرئیسیه للاقتصاد الإیرانی على تعافی سعر الصرف أو انخفاض مؤقت فی التضخم. فالتحدی الأکبر هو استعاده القدره الإنتاجیه والاستثمار وإیرادات الحکومه المستدامه فی اقتصاد یواجه فی الوقت نفسه محدودیه الموارد والتکالیف الباهظه للحرب وإعاده الإعمار.
المصدر: الجزیره