وکاله آریا للأنباء - المنافسه بین شرکات الذکاء الاصطناعی تسهم فی تحویل کل نموذج جدید إلى حدث إعلامی وتقنی واسع (رویترز)
أصبح إطلاق نموذج جدید للذکاء الاصطناعی حدثا ینتظره جمهور واسع، لا مجرد إعلان تقنی یهم المطورین والباحثین، فقبل طرح النماذج الحدیثه، تبدأ التسریبات والتوقعات والمقارنات، ثم تتحول لحظه الإطلاق إلى موضوع واسع النقاش على منصات التواصل، ویتسابق المستخدمون إلى اختبار النموذج واکتشاف نقاط قوته وضعفه.
وقد وصف موقع أکسیوس هذه الظاهره مؤخرا بأنها تشبه انتظار الجمهور لألبوم جدید لنجمه موسیقیه مثل تایلور سویفت، مشیرا إلى أن التسریبات ومجتمعات المهتمین بالنماذج أصبحت جزءا من صناعه الترقب حولها.

نماذج الذکاء الاصطناعی تحولت إلى منتجات جماهیریه یتابع الجمهور إصداراتها الجدیده بشغف متزاید (أدوبی ستوک) من المختبر إلى الجمهور
أحد أهم أسباب هذا التحول هو أن نماذج الذکاء الاصطناعی خرجت من نطاق المختبرات ومجتمعات البرمجه إلى الاستخدام الیومی، وتقدم أرقام الاستخدام صوره واضحه عن حجم هذا الانتقال. فقد ذکرت أوبن إیه آی فی دراسه عن استخدام شات جی بی تی أن الخدمه -التی أُطلقت فی نوفمبر/تشرین الثانی 2022- وصلت بحلول یولیو/تموز 2025 إلى نحو 700 ملیون مستخدم أسبوعیا، کانوا یرسلون قرابه 18 ملیار رساله أسبوعیا. ووفق الدراسه، کان ذلک یعادل نحو 10% من السکان البالغین فی أنحاء العالم.
اقرأ أیضا
list of 2 items list 1 of 2 الذکاء الاصطناعی یصبح أغلى.. إنفیدیا ترفع أسعار خوادمها بأکثر من 15% list 2 of 2 واشنطن تبدل جلدها.. کیف أصبح الذکاء الاصطناعی قضیه "الکل ضد الکل"؟ end of list وتکرر المسار نفسه مع جیمنای، فقد أعلنت غوغل فی أغسطس/آب الحالی أن تطبیق جیمنای تجاوز ملیار مستخدم نشط شهریا، بعدما کان قد وصل إلى أکثر من 900 ملیون مستخدم شهریا فی مایو/أیار الماضی. وتقول الشرکه إن 63% من المستخدمین یتحدثون إلى جیمنای صوتیا، بینما تُستخدم الکامیرا ومشارکه الشاشه فی عدد متزاید من التفاعلات، ما یعکس انتقال النماذج من مجرد واجهات نصیه إلى مساعدین رقمیین یتفاعلون مع المستخدم وبیئته.
هذه الأرقام تغیر طبیعه العلاقه بین المستخدم والنموذج، فعندما یستخدم ملایین الأشخاص النظام یومیا فی العمل والدراسه والبحث والبرمجه وإنشاء الصور والفیدیو، یصبح اسم النموذج نفسه جزءا من الثقافه الرقمیه، ویبدأ الجمهور فی تکوین تفضیلات وانطباعات تجاهه.
الاسم أصبح علامه تجاریه
تؤدی الهویه دورا أساسیا فی صناعه هذه النجومیه، فأسماء مثل شات جی بی تی وجیمنای وکلود لم تعد تشیر فقط إلى تقنیات خلفیه، بل أصبحت علامات تجاریه یعرفها المستخدمون ویقارنون بینها، وعندما تعلن شرکه عن جیل جدید، فإنها لا تقدم مجموعه من التحسینات البرمجیه فحسب، بل تقدم نسخه جدیده من منتج له جمهور سابق.
وتوضح إصدارات هذا العام هذه الدینامیکیه، فقد قدمت غوغل فی مایو/أیار الماضی نماذج جیمنای أومنی وجیمنای 3.5، بینما أطلقت أنثروبیک نماذج کلود فیبل 5 وکلود میثوس 5 فی یونیو/حزیران الماضی، ثم أعلنت غوغل بعد أسابیع قلیله جیمنای 3.7 فلاش.
وبذلک أصبحت المنافسه بین المختبرات تشبه -من الناحیه التسویقیه والجماهیریه- منافسه بین علامات أو نجوم: من الأفضل؟ من الأسرع؟ من الأکثر قدره على البرمجه؟ ومن یتفوق فی الاستدلال أو إنشاء الصور أو تنفیذ المهام؟
لماذا یتابع الجمهور الإصدارات بشغف؟
هناک عامل تقنی مهم وراء هذه الظاهره، وهو أن الفارق بین الأجیال أصبح محسوسا للمستخدم العادی، فالتطورات لم تعد محصوره فی تحسینات صغیره داخل البنیه التحتیه، بل أصبحت تظهر فی سرعه الاستجابه، والقدره على فهم الصور والفیدیو والصوت، واستخدام الأدوات، وکتابه البرمجیات، وتنفیذ المهام الطویله.
ویشیر تقریر ستانفورد إیه آی إندکس (Stanford AI Index) لهذا العام إلى أن أداء النماذج المتقدمه قفز بصوره کبیره، حتى إن بعض اختبارات التقییم أصبحت تتشبع خلال أشهر بدل سنوات، کما أصبحت أربعه مختبرات رئیسیه متقاربه جدا فی تصنیفات الأداء البشری، ما جعل المنافسه أکثر حده.
هذا التقارب یخلق أیضا ریاضه جماهیریه جدیده، فالمستخدمون یختبرون النماذج بأنفسهم، وینشرون النتائج، ویقارنون الإجابات، ویتابعون تصنیفات منصات التقییم، وهنا یتحول الجمهور من متلق للمنتج إلى مشارک فی تقییمه وصناعه سمعته.

التسریبات والشائعات قبل الإطلاق تسهم فی صناعه حاله من الترقب تشبه انتظار إصدار ألبوم أو فیلم جدید (شترستوک) الإنسان یرى شخصیه فی الآله
ثمه عامل آخر أکثر ارتباطا بعلم النفس، وهو سهوله إضفاء الصفات البشریه على النماذج، فالمستخدم لا یتعامل مع قاعده بیانات صامته، بل مع نظام یخاطبه بصیغه المحادثه، ویجیب عن الأسئله، ویشرح، ویعتذر، ویغیر أسلوبه وفق السیاق.
وتشیر دراسه منشوره حدیثا -تناولت أکثر من ألفی تفاعل بین البشر ونماذج اللغه الکبیره- إلى أن الدفء والتعاطف والکفاءه تؤثر فی مدى إدراک المستخدم للنموذج بوصفه شبیها بالإنسان، وکذلک فی الثقه به والشعور بالقرب منه. ووجد الباحثون أن الموضوعات الشخصیه، مثل النصائح المتعلقه بالعلاقات، تزید الإحساس بالطابع الإنسانی للنموذج مقارنه بالموضوعات الموضوعیه.
کما وجدت دراسه أخرى عن مجتمعات مستخدمی رفقاء الذکاء الاصطناعی ارتباطا بین التعبیر العاطفی الإیجابی ومیل المستخدمین إلى إضفاء صفات بشریه على روبوتات المحادثه.
وهذا یساعد فی تفسیر سبب الحدیث عن النماذج کما لو کانت کیانات لها شخصیه، فنموذج أکثر تحفظا، وآخر أکثر إبداعا، وثالث أفضل فی البرمجه. وهذه اللغه لیست وصفا علمیا دقیقا للنموذج، لکنها تعکس الطریقه التی یبنی بها المستخدم علاقه ذهنیه مع المنتج.
التسریبات تصنع النجومیه قبل الإطلاق
أصبح ما یسبق الإطلاق جزءا من المنتج نفسه، فالتسریبات والشائعات عن اسم النموذج، وقدراته، وموعد طرحه، وحجمه، وأسعاره، کلها تزید الاهتمام قبل أن یصل المنتج إلى الجمهور.
ویوضح أکسیوس أن مجتمعا من المهتمین بتسریبات نماذج الذکاء الاصطناعی بات یتابع حسابات ومجتمعات متخصصه لمناقشه الإصدارات المحتمله، فی حین أصبحت منصه إکس ساحه رئیسیه لهذه النقاشات، لکنها تحذر فی الوقت نفسه من أن تاریخ هذه الصناعه یثبت أن الشائعات لیست دائما دقیقه.
وهنا یظهر التشابه مع صناعه الترفیه، فالتسریب لا یقدم المنتج، لکنه یخلق قصه حوله، والقصه تجذب الجمهور قبل المنتج نفسه.

منصات المقارنه للمستخدمین أتاحت اختبار النماذج والتصویت لها، وهو ما حوّل تقییم الأداء إلى تجربه جماهیریه (شترستوک) الشرکات نفسها تعزز هذه الثقافه
تسهم شرکات الذکاء الاصطناعی فی صناعه هذه الهاله من خلال تقدیم النماذج باعتبارها قفزات کبیره، وإقامه عروض إطلاق، ونشر نتائج الاختبارات، وإبراز حالات الاستخدام الجدیده.
وفی الوقت نفسه، أصبحت النماذج جزءا من منظومات تقنیه ضخمه، فغوغل -على سبیل المثال- تقول إن جیمنای أصبح مدمجا فی منتجاتها المختلفه، من البحث إلى التطبیقات والأجهزه، بینما تصف أنثروبیک نماذجها الحدیثه بأنها قادره على تنفیذ مهام معقده باستخدام الأدوات والمتصفحات والطرفیات البرمجیه.
هذا الدمج یجعل النموذج أقرب إلى منصه مستمره التطور منه إلى برنامج یُشترى مره واحده، وکل تحدیث یمکن أن یغیر تجربه المستخدم، ولذلک یصبح إطلاق الإصدار الجدید حدثا یستحق المتابعه.
هل أصبح الذکاء الاصطناعی صناعه ترفیه؟
التشبیه بالألبومات الموسیقیه جذاب، لکنه لیس کاملا، فالموسیقی یبیع عملا فنیا، بینما النموذج هو نظام تقنی تتغیر قیمته وفق الدقه والسرعه والتکلفه والأمان والقدره على تنفیذ المهام.
مع ذلک، هناک تحول ثقافی واضح، وهو أن الجمهور أصبح یتابع النماذج، ویکوّن مجتمعات حولها، ویختبرها ویقارن بینها، وینتظر الإصدارات الجدیده ویتفاعل مع شخصیاتها الصوتیه واللغویه. ویعزز ذلک الانتشار الهائل للذکاء الاصطناعی، إذ یقدّر ستانفورد إیه آی إندکس أن الذکاء الاصطناعی التولیدی وصل إلى نحو 53% من سکان العالم خلال ثلاث سنوات فقط، بوتیره أسرع من انتشار الحاسوب الشخصی أو الإنترنت فی مراحل تبنیهما الأولى.
لذلک، قد لا یکون الذکاء الاصطناعی قد أصبح "صناعه ترفیه" بالمعنى التقلیدی، لکنه اکتسب إحدى أهم خصائصها، وهی صناعه جمهور ینتظر، ویتابع، ویقارن، ویجادل، ویکوّن ولاء تجاه أسماء ومنتجات بعینها.
ومع استمرار انتقال النماذج من الإجابه عن الأسئله إلى تنفیذ المهام والتفاعل بالصوت والصوره والعمل بصوره أکثر استقلالیه، یبدو أن نجوم الذکاء الاصطناعی سیصبحون جزءا أکثر وضوحا من الثقافه الرقمیه، لا مجرد أسماء فی أوراق الأبحاث.
المصدر: الجزیره