وکاله آریا للأنباء - لبنانیه تحمل صوره أحد أقاربها المفقود منذ عقود بلا نهایه للغیاب (الجزیره)
بیروت- تضمّ حسناء عبد الله العلی إلى صدرها صورا لم یکبر أصحابها مع الزمن. فی إحداها والدها، وفی الأخرى أخوها. وبقی الاثنان شابین فی الصور، أما هی فکبرت حامله السؤال نفسه: أین انتهت بهما الحرب؟
وتختلط على وجه حسناء ملامح التعب برجاء لم ینطفئ، عندما جاءت إلى فعالیه "حقّکن تعرفوا" فی بیروت ، لمناسبه الیوم العالمی للمفقودین والمخفیین قسرًا، لا لتستعید ذکرى الحرب فقط بل لتطالب بحق ما یزال حاضرا فی حیاتها: أن تعرف مصیر أبیها الذی فُقد عام 1988 فی جنوب لبنان ، وأخیها الذی فُقد فی بیروت.
وکانت والدتها، کما تقول للجزیره نت، على فراش الموت تتمنى أن تراهما ولو لمحه، ورحلت الأم وبقی الانتظار، وبقیت حسناء لا تعرف إن کانا أسیرین أو جریحین أو متوفیین. ولا تملک حتى قبرا تذهب إلیه، ولا مکانا تضع فیه ورده، وهکذا انتهت حکایه من تحب.

44 عامًا من الانتظار ولا تزال عایٔلات مفقودی لبنان تتمسک بالحق فی معرفه الحقیقه (الجزیره) تقول حسناء إن معرفه الوفاه، على قسوتها، قد تمنح القلب شیئا من الراحه، فأن تعرف العائله أن أحد أحبّائها مات، وأن یکون له قبر تزوره، أهون من أن تبقى معلقه بین الأمل والخوف. وحتى الجیل الجدید فی العائله یسأل عن الغائبین، عن أشخاص لم یرهم، لکنه ورث غیابهم کما ورث السؤال عنهم.
ولیست حکایه حسناء استثناءً، فإلى جانبها تقف عائلات حملت صور أبنائها وإخوتها وأزواجها لعقود، وما تزال تعود فی کل مناسبه لتقول الجمله نفسها: نرید أن نعرف.
نجیه سری واحده من هؤلاء، منذ 44 عاما وهی تطالب بمعرفه مصیر زوجها الذی فُقد عام 1982، وکان فی سن 25 عاما. تغیّرت البلاد وتبدلت الأجیال، ومات آباء وأمهات وهم ینتظرون أبناءهم، لکن السؤال بقی کما هو.
وتقول نجیه للجزیره نت إن الاجتماعات تکررت، والاتصالات مع الجهات المعنیه لم تتوقف، وتواصلت العائلات مع اللجنه الدولیه للصلیب الأحمر ، لکن الإجابه التی تنتظرها لم تصل.
الهیئه تتجدد والانتظار مستمر
القضیه لیست حالات فردیه متفرقه، فبحسب سجل للشرطه اللبنانیه صدر عام 1991، أحصیت نحو 17 ألفا و415 حاله اختفاء خلال الحرب الأهلیه ، مع الإشاره إلى أن الرقم لا یمثل إحصاءً نهائیًا مدققًا لکل حالات المفقودین. ووراء هذا الرقم آلاف القصص والعائلات التی بقیت معلقه على احتمال، وآلاف الصور التی لم تعد مجرد ذکریات عائلیه، بل تحولت إلى أدله على وجود أشخاص انقطعت أخبارهم.
وقد بدأت لجنه أهالی المخطوفین والمفقودین فی لبنان تحرکها عام 1982، أی قبل أن یصبح للمفقودین إطار قانونی بنحو 36 عاما. اعتصامات وتحرکات ورسائل إلى المسؤولین وحملات متکرره، وکل ذلک لم یکن لاستعاده الماضی، بل للبحث عن أشخاص لم تعرف عائلاتهم حتى الیوم أین انتهت قصصهم.
وبعد سنوات طویله من المطالبه، جاء القانون اللبنانی رقم (105) عام 2018 الخاص بالمفقودین والمخفیین قسرًا، لیضع القضیه للمره الأولى ضمن إطار قانونی واضح، ویعترف بحق العائلات فی معرفه مصیر أبنائها وأماکن وجودهم.
ولم یکتف القانون بحق المعرفه بل وضع آلیات یفترض أن تقود إلى الحقیقه، من جمع المعلومات وحمایتها، إلى إنشاء قاعده بیانات للحمض النووی، وتقفی أثر المفقودین، وتحدید أماکن الدفن المحتمله، والعمل على استخراج الرفات والتعرف إلى أصحابها. لکن بین النص القانونی وما تنتظره العائلات لا تزال هناک مسافه.

"حقّکن تعرفوا" فعالیه تعید التذکیر بملف مفقودی لبنان (الجزیره) تتبع العینات
فی هذا الملف، یمکن لعینه بیولوجیه صغیره أن تحمل إجابه لعائله بأکملها. فمنذ سنوات، تعمل اللجنه الدولیه للصلیب الأحمر على جمع المعلومات المتعلقه بالمفقودین، کما تدعم جمع العینات البیولوجیه من عائلاتهم، تمهیدًا لمقارنتها مستقبلًا مع عینات من رفات قد یُعثر علیها.
وبالنسبه لعائله تنتظر منذ 4 عقود، لا تبدو العینه مجرد إجراء تقنی. إنها احتمال أن تتحول صوره قدیمه إلى اسم، واسم إلى مصیر، ومصیر إلى قبر یمکن زیارته.
ولهذا یکتسب البحث عن مواقع الدفن المحتمله أهمیه خاصه، إذ أعطى القانون الهیئه الوطنیه صلاحیات مرتبطه بتحدید هذه المواقع والتنقیب عنها واستخراج الرفات، لکن الوصول إلى هذه المواقع یحتاج إلى معلومات وأرشیفات وشهادات وتعاون مؤسساتی، ثم إلى عملیات بحث علمیه دقیقه، وهی مراحل تجعل الطریق إلى الحقیقه طویلًا ومعقدًا.
فی عام 2020، شکّل مجلس الوزراء الهیئه الوطنیه للمفقودین والمخفیین قسرًا، لتتولى العمل على الملف ضمن إطار مؤسساتی. وفی عام 2025 عادت الهیئه إلى الواجهه مع تعیین أعضاء جدد، فیما صدرت إجراءات مرتبطه بعملها وأنظمتها ودعمها، فی وقت تواصل فیه اللجنه الدولیه للصلیب الأحمر تقدیم الدعم التقنی وجمع المعلومات وتوثیقها.
وأدى أعضاء الهیئه الجدیده الیمین أمام رئیس الجمهوریه، فی خطوه أعادت تحریک الملف على المستوى المؤسساتی، وسط تأکید رسمی على حق العائلات فی معرفه الحقیقه.
لکن بالنسبه إلى العائلات، لا تختصر المسأله فی تشکیل هیئه أو إصدار قانون أو تنظیم فعالیه. فالنتیجه التی ینتظرونها أبسط وأکثر قسوه فی الوقت نفسه: اسم، ومعلومه، ومکان، ومصیر.

عایٔلات المفقودین فی لبنان تتمسک بحق معرفه مصیرهم (الجزیره) احتمالات
من بلده "خِیار العزونیه" جاء فوزی عماد حاملا أکثر من اسم: شقیق زوجته فرید الککاش، وابن عمه شاهین عماد، إضافه إلى شاب آخر من البلده یدعى أیمن سلیم، فُقدوا جمیعًا عام 1982. ورغم مرور أکثر من 40 عامًا، وما تزال الأسئله نفسها: هل هم أحیاء؟ هل توفوا؟ أین أصبحوا؟ وهل هناک جثمان یمکن استعادته؟
ویقول فوزی للجزیره نت إن العائلات لا تطلب المستحیل. إنها ترید الحقیقه، مهما کانت مؤلمه. وإذا کانوا قد توفوا، ترید أن تعرف. وإذا کان هناک رفات، ترید استعادته. وإذا کانوا على قید الحیاه، ترید أن تعرف مکانهم.
وتتحدث بعض العائلات عن احتمال وجود مفقودین فی سجون سوریا، أو لدى جهات وأطراف امتلکت معلومات عنهم، لکن من دون إجابه موثوقه تبقى کل الاحتمالات قائمه.
وفی مسرح المدینه، حیث اجتمعت العائلات لإحیاء الیوم العالمی للمفقودین والمخفیین قسرًا، تعود القضیه إلى واجهه النقاش العام. ولا ترى وداد حلوانی (رئیسه لجنه أهالی المخطوفین والمفقودین فی لبنان) فی إحیاء هذا الیوم مجرد مناسبه سنویه، بل هو تذکیر بأن قضیه مفقودی الحرب اللبنانیه لم تنته، وأن آلاف العائلات لا تزال تنتظر الحقیقه.
وتقول فی حدیثها للجزیره نت إن فعالیه هذا العام تحمل بعدًا آخر، هو الترکیز على الشباب، لیس لاستعاده الحرب من أجل البکاء على الماضی، بل حتى یعرف جیل جدید أن فی تاریخ بلده آلاف الأشخاص الذین اختفوا، وآلاف العائلات التی عاشت آثار ذلک الاختفاء، وأن معرفه الحقیقه جزء من منع تکرار المأساه. فالمفقود الذی لا یعرف مصیره لا یبقى قضیه عائلیه فقط، بل یصبح جزءًا من ذاکره بلد لم یغلق بعد أحد أکثر فصول تاریخه إیلامًا.

اللجنه الدولیه للصلیب الأحمر تدعم أهالی المفقودین (الجزیره) ملف لا تنتهی صلاحیته
وتعمل اللجنه الدولیه للصلیب الأحمر على ملف المفقودین فی لبنان منذ عقود، ویؤکد منسق الشؤون الإنسانیه الدکتور شوقی أمین الدین -للجزیره نت- أن مرور السنوات لا یمحو الفقدان الذی عاشته العائلات، وأن اللجنه تواصل دعم الأهالی وتقدیم الدعم التقنی للهیئه الوطنیه، إلى جانب جمع المعلومات وتوثیقها، أملًا فی الوصول إلى إجابات.
وبالنسبه للجنه، لا یتعلق الأمر بملف قدیم انتهت صلاحیته بمرور الزمن، بل بحق إنسانی لا یسقط مع مرور السنوات. وبالنسبه إلى العائلات، فإن کل یوم یمر من دون إجابه یعنی یومًا آخر من الانتظار.
وبین صوره تحملها حسناء، واسم محفوظ فی ملف، وعینه بیولوجیه تنتظر المطابقه، یبقى السؤال نفسه حیًا: أین هم؟
المصدر: الجزیره