وکاله آریا للأنباء -
أعاد التفاهم الإیرانی العُمانی بشأن إنشاء ممر ملاحی مؤقت عبر مضیق هرمز الأمل فی إخراج أحد أکثر الممرات البحریه حساسیه من دائره التعطیل. لکن الإعلان، فی صیغته الحالیه، لا یمثل عوده تلقائیه إلى الملاحه المنتظمه، بقدر ما یرسم إطارا أولیا لاختبار طریق عبور تحت شروط أمنیه وسیاسیه لم تُحسم عناصرها بعد.
فقد تحدث البیان المشترک عن ممر مؤقت، ومشروع مشترک لتطهیر المضیق من الألغام، إلى جانب مفاوضات فنیه لاحقه للتوصل إلى اتفاق بشأن ممر دائم وترتیبات إداره الحرکه وتبادل المعلومات والخدمات الملاحیه والأمنیه. وهذا یعنی أن ما أُعلن هو بدایه مسار تشغیلی وسیاسی، لا صیغه نهائیه جاهزه لعوده السفن.
اقرأ أیضا
list of 1 item list 1 of 1 کیف تبدو الملاحه فی مضیق هرمز بعد انتهاء مهله التفاهم؟.. بیانات ملاحیه تجیب end of list وفی التحلیل العسکری الذی بثته الجزیره، تتقدم 3 اختبارات على أی إعلان دبلوماسی: هل الممر صالح للملاحه فعلا؟ من یضبط قواعده؟ وهل یستطیع أن یمنح شرکات الشحن والتأمین ما یکفی من الثقه للعوده؟

لقاء وزیری الخارجیه الإیرانی والعمانی فی طهران لبحث تنظیم عبور السفن عبر مضیق هرمز، 25 أغسطس/آب 2026. (الفرنسیه) 7 أمیال لا تصنع ممرا آمنا وحدها
وفق ما جاء فی العرض التفاعلی للجزیره، صرّح نائب وزیر الخارجیه الإیرانی أن عرض الممر المقترح یبلغ 7 أمیال بحریه. لکن اللواء محمد عبد الواحد، الخبیر فی الشؤون الإستراتیجیه والأمن البحری، أوضح أن التعامل مع هذا الرقم لا ینفصل عن جغرافیا المضیق عند أضیق نقاطه، التی تقدر بنحو 21 میلا بحریا.
ولا تتوقف المسأله هنا على رسم خط على الخریطه، بل تتعلق بقدره ناقلات النفط والسفن التجاریه الکبیره على عبور طریق ضیق ضمن أعماق مناسبه، مع توفر هامش کاف للمناوره عند حدوث عطل أو حریق أو تصادم أو توقف مفاجئ لإحدى السفن.
ففی الممرات البحریه الحساسه، قد یتحول حادث واحد إلى إغلاق فعلی، حتى لو بقیت الترتیبات السیاسیه قائمه. لذلک لا یکفی أن یکون للمسار عرض معلن؛ بل یحتاج إلى إحداثیات واضحه، وخرائط ملاحیه محدثه، ومسارات فصل حرکه، وقواعد طوارئ، ومعلومات یمکن للقباطنه وشرکات التأمین الاعتماد علیها قبل الإبحار.

خریطه تُظهر مسارات العبور المتداوله فی مضیق هرمز بین السواحل الإیرانیه والعُمانیه، فی ظل بحث طهران ومسقط ترتیبات مؤقته لتنظیم حرکه السفن (الجزیره) الألغام.. من التفاهم إلى قابلیه التحقق
یتضمن الإطار المقترح مشروعا إیرانیا عُمانیا مشترکا لتطهیر المضیق من الألغام، ولا تُعد هذه النقطه تفصیلا مکملا، بل تُشکل شرطا مسبقا لتشغیل أی ممر بصوره مستقره.
لکن ملف الألغام تحیط به روایات متعارضه؛ إذ أعلنت واشنطن إزاله الألغام أو تفجیرها فی المیاه الدولیه، بینما تنفی طهران صحه ما تقوله الولایات المتحده عن إزاله الألغام أو سیطرتها على المضیق، بحسب ما أورده مراسل الجزیره من طهران.
لذلک، لا یصح الجزم بوجود ألغام فی کامل المسار أو بتطهیره فعلا. الأدق أن مشروع التطهیر نفسه یعکس أن سلامه الممر لم تصبح بعد حقیقه تشغیلیه متفقا علیها.
وبالنسبه لشرکات الشحن، لا تمنح التصریحات السیاسیه وحدها ضمانه کافیه. ما یهمها هو مسح بحری موثوق، وإشعارات ملاحیه واضحه، وآلیه معلنه للإبلاغ عن المخاطر والاستجابه للحوادث، قبل اتخاذ قرار بإعاده السفن إلى طریق لا یزال جزء من أمنه محل نزاع.
من یضبط بوابه العبور؟
لا یقل سؤال السیطره حساسیه عن سؤالی الأعماق والألغام، وبحسب الشرح الذی قدمه محمود الزیبق على الشاشه التفاعلیه، ترید إیران أن یکون مسار الدخول إلى المضیق عبر میاهها الإقلیمیه، مع توزیع حرکه الخروج بین مسار فی المیاه الإیرانیه وآخر یمر بجزء من المیاه العُمانیه. وتقول طهران إن هذا الترتیب یستهدف ضمان أن تکون حرکه الدخول تجاریه، ومنع دخول وحدات عسکریه أمریکیه أو ما تصفها بوحدات معادیه.
غیر أن هذه الهندسه لا تبدو مجرد ترتیب ملاحی؛ فهی تنقل النقاش إلى من یراقب السفن، ومن یضع قواعد الإبلاغ، وما حدود التفتیش أو الاعتراض، ومن یملک قرار تعلیق العبور عند التوتر.
وفی هذا الصدد، یرى اللواء عبد الواحد أن اقتراب المسارات من المیاه الإقلیمیه الإیرانیه یضعها، من منظور طهران، ضمن نطاق السیطره وإداره النیران، وهی نقطه قد تثیر تحفظات الولایات المتحده والدول الغربیه.
ویوضح هذا التقدیر العسکری سبب عدم کفایه رسم المسار لإیجاد ضمانه ملاحه؛ فالسفینه التجاریه لا تحتاج إلى طریق واضح فحسب، بل إلى قواعد عبور مستقره لا تتبدل بتبدل مستوى التوتر.
ممر إقلیمی لا فتح کامل
من جهته، أوضح مراسل الجزیره فی طهران، بابا ولد حرمه أن طهران تقدم الممر المقترح بوصفه ترتیبا إقلیمیا بإشراف إیرانی عُمانی، لا عوده غیر مشروطه إلى قواعد الملاحه السابقه.
کما تفرّق إیران بین التفاهم على ممر مرحلی وبین إعاده فتح المضیق بالکامل، إذ تربط الأخیره -بحسب موقفها المعلن- بتنفیذ الولایات المتحده التزامات وارده فی مذکره التفاهم بین الطرفین. وقد أکد مسؤول إیرانی أن الترتیبات الجدیده لا تعنی إعاده فتح الممر قبل الوفاء بتلک الالتزامات.
وهنا تتضح دلاله کلمه "مرحلی"، إذ لا تشکل وصفا زمنیا فقط، بل تعد تظهیرا لتسویه محدوده. فالممر المؤقت یعید تنظیم العبور، لکنه لا یسحب من مضیق هرمز وظیفته کورقه ضغط فی الصراع الأوسع بین طهران وواشنطن.

تأثیر الاضطرابات المباشر على مضیقی هرمز وباب المندب (الجزیره) المقیاس الحقیقی: عوده السفن
وبناء على ذلک، لا یمکن قیاس نجاح التفاهم بمجرد الإعلان عنه أو بأثره اللحظی على أسعار النفط، بل بقدرته على إعاده حرکه السفن بصوره منتظمه وآمنه.
وقد أظهرت بیانات رصدتها وحده المصادر المفتوحه فی الجزیره یومی 18 و19 أغسطس/آب أن حرکه المرور لم تتوقف تماما رغم إعلان طهران إغلاق المضیق، لکنها بقیت أقل کثیرا من مستویاتها المعتاده، مع استمرار عبور سفن عبر المسار العُمانی.
کما شددت الوحده على أن بیانات التتبع المفتوحه لا تمثل بالضروره کافه السفن بسبب إمکان إطفاء أجهزه الإشاره أو عدم إتاحه بیاناتها علنا.
وعلیه، فإن السؤال الأهم لیس: هل اتفقت إیران وعُمان على خط عبور؟ بل: هل یستطیع هذا الخط أن یعمل بشکل متصل، من دون حوادث أو اعتراضات أو شروط متغیره، وبما یطمئن قباطنه السفن وشرکات التأمین؟
وحتى تتضح المعالم الإجرائیه، یبقى ممر هرمز المقترح ترتیبا واعدا لکنه محدود؛ فهو ینطوی على اتفاق على مسار للعبور، لا تسویه حاسمه لحریه الملاحه.
المصدر: الجزیره