وکاله آریا للأنباء - لم تأت الزیاده الجدیده فی أسعار المشتقات النفطیه فی سوریا بمعزل عن تطورات سوق الطاقه، وإنما جاءت فی ظرف استثنائی تواجه فیه الحکومه ارتفاعا فی کلفه تأمین المحروقات.
فبالتزامن مع دخول مصفاه بانیاس فی عملیه صیانه وتأهیل واسعه. وبحسب وزاره الطاقه، فإن التسعیره الجدیده مؤقته وتهدف قبل کل شیء إلى ضمان استمرار وصول المشتقات النفطیه إلى السوق المحلیه وعدم حدوث نقص فی الإمدادات.
وأصدرت اللجنه الدائمه لتحدید أسعار المواد البترولیه والثروات المعدنیه نشره جدیده بدأ تطبیقها اعتبارا من منتصف لیل السبت ـ الأحد، حددت بموجبها سعر لیتر بنزین أوکتان 95 عند 195 لیره سوریه جدیده، وبنزین أوکتان 90 عند 185 لیره، والمازوت عند 175 لیره، فیما بلغ سعر أسطوانه الغاز المنزلی 1600 لیره والصناعی 2560 لیره.

ریف دمشق یشهد أزمه نقل بعد رفع أسعار المحروقات والسائقون یطالبون برفع الأجور
ووصفت اللجنه هذه الأسعار بأنها "مؤقته"، فی إشاره إلى إمکانیه مراجعتها مع تغیر ظروف السوق والإمدادات.
ارتفاع کلفه الاستیراد هو العامل المباشر
تستند الحکومه فی تفسیرها للقرار إلى ارتفاع غیر اعتیادی فی تکلفه تأمین المشتقات النفطیه من الأسواق الخارجیه.
ولا یتعلق الأمر فقط بسعر النفط الخام، إذ إن السعر النهائی الذی تتحمله الدوله لاستیراد البنزین والمازوت یتأثر أیضا بأسعار المنتجات المکرره، وأجور الشحن والتأمین والنقل، فضلاً عن ظروف الإمداد فی الأسواق الدولیه.
وتأتی هذه التطورات فی وقت تشهد فیه أسواق الطاقه العالمیه ضغوطاً استثنائیه.
فقد حذرت وکاله الطاقه الدولیه من انخفاض کبیر فی إمدادات النفط العالمیه خلال 2026 بسبب استمرار اضطرابات مرتبطه بالصراع فی الشرق الأوسط، بینما سجلت أسواق المشتقات المکرره ارتفاعات حاده مع تراجع الإمدادات والمخزونات.
وبالتالی، فإن تثبیت الأسعار المحلیه عند مستویات أقل کثیرا من تکلفه تأمین الوقود یمکن أن یؤدی إلى اتساع الفجوه التی تتحملها الدوله، وهو ما یفرض إما زیاده الإنفاق العام على دعم المحروقات أو خفض الکمیات المستورده، الأمر الذی قد ینعکس فی صوره نقص فی الأسواق.

احتجاجات وقطع طرق فی مناطق سوریه رفضا لارتفاع أسعار المحروقات
من هذه الزاویه، یمکن قراءه القرار باعتباره محاوله لتحقیق توازن بین استمرار الإمدادات من جهه، وتکالیف تأمینها من جهه أخرى.
صیانه مصفاه بانیاس تزید الحاجه إلى الاستیراد
العامل الثانی والأکثر ارتباطا بتوقیت القرار هو مصفاه بانیاس.
وتخضع المصفاه حالیا لأوسع عملیه صیانه وتأهیل تشهدها، فی مشروع یستهدف رفع قدرتها على معالجه النفط إلى نحو 130 ألف برمیل یومیا بعد اکتمال أعمال التطویر.
وتشمل العملیه صیانه وحدات إنتاجیه ومعدات رئیسیه، ما یعنی أن قدره التکریر المحلیه تکون تحت ضغط خلال فتره الأعمال.
وهنا تظهر أهمیه وصف التسعیره بأنها "مؤقته"
فالحکومه تقول عملیا إن جزءا من الضغط الحالی على الأسعار مرتبط بظرف استثنائی، فالمصفاه لا تعمل بکامل طاقتها خلال فتره الصیانه، وبالتالی تحتاج سوریا إلى الاعتماد بصوره أکبر على المشتقات المستورده الجاهزه.

الطاقه السوریه: تعدیل أسعار المشتقات النفطیه مؤقت ومرتبط بعمره مصفاه بانیاس
وبما أن شراء البنزین والمازوت الجاهزین من الخارج أکثر ارتباطاً بالأسعار العالمیه من إنتاجهما محلیاً، فإن ارتفاع کلفه الاستیراد ینعکس سریعاً على کلفه توفیر الوقود فی الداخل.
لماذا لم تثبت الحکومه الأسعار السابقه؟
کان سعر المازوت قبل الزیاده الأخیره 125 لیره سوریه جدیده، وارتفع إلى 175 لیره، أی بزیاده تبلغ 40%. کما ارتفع بنزین أوکتان 95 من 152 إلى 195 لیره، وبنزین أوکتان 90 من 147 إلى 185 لیره.
لکن هذه لیست أول مراجعه للأسعار خلال عام 2026، ففی یونیو، خفضت وزاره الطاقه أسعار عدد من المشتقات، إذ وصل سعر بنزین أوکتان 90 إلى 125 لیره والمازوت إلى 107 لیرات. ثم عادت الأسعار إلى الارتفاع فی سبتمبر مع تغیر ظروف السوق.
وهذه الحرکه صعودا وهبوطا مهمه لفهم السیاسه الجدیده: الحکومه لا تتعامل مع السعر باعتباره رقماً ثابتاً غیر قابل للتغییر، وإنما تحاول ربطه بدرجه أکبر بتکلفه تأمین الوقود وظروف السوق.
وهذا یفسر أیضا تشکیل اللجنه الدائمه لتحدید أسعار المواد البترولیه والثروات المعدنیه فی یونیو، لتتولى دراسه الأسعار وفق مجموعه من المتغیرات، بینها الأسعار العالمیه والتکالیف وسعر الصرف وآلیات الدعم، وتحدیثها دوریا.
لماذا اختارت الحکومه رفع الأسعار بدلاً من تحمل الفارق؟
من منظور مالی، توجد أمام الدوله خیارات محدوده عندما ترتفع تکلفه الاستیراد.

وزاره النفط العراقیه: المضی بإجراءات تنفیذ مشروع أنبوب البصره – حدیثه – کرکوک – بانیاس
الخیار الأول هو إبقاء الأسعار المحلیه منخفضه وتحمل الفارق من الموازنه العامه. لکن استمرار هذا النهج یعنی زیاده الإنفاق الحکومی على الدعم فی وقت تواجه فیه المالیه العامه السوریه أصلاً ضغوطاً کبیره.
الخیار الثانی هو تقلیص الاستیراد أو الکمیات المطروحه فی السوق، وهو ما یمکن أن یؤدی إلى نقص الوقود وظهور طوابیر أو سوق موازیه وارتفاع أکبر فی الأسعار خارج القنوات الرسمیه.
أما الخیار الثالث فهو تعدیل الأسعار جزئیا بما یجعل تکلفه توفیر الوقود أقرب إلى التکلفه الفعلیه، مع إبقاء الباب مفتوحا أمام تخفیضها عندما تنخفض تکالیف الاستیراد.
ویبدو أن التسعیره الجدیده تنتمی إلى الخیار الثالث ، مع التأکید الرسمی على أنها مؤقته.
وبهذه القراءه، لا یعنی القرار بالضروره أن الحکومه تتجه إلى رفع الأسعار بصوره دائمه، بل إنها تحاول منع فجوه کبیره بین تکلفه تأمین الوقود وسعر بیعه محلیاً خلال فتره استثنائیه.
ماذا عن الاحتجاجات فی شرق سوریا؟
الاحتجاجات التی شهدتها مناطق من الحسکه ودیر الزور والرقه الیوم تعکس الجانب الآخر من المعادله.
فمن وجهه نظر السکان، ارتفاع سعر المازوت والبنزین لا یبقى محصوراً فی محطات الوقود، وإنما یمکن أن ینتقل إلى أجور النقل وتکلفه نقل المنتجات الزراعیه وتشغیل الآلیات والمولدات، ثم إلى أسعار السلع والخدمات.
ولهذا فإن الحساسیه تجاه أسعار المحروقات تکون مرتفعه بصوره خاصه فی المناطق الزراعیه والریفیه، حیث یمثل الوقود أحد عناصر التکلفه الأساسیه للنشاط الاقتصادی.
وقد شهدت مناطق شرقی سوریا بالفعل تحرکات احتجاجیه الیوم اعتراضا على الأسعار الجدیده، فیما تحدثت تقاریر محلیه عن تجمعات فی الحسکه ودیر الزور والرقه. وتؤکد التغطیات المنشوره أن العامل المباشر وراء الاحتجاجات هو الزیاده الجدیده فی أسعار الوقود.
لکن وجود احتجاجات على القرار لا یلغی بالضروره الأسباب الاقتصادیه التی استندت إلیها الحکومه، بل یکشف عن التوتر بین ضروره تأمین الوقود من جهه، والقدره الشرائیه للمستهلک من جهه أخرى.
لماذا قد یکون القرار قابلا للتراجع؟
أهم ما یمیز التسعیره الحالیه هو أن الحکومه لم تقدمها باعتبارها سعرا نهائیا.
فإذا تحسنت ظروف الاستیراد، وانخفضت أسعار المشتقات العالمیه، أو عادت مصفاه بانیاس إلى العمل بکفاءه أعلى بعد انتهاء أعمال الصیانه، فإن کلفه تأمین الوقود یمکن أن تنخفض، وهو ما یوفر أساساً لإعاده النظر فی الأسعار.

خطه ترامب بین الواقع والخیال.. هل تتحول بادیه سوریا إلى ممر بدیل عن مضیق هرمز؟
وبالمقابل، إذا بقیت أسعار المشتقات العالمیه مرتفعه واستمرت تکالیف النقل والتأمین والاستیراد فی الارتفاع، فقد تبقى الأسعار عند مستویاتها الحالیه لفتره أطول.
وهذا یجعل عوده المصفاه إلى العمل الطبیعی وتطور أسعار الطاقه العالمیه عاملین أساسیین فی تحدید مستقبل التسعیره السوریه.
ویمکن فهم القرار السوری باعتباره محاوله لإداره مرحله انتقالیه صعبه فی سوق الطاقه، ولیس مجرد قرار برفع أسعار المحروقات.
الحکومه تواجه فی الوقت نفسه ارتفاع کلفه تأمین المشتقات عالمیاً، وصیانه مصفاه بانیاس، والحاجه إلى الحفاظ على تدفق الوقود إلى السوق المحلیه، والضغط على المالیه العامه.
ومن هنا جاء اعتماد تسعیره أعلى، لکنها وُصفت رسمیا بأنها مؤقته وقابله للمراجعه.
المشکله أن معالجه فجوه کلفه الاستیراد من خلال الأسعار تنقل جزءاً من العبء إلى المستهلک، وهو ما یفسر ردود الفعل الشعبیه فی شرق سوریا.
وبالتالی، فإن نجاح السیاسه الجدیده لن یقاس فقط بقدره الحکومه على تأمین البنزین والمازوت، وإنما أیضاً بقدرتها على إداره المرحله الانتقالیه بحیث لا یتحول السعر المؤقت إلى عبء دائم على الأسر والمنتجین وقطاع النقل، وبمدى انعکاس تحسن الإمدادات وعوده طاقه التکریر فی بانیاس على الأسعار لاحقا.
المصدر: RT