وکاله آریا للأنباء - ارتفاع کلفه النقل والطاقه یضاعف الضغوط على الأسر اللبنانیه (الجزیره)
بیروت – فی نهایه کل شهر، لا یبدأ خلیل الأحمد حساب راتبه من الطعام أو فواتیر المنزل، بل من الطریق. فقبل أن یعرف ما الذی سیبقى له ولعائلته، علیه أن یحسب کلفه الوصول إلى عمله والعوده منه، بعدما تحولت المواصلات إلى بند ثابت یقتطع جزءا متزایدا من دخله.
یقول الأحمد للجزیره نت، إن راتبه بقی تقریبا على حاله، بینما تتغیر کلفه التنقل باستمرار: "الراتب نفسه تقریبا لکن کلفه الطریق عم تزید"، وبین أجره النقل أو کلفه الوقود، یجد نفسه مضطرا إلى إعاده ترتیب مصروف الأسره أکثر من مره خلال الشهر.
قصص مقترحه
list of 3 items list 1 of 3 من البنزین إلى "الأمبیرات".. فاتوره الوقود تثقل کاهل اللبنانیین list 2 of 3 سقوط “سویسرا الشرق”.. کیف انهار النظام المصرفی اللبنانی؟ list 3 of 3 تحویلات المغتربین.. طوق النجاه الأخیر للبنانیین وسط الحرب end of list المشکله، فی نظره، لیست فی زیاده واحده، بل فی تراکمها. فحین ترتفع کلفه الطریق، لا یبقى الأثر محصورا فی المواصلات، بل یمتد إلى الطعام والسلع والخدمات التی تصل إلى المنزل عبر سلسله من عملیات النقل.
فی لبنان ، حیث ما تزال الأسر تواجه آثار الأزمه المالیه والاقتصادیه الممتده منذ عام 2019، تحولت کلفه التنقل إلى أحد العوامل التی تحدد ما تستطیع الأسره شراءه، وأین تستطیع أن تعمل أو تدرس، وما الذی یمکن الاستغناء عنه فی نهایه الشهر.
الطریق یقتطع من الدخل
ارتفع الحد الأدنى الرسمی للأجور إلى 28 ملیون لیره لبنانیه شهریا اعتبارا من أغسطس/آب 2025، وفقا للمرسوم الرسمی الذی وثقه الصندوق الوطنی للضمان الاجتماعی.
لکن ارتفاع الأجر الاسمی لا یعنی بالضروره تحسنا مماثلا فی القدره الشرائیه، فقد سجل مؤشر أسعار المستهلک فی لبنان ارتفاعا سنویا نسبته 15.69% فی یولیو/تموز 2026 مقارنه بالشهر نفسه من العام السابق، وفق إداره الإحصاء المرکزی.
وهکذا یجد الموظف نفسه أمام معادله مختلفه: راتب ارتفع فی السنوات الماضیه، لکن أسعار السلع والخدمات ارتفعت أیضا، فیما أصبحت کلفه الوصول إلى مکان العمل جزءا أساسیا من کلفه الوظیفه نفسها.
فالموظف الذی یسکن بعیدا عن مکان عمله لا یدفع ثمن الوقود فقط إذا کان یستخدم سیارته، بل یتحمل أیضا الصیانه، أو یدفع أجره النقل یومیا. ومع تکرار الرحله عشرات المرات خلال الشهر، یتحول المبلغ إلى کلفه ثابته لا یمکن تجاهلها.
لهذا بدأت المسافه بین المنزل والعمل تدخل فی الحسابات الاقتصادیه للأسره، فالوظیفه ذات الراتب الأعلى قد لا تعنی دخلا أکبر فعلیا إذا کانت تحتاج إلى تنقل مکلف، بینما تصبح الوظیفه الأقرب أکثر جاذبیه عندما یلتهم الطریق جزءا کبیرا من الأجر.

ارتفاع کلفه المحروقات یضغط مباشره على میزانیه الأسره (الجزیره) من سعر الوقود إلى سعر الخبز
ولا تنتهی کلفه الوقود عند خزان السیاره، ففی 17 سبتمبر/أیلول الجاری، رفعت وزاره الاقتصاد والتجاره سعر ربطه الخبز الأبیض الوسط فی صالات الأفران من 75 ألف لیره إلى 80 ألفا، کما حددت سعرها فی المحلات التجاریه بـ95 ألف لیره، وعزت الوزاره القرار إلى ارتفاع تکالیف الإنتاج، مشیره إلى أن سعر المازوت تضاعف منذ بدایه الأزمه وأنه یشکل نحو 22% من کلفه إنتاج الخبز.
تکشف ربطه الخبز جانبا من العلاقه بین النقل والطاقه والغذاء، فالمازوت لا یستخدم لتشغیل الأفران فحسب، بل تدخل کلفه الطاقه والنقل فی مراحل متعدده من إنتاج السلع ونقلها وتوزیعها قبل أن تصل إلى المستهلک.
ولهذا فإن الأسره التی تدفع أکثر للوصول إلى العمل قد تدفع أیضا ثمنا أعلى لبعض السلع التی تصل إلى المتجر عبر شاحنات تحتاج بدورها إلى الوقود.
وبالنسبه إلى أحمد عباس، لا تقاس الزیاده بسعر سلعه واحده، یوضح للجزیره نت: "المشکله لیست فقط بالـ5 آلاف لیره، المشکله إنه کل یوم فی زیاده جدیده.. بنزین، خبز، أکل، مواصلات… والراتب نفسه".
هنا یصبح الضغط تراکمیا: زیاده فی النقل تعنی مبلغا أقل للطعام، وزیاده فی الطعام تعنی مبلغا أقل للتعلیم أو الصحه أو أی نفقات أخرى.

التضخم لا یظهر فقط فی مؤشر الأسعار بل فی سلوک المستهلک نفسه (الجزیره) تغیّر سله مشتریاتها
فی منزل أم علی، الأولویه للضروریات، فإذا ارتفعت کلفه الوقود والتنقل، یجری البحث عن التوفیر فی مکان آخر، وأحیانا یکون الطعام هو المجال الأسهل لإعاده ترتیب الإنفاق: کمیات أقل، أو سلعه أرخص، أو تأجیل شراء بعض المنتجات.
ولا تبدو هذه السلوکیات منفصله عن مسار أوسع رصده البنک الدولی فی لبنان، فقد أظهرت بیانات مسح للأسر أن 83% من الأسر لجأت إلى أغذیه أقل تفضیلا أو أرخص بسبب نقص الغذاء أو المال خلال الأسبوع السابق للمسح، وارتفعت النسبه إلى 91% بین الأسر الفقیره.
ومع ارتفاع الأسعار، لا تتغیر قیمه الفاتوره فقط بل تتغیر مکوناتها أیضا، فبدلا من السؤال عن مقدار ما تنفقه الأسره على الطعام، یصبح السؤال: ماذا تستطیع أن تشتری بهذا المبلغ؟
وهذه النقله مهمه اقتصادیا، لأنها تعنی أن التضخم لا یظهر فقط فی مؤشر الأسعار، بل فی سلوک المستهلک نفسه.

ارتفاع أسعار الوقود یمتد إلى الغذاء والنقل وسائر النفقات الأساسیه (الجزیره) السائق بین الراکب وکلفه التشغیل
فی الجهه الأخرى من الطریق، یواجه سائق الأجره "التاکسی" عادل معادله لا تقل صعوبه. رفع الأجره قد یعوّض جزءا من ارتفاع الوقود والصیانه، لکنه قد یجعل الراکب عاجزا عن تحمل الرحله، أما إبقاء التعرفه على حالها فیعنی أن جزءا أکبر من الإیرادات سیذهب إلى تشغیل السیاره.
وهکذا یجد السائق والراکب نفسیهما أمام المشکله ذاتها من جهتین مختلفتین: الأول یحاول تغطیه کلفه الخدمه، والثانی یحاول الحفاظ على قدرته على استخدامها.
ومع ارتفاع الکلفه، تصبح وسائل النقل الجماعی أو مشارکه السیارات خیارا اقتصادیا لا مجرد تفضیل فی التنقل، خصوصا بالنسبه إلى الأسر التی تضم أکثر من طالب أو موظف یحتاج إلى رحله یومیه.
التعلیم والعمل یدخلان الحساب
ولا تقتصر کلفه النقل على العامل، فالأسره التی تدفع یومیا لنقل أبنائها إلى المدرسه أو الجامعه تضیف بندا آخر إلى میزانیتها، وقد یصبح موقع المؤسسه التعلیمیه جزءا من القرار نفسه.
فکل رحله إضافیه تعنی وقودا أو أجره، وکل مسافه أطول تعنی کلفه أکبر، لذلک قد تضطر الأسر إلى اختیار مدارس أقرب، أو الاعتماد على النقل المشترک، أو تقلیص بعض الرحلات غیر الضروریه.
استهلاک أقل واقتصاد أبطأ
ویشرح الخبیر الاقتصادی والمالی الدکتور عماد عکوش أن ارتفاع الأسعار فی لبنان لا یمکن فصله عن تداعیات الحرب واضطراب سلاسل الإمداد، مشیرا إلى أن الصراع جاء لیضاعف أزمات قائمه أصلا، بینها التضخم وضعف اللیره وارتفاع کلفه التمویل.
ویقول عکوش، فی حدیثه للجزیره نت، إن اعتماد لبنان على الاستیراد لتأمین أکثر من 80% من احتیاجاته الغذائیه یجعله شدید الحساسیه لأی ارتفاع فی کلفه الطاقه والنقل والشحن، وقد انعکست الاضطرابات فی الأسواق العالمیه على الأسعار المحلیه، فی وقت ارتفعت فیه کلفه الشحن والتأمین والطاقه.
وبرأیه، لا یتوقف أثر ارتفاع أسعار المحروقات عند کلفه تعبئه السیاره، بل ینتقل إلى مختلف حلقات الاقتصاد، من النقل والتوزیع إلى أسعار السلع والخدمات، بما یضغط بصوره مباشره على القدره الشرائیه للأسر.
ویرى عکوش أن ارتفاع کلفه النقل والطاقه یضاعف الضغوط على الأسر اللبنانیه، خصوصا فی ظل غیاب شبکه نقل عام فعاله، إذ یصبح المواطن مضطرا إلى تحمل کلفه السیاره الخاصه أو اللجوء إلى وسائل نقل أخرى لا توفر دائما بدیلا منخفض الکلفه.
ویحذر عکوش من أن استمرار هذه الضغوط یعنی انتقال أثر الصدمه من قطاع إلى آخر، بحیث لا تبقى المشکله محصوره فی أسعار الوقود، وإنما تمتد إلى الغذاء والنقل وسائر النفقات الأساسیه، فتتراجع القدره الشرائیه للأسر بصوره متواصله.
المصدر: الجزیره