وکاله آریا للأنباء - احتمال رفع الفائده الأمریکیه فی أکتوبر/تشرین الأول تجاوز 60% (رویترز)
تدخل الأسواق العالمیه أسبوعا قد یکون من أکثر أسابیع الخریف حساسیه لمسار السیاسه النقدیه ، لیس لأن الاقتصاد الأمریکی یواجه خطر رکود وشیک، بل للمفارقه المعاکسه تماما، وهی أن یثبت أنه أقوى مما یحتاج إلیه الاحتیاطی الفدرالی فی معرکته مع التضخم ، فیدفعه ذلک إلى مواصله رفع أسعار الفائده لفتره أطول مما کانت تتوقعه الأسواق.
المعادله التی تواجه المستثمرین لم تعد محصوره فی مسأله قوه النمو الأمریکی، بل إن المشکله أن استمرار متانه سوق العمل والإنفاق بالتزامن مع تضخم یتراجع ببطء قد یحول قوه الاقتصاد نفسها إلى مصدر ضغط، عبر إبقاء السیاسه النقدیه مقیده، ودفع عوائد السندات والدولار إلى مستویات أعلى، ثم نقل هذه الموجه إلى تکلفه التمویل وأسعار الأصول والعملات والسلع خارج الولایات المتحده ، بما فی ذلک الاقتصادات العربیه.
قصص مقترحه
list of 2 items list 1 of 2 العقول بدلا من السلع.. لماذا یعتمد اقتصاد الهند على تصدیر کفاءاته؟ list 2 of 2 وفاه زوجه رئیس الوزراء المالیزی الأسبق مهاتیر محمد end of list وتترکز الأنظار على تقریر الوظائف لسبتمبر/أیلول، المقرر صدوره الجمعه الثانی من أکتوبر/تشرین الأول، وبیانات نفقات الاستهلاک الشخصی المقرر صدورها الأربعاء، إلى جانب بیانات فرص العمل. وتضع هذه الأرقام الأسواق أمام اختبار مباشر لمعرفه إذا ما کان رفع الفائده الأمریکیه فی سبتمبر/أیلول بدایه دوره تشدید جدیده أم خطوه یمکن للاحتیاطی الفدرالی أن یتوقف بعدها مؤقتا.
وکان الاحتیاطی الفدرالی قد رفع یوم 16 سبتمبر/أیلول نطاق الفائده بمقدار ربع نقطه مئویه إلى 3.75%–4%، فی أول زیاده منذ 3 سنوات، مشیرا إلى أن النشاط الاقتصادی یتوسع بوتیره قویه وأن الإنفاق المحلی لا یزال متماسکا، بینما یبقى التضخم مرتفعا.
سوق العمل.. الرقم الرئیسی لیس کل القصه
تتوقع استطلاعات رویترز أن یضیف الاقتصاد الأمریکی نحو 100 ألف وظیفه فی سبتمبر/أیلول، مع ارتفاع البطاله إلى نحو 4.2%. وتأتی التوقعات بعد مفاجأه قویه فی أغسطس/آب، عندما أضاف الاقتصاد 162 ألف وظیفه، مقابل 21 ألفا فقط فی یولیو/تموز، بینما استقر معدل البطاله عند 4.1%. وتکشف المقارنه عن سوق عمل تحسن بقوه بعد فتره من الضعف، لکنها لا تکفی وحدها لإثبات عوده طفره التوظیف، خصوصا أن متوسط الزیاده الشهریه خلال الـ12 شهرا السابقه لم یتجاوز نحو 31 ألف وظیفه.

سوق العمل القویه قد تبقی ضغوط الأجور والطلب على الخدمات مرتفعه وتبطئ عوده التضخم إلى هدف 2% (رویترز) لهذا السبب لن یتوقف تقییم الأسواق عند الرقم الرئیسی؛ مراجعات بیانات الأشهر السابقه، ونمو الأجور، ومعدل المشارکه فی سوق العمل، وساعات العمل، وتوزیع الوظائف بین القطاعین الخاص والحکومی قد تکون أکثر أهمیه فی تحدید الرساله النقدیه للتقریر.
ونقلت رویترز عن جیم بیرد، کبیر مسؤولی الاستثمار فی "بلانت موران فایننشال أدفایزرز"، قوله إن الأسواق قد تتقبل تقریرا قویا ولکن لیس استثنائیا، بینما یمکن لقفزه کبیره فی الوظائف أن تعزز مبررات رفع الفائده مجددا فی أکتوبر/تشرین الأول.
وتکمن الحساسیه هنا فی الأجور، فالوظائف القویه وحدها لا تعنی بالضروره تضخما أعلى، لکن تسارع الأجور بالتزامن مع سوق عمل متینه قد یبقی الطلب على الخدمات مرتفعا ویصعب مهمه إعاده التضخم نحو 2%.
هذه المخاوف لا تقتصر على المستثمرین، فقد قال رئیس الاحتیاطی الفدرالی فی ریتشموند توم بارکین الأسبوع الماضی إن الاقتصاد یبدو أکثر تماسکا وإن الضغوط التضخمیه لم تعد محصوره فی الطاقه أو الصدمات المرتبطه بالتجاره، بینما رأى رئیس الاحتیاطی الفدرالی فی سانت لویس ألبرتو موسالم أن زیادات إضافیه فی الفائده ستکون على الأرجح ضروریه لکبح التضخم المستمر.
التضخم.. المعرکه تنتقل من السلع إلى الخدمات
الاختبار الثانی یأتی من مؤشر أسعار نفقات الاستهلاک الشخصی، وهو المقیاس الذی یحظى بمتابعه خاصه داخل الاحتیاطی الفدرالی. ووفقا للبیانات التی استندت إلیها رویترز، بلغ التضخم الأساسی وفق هذا المؤشر 3.3% على أساس سنوی حتى یولیو/تموز، بعیدا عن هدف البنک المرکزی البالغ 2%.
لکن الرقم السنوی وحده لن یحسم اتجاه السیاسه، فالترکیز الأکبر سیکون على الزخم الشهری ومکونات الخدمات، لأن تراجع ضغوط السلع لا یعنی انتهاء المشکله إذا بقی تضخم الخدمات أکثر التصاقا بالأجور والطلب المحلی.

مؤشر نفقات الاستهلاک الشخصی ظل عند 3.3% حتى یولیو/تموز، متجاوزا هدف الاحتیاطی الفدرالی (الأوروبیه) ومن هنا تتشکل معضله الاحتیاطی الفدرالی، فالاقتصاد القوی یمنحه مساحه لمحاربه التضخم من دون التضحیه الفوریه بالنمو، لکنه فی الوقت نفسه قد یکون السبب الذی یمنع التضخم من الهبوط بالسرعه المطلوبه.
وکانت عقود الفائده تشیر، بحسب بیانات "إل إس إی جی" التی نقلتها رویترز الخمیس، إلى احتمال یتجاوز 60% لرفع الفائده فی اجتماع أکتوبر/تشرین الأول. ولا یمثل ذلک توقعا مؤکدا، بل تسعیرا سوقیا سیتغیر بسرعه إذا جاءت بیانات الوظائف أو التضخم بعیده عن التوقعات.
السندات تسبق الاحتیاطی الفدرالی
الأکثر حساسیه ربما یحدث بالفعل خارج اجتماعات البنک المرکزی، فقد تجاوز عائد سندات الخزانه الأمریکیه لأجل 10 سنوات مستوى 5%، بینما بلغ عائد الـ30 عاما أعلى مستویاته فی أکثر من عقدین، بحسب رویترز.
وارتفاع العوائد الطویله الأجل یعنی أن الأسواق تشدد الظروف المالیه حتى قبل أی زیاده جدیده فی الفائده، فالرهن العقاری یصبح أعلى کلفه، وتمویل الشرکات والحکومات یرتفع، وتتراجع جاذبیه الأسهم مقارنه بالسندات التی توفر عائدا أعلى بمخاطر أقل نسبیا.
وهنا تظهر مفارقه أخرى، إذا استمرت العوائد الطویله الأجل فی الارتفاع، فقد تقوم سوق السندات بجزء من مهمه الاحتیاطی الفدرالی عبر کبح الاقتراض والطلب. أما إذا تجاهل البنک هذا التشدید وواصل رفع الفائده بسرعه، فقد تتزاید مخاطر الإفراط فی التقیید.
وحذر ماثیو مالی، کبیر إستراتیجیی الأسواق فی "میلر تاباک"، من أن تحرکات سوق الدخل الثابت خلال الأشهر الأخیره تجعل احتمال حدوث انعکاس سریع فی الأسواق أمرا لا یمکن استبعاده، وفقا لرویترز.
وول ستریت.. المؤشرات قویه لکن السوق أضعف مما تبدو
وتزید هذه الخلفیه حساسیه سوق الأسهم، فمؤشر "إس آند بی 500" بقی أقل من 1% دون ذروته المسجله فی منتصف أغسطس/آب ومرتفعا بنحو 13% منذ بدایه العام، لکن هذه القوه تخفی ضعفا أوسع فی السوق.
وکانت 8 من القطاعات الـ11 للمؤشر فی المنطقه السلبیه خلال سبتمبر/أیلول، بینما تراجع القطاعان المالی والمرافق بنحو 5%، وانخفضت النسخه متساویه الأوزان من المؤشر بنحو 4%. فی المقابل، حافظت أسهم التکنولوجیا وأشباه الموصلات المرتبطه بطفره الذکاء الاصطناعی على قدر کبیر من قوه المؤشرات الرئیسیه.

8من قطاعات مؤشر "إس آند بی 500" الـ11 سجلت أداء سلبیا خلال سبتمبر/أیلول رغم صمود المؤشر الرئیسی (رویترز) ووصف بول نولتی، کبیر مستشاری الثروات وإستراتیجی الأسواق فی "میرفی آند سیلفست"، الصوره لرویترز بأن المتوسطات صمدت بصوره جیده، لکن السهم المتوسط لم یفعل ذلک، فی إشاره إلى تآکل القوه تحت سطح المؤشرات.
هذا الترکیز یجعل السوق أکثر تعرضا لصدمه العوائد. فکلما ارتفعت معدلات الخصم، أصبحت تقییمات شرکات النمو والتکنولوجیا المرتفعه أکثر صعوبه فی التبریر، حتى لو بقیت أرباحها قویه.
من واشنطن إلى الخلیج.. الفائده الأمریکیه تنتقل مباشره
ولن تبقى نتائج الأسبوع داخل وول ستریت، إذ إن الاقتصادات الخلیجیه المرتبطه عملاتها بالدولار تستورد جزءا کبیرا من دوره السیاسه النقدیه الأمریکیه للحفاظ على استقرار أسعار الصرف، وهو ما ظهر مباشره بعد قرار الاحتیاطی الفدرالی الأخیر.
فقد رفع البنک المرکزی السعودی فی 16 سبتمبر/أیلول سعر إعاده الشراء 25 نقطه أساس إلى 4.5%، وسعر إعاده الشراء المعاکس إلى 4%. وفی الوقت نفسه بلغ التضخم السعودی 1.8% فی أغسطس/آب، وهو ما یوضح أن دوافع التشدید النقدی المحلی لیست مطابقه بالضروره للضغوط التی یواجهها الاقتصاد الأمریکی.
أی موجه إضافیه من رفع الفائده الأمریکیه ستعنی ضغوطا صعودیه على تکلفه الائتمان فی الخلیج، من الرهون العقاریه وتمویل الشرکات إلى المشروعات کثیفه رأس المال، فی مرحله تنفذ فیها دول المنطقه برامج استثمار وتنویع اقتصادی ضخمه.
لکن الصوره الخلیجیه لیست أحادیه الاتجاه، فارتفاع الفائده یضغط على الائتمان والأصول، بینما یمکن لأسعار النفط والغاز المرتفعه أن تمنح المالیه العامه والمراکز الخارجیه قدره أکبر على امتصاص الصدمه. وفی المقابل، یؤدی الدولار الأقوى وارتفاع الفائده العالمیه إلى إضعاف الطلب على السلع الأولیه والنمو العالمی، وهو ما یخلق قوه معاکسه قد تضغط على أسعار الطاقه.
مصر.. معرکه التضخم قد تؤجل مساحه خفض الفائده
وتبدو قناه انتقال الصدمه مختلفه وأکثر حساسیه فی الاقتصادات العربیه ذات الاحتیاجات التمویلیه الخارجیه الکبیره. ففی مصر، ثبت البنک المرکزی الخمیس الماضی أسعار الفائده للمره الثالثه على التوالی، عند 19% للإیداع و20% للإقراض، رغم تراجع التضخم السنوی للحضر إلى 14.5% فی أغسطس/آب من 14.9% فی یولیو/تموز. وفی المقابل ارتفع التضخم الأساسی قلیلا إلى 14.9% من 14.7%.

الاقتصاد المصری أکثر حساسیه لارتفاع العوائد الأمریکیه والدولار بسبب تأثیرهما فی تدفقات المحافظ وتکلفه الاقتراض الخارجی ومسار العمله والتضخم (الفرنسیه) ویکشف القرار مقدار الحذر الذی تفرضه البیئه الخارجیه، فالبنک المرکزی المصری قال صراحه إن میزان المخاطر على التضخم لا یزال مائلا إلى الاتجاه الصعودی بسبب عوده التوترات الإقلیمیه، وارتفاع أسعار الطاقه والغذاء واحتمالات انتقال إجراءات ضبط المالیه العامه إلى الأسعار.
وإذا دفعت البیانات الأمریکیه الاحتیاطی الفدرالی نحو مزید من التشدید، فإن ارتفاع العوائد الأمریکیه والدولار یمکن أن یقلص هامش المناوره أمام القاهره . العائد الأعلى على الأصول الأمریکیه یرفع العائد الذی یطلبه المستثمرون للاحتفاظ بدیون الأسواق الناشئه، ویزید تکلفه الاقتراض الخارجی، بینما قد یؤدی الدولار الأقوى إلى ضغوط إضافیه على تکلفه الواردات.
المعادله المصریه لذلک أکثر تعقیدا من مجرد انخفاض التضخم المحلی. فکلما بقیت الفائده الأمریکیه والعوائد العالمیه مرتفعه، أصبحت وتیره خفض الفائده المصریه مرتبطه لیس فقط بمسار الأسعار فی الداخل، بل أیضا بجاذبیه أدوات الدین المحلیه وتدفقات المحافظ وسعر الصرف وکلفه التمویل الخارجی.
ولا تقتصر القناه على مصر؛ الأردن ، بحکم ارتباط الدینار بالدولار، أکثر تعرضا للانتقال المباشر للسیاسه الأمریکیه، بینما تواجه اقتصادات عربیه أخرى ذات دیون خارجیه مرتفعه أو اعتماد کبیر على الاستیراد مزیجا من ارتفاع کلفه خدمه الدین ومخاطر الدولار القوی وأسعار الطاقه والغذاء.
أسبوع یختبر فکره "الهبوط الناعم"
فی المحصله، لن یحدد تقریر وظائف واحد أو قراءه تضخم واحده مصیر السیاسه النقدیه الأمریکیه، لکن اجتماع البیانات خلال أیام قلیله یمکن أن یعید تسعیر المسار بأکمله.
تقریر وظائف قریب من 100 ألف مع تباطؤ الأجور وقراءه أکثر هدوءا للتضخم قد یمنح الاحتیاطی الفدرالی مساحه لانتظار مزید من البیانات. أما عوده قویه للتوظیف بالتزامن مع تضخم خدمات عنید، فستعزز الحجه القائله إن الفائده الحالیه لم تصبح مقیده بالقدر الکافی بعد.
المفارقه أن الخطر الذی تدخل به الأسواق هذا الأسبوع لیس ضعفا أمریکیا واضحا، بل اقتصادا قد یبقى قویا بما یکفی لإطاله معرکه التضخم. وهذه القوه، إذا أبقت العوائد والدولار مرتفعین، لن تکون شأنا أمریکیا خالصا؛ ستصل آثارها إلى کلفه التمویل فی الخلیج، ومسار الفائده فی مصر، وخدمه الدیون فی الاقتصادات العربیه، وأسعار النفط والسلع وتدفقات رأس المال.
وهکذا یتحول اختبار الوظائف والتضخم الأمریکی من حدثین فی الأجنده الاقتصادیه إلى اختبار أوسع لمدى قدره الاقتصاد العالمی على تحمل دوره جدیده من التشدید، بعدما بدأت الأسواق قبل أشهر فقط تراهن على أن المرحله الأصعب من الفائده المرتفعه أصبحت خلفها.
المصدر: الجزیره + وکالات