وکاله آریا للأنباء - أسعار القمح ارتفعت نهایه أغسطس/آب إلى أعلى مستوى منذ 3 سنوات (غیتی)
تواجه الدول العربیه مزیدا من الضغوط جراء ارتفاع أسعار القمح فی الأسواق العالمیه مع استمرار التوترات الجیوسیاسیه واضطراب حرکه النقل وسلاسل الإمداد، وتعثر صادرات القمح بسبب الحرب الروسیه الأوکرانیه و الحرب الإسرائیلیه الأمیرکیه على إیران ، مما یعنی زیاده تکلفه واردات القمح للمنطقه العربیه.
وتتباین الضغوط من دوله لأخرى، وتزید فی الدول الأکثر اعتمادا على الاستیراد لتغطیه الاحتیاجات والأقل قدره على مواجهه ارتفاع الأسعار دولیا.
قصص مقترحه
list of 2 items list 1 of 2 النفط یصعد والذهب یتراجع وسط مخاوف التضخم list 2 of 2 الفائده الأمریکیه والأسواق العربیه.. أسبوع الحسم end of list یکشف البنک الدولی أن الدول العربیه تعتمد اعتمادا کبیرا على الاستیراد لتحقیق الأمن الغذائی ، کما یعد القمح المستورد لتغطیه الاستهلاک المحلی من أبرز الواردات فی هذه الدول، مما یجعلها أکثر عرضه لتقلبات السوق.
وحسب وکاله رویترز ارتفعت أسعار شحنات القمح المعده للتسلیم فی أکتوبر/تشرین الأول المقبل بنسبه 25% مقارنه بما قبل أزمه اختناق إمدادات الحبوب وتعطل مرورها من البحر الأسود بسبب استمرار الحرب الروسیه الأوکرانیه.
والبحر الأسود -الذی یربط بین آسیا وأوروبا- ممر حیوی لشحنات المحاصیل العالمیه إلى بعض أکثر دول العالم سکانا، خاصه وأن روسیا وأوکرانیا تمثلان معا أکثر من ربع تجاره القمح العالمیه.
ویتراوح سعر طن القمح الأمریکی ما بین 310 دولارات و330 دولارا أمریکیا، بحسب بیانات البنک الدولی الصادره فی سبتمبر/أیلول 2026.
ضغوط متزایده
وتأتی مصر على رأس قائمه الدول العربیه الأکثر تعرضا للضغوط بسبب اعتمادها بشکل أکبر على واردات القمح من منطقه البحر الأسود، وحسب منظمه الأغذیه العالمیه ( فاو ) فإن مصر قد تستورد 13.5 ملیون طن، بزیاده قدرها 8% تقریبا عن المتوسط المعتاد لتلبیه الاحتیاجات اللازمه.
ووفقا لتوقعات المنظمه نفسها، تبلغ احتیاجات الجزائر من القمح المستورد نحو 8.5 ملیون طن، أی أقل بقلیل من المتوسط المعتاد، کما تحتاج المملکه المغربیه نحو 5 ملایین طن، بمعدل أقل بنحو 15% من متوسط السنوات الخمس الماضیه.
وتبلغ احتیاجات السعودیه من القمح المستورد نحو 4 ملایین طن، بزیاده قدرها 3% تقریبا عن متوسط السنوات الخمس الماضیه، وفی العراق تشیر توقعات استیراد القمح للموسم 2026/2027 إلى نحو 2.2 ملیون طن بمعدل أقل بنحو 10% من المتوسط المعتاد.
اضطرابات وتقلبات الأسعار
یرى الأکادیمی والخبیر الاقتصادی أحمد ذکر الله أن ارتفاع أسعار القمح فی الأسواق العالمیه یحمل جانبا مؤقتا مرتبطا بالتوترات الجیوسیاسیه واضطراب حرکه التجاره من البحر الأسود.
ویقول فی حدیثه للجزیره نت إنه لا یمکن اعتبار الارتفاع الحاصل فی الأسعار مجرد موجه عابره؛ لأن أسواق القمح بالفعل أصبحت أکثر حساسیه لأی اضطراب فی الإنتاج أو النقل أو الصادرات، کما أن اتساع أو استمرار الصراع واضطراب طرق الشحن قد یبقی الأسعار مرتفعه ومتقلبه، بینما أی تحسن فی الإمدادات أو تراجع المخاطر الجیوسیاسیه قد تؤدی إلى تراجع الأسعار.
وتستورد الدول العربیه ما یقارب 56% من السعرات الحراریه التی تستهلکها من الحبوب، ویأتی الجزء الأکبر منها من القمح.
وتعتمد بعض دول المنطقه على القمح المستورد لتلبیه احتیاجاتها بنسبه 100%، ومن المتوقع أن یؤدی النمو السکانی وارتفاع الدخول وتغیر المناخ إلى زیاده هذا الاعتماد حسب دراسه للبنک الدولی.
لا یقتصر استخدام الدول العربیه للقمح فی رغیف الخبز، لکنه مکون أساسی فی السله الغذائیه، مما یجعل الاعتماد العربی علیه مرتفعا جدا، خاصه فی الدول التی تعانی ندره أو محدودیه فی الأراضی الزراعیه والمیاه. فالقمح یدخل بصوره مباشره فی الخبز والدقیق والمعکرونه والعدید من المنتجات الغذائیه حسب ما یقول ذکر الله.

ارتفاع أسعار الأسمده واضطراب سلاسل الإمداد ساهما فی رفع أسعار القمح فی السوق العالمیه(رویترز) من القمح إلى الموائد
تختلف درجه اعتماد الدول العربیه على استیراد القمح من دوله إلى أخرى؛ فالدول التی لدیها إنتاج محلی تکون أقل عرضه نسبیا للصدمات، بینما تکون الدول المستورده لمعظم احتیاجاتها من القمح من الخارج أکثر حساسیه لتقلبات الأسعار وشدیده الحساسیه للصدمات الخارجیه.
یقول الخبیر الاقتصادی سلیم بسباس للجزیره نت إن أثر ارتفاع أسعار القمح على التضخم فی الاقتصادات العربیه سیکون متفاوتا من دوله إلى أخرى، لکنه سیظل ملموسا نظرا للأهمیه الإستراتیجیه للقمح فی الاستهلاک الغذائی العربی والاعتماد بدرجات متفاوته على الاستیراد لتغطیه الاحتیاجات؛ مما قد یؤدی لارتفاع التضخم بنسبه ما بین 1% إلى 2% فی العدید من الاقتصادات العربیه بحسب هیکل الدعم والسیاسات الحکومیه المعتمده.
ویشیر إلى أن المستهلک النهائی قد لا یشعر بالأزمه بصوره مباشره فی الدول التی تدعم الخبز والسلع الأساسیه، مثل مصر وتونس والجزائر والأردن، إذ تتحمل المالیه العامه للدوله جزءا کبیرا من الصدمه، ما یحدّ نسبیا من انعکاسها المباشر على التضخم.
أما فی الدول التی لا توفر دعما واسعا، فإن ارتفاع الأسعار العالمیه ینعکس بصوره أسرع على أسعار الغذاء، ومن ثم على مؤشر أسعار المستهلک؛ أی أن الارتفاع قد یظهر بصوره أکثر مباشره فی الدول التی ترتبط فیها أسعار المنتجات الغذائیه بحرکه السوق.
وتتباین درجه تأثر الدول العربیه بارتفاع أسعار القمح، وتکون التداعیات أکبر فی الدول التی تجمع بین ارتفاع الاعتماد على الاستیراد، وضعف القدره المالیه على دعم الغذاء، وانخفاض الاحتیاطیات أو محدودیه الإنتاج المحلی.
ضغوط الموازنات العامه
فی هذا السیاق یقول ذکر الله تبرز مصر مثالا مهما؛ فحتى مع توقع وصول إنتاجها المحلی من القمح إلى مستوى تاریخی یبلغ 10 ملایین طن، تتوقع منظمه الأغذیه والزراعه أن تصل احتیاجات مصر من واردات القمح إلى 13.5 ملیون طن فی موسم 2026/2027، بما یعکس استمرار أهمیه السوق العالمیه بالنسبه إلى الأمن الغذائی المصری.
ویوضح أنه لیس بالضروره أن یؤدی ارتفاع الأسعار إلى انخفاض فی الاستهلاک، ففی الدول منخفضه الدخل، یعتبر الخبز سلعه أساسیه، وقد یقلل المستهلک من سلع أخرى ویتحول إلى بدائل أرخص، مضیفا أن القمح "یمکن أن یؤدی إلى توزیع أو إعاده توزیع دخل الأسره لصالح الغذاء على حساب التعلیم والصحه والنقل وغیرها".
ویقول إن هناک ثلاثه أثار رئیسیه فی الدول العربیه بناء على ارتفاع أسعار القمح عالمیا وتتمثل فی ارتفاع تکلفه الاستیراد وزیاده الضغوط على الأسعار المحلیه (أسعار الدقیق والخبز والمنتجات الغذائیه)، وکذلک ارتفاع فاتوره الدعم فی الدول التی تدعم الخبز، ومن ثم ارتفاع أو اتساع عجز الموازنه العامه للدوله.
ثمه خطوات مهمه یمکن أن تتخذها الحکومات؛ حیال ارتفاع أسعار القمح تترکز على تأمین الإمدادات قبل البحث عن السعر الأرخص، مما یعنی أهمیه تنویع الموردین، وزیاده المخزون الإستراتیجی، ودعم الإنتاج المحلی. وفی الدول ذات الدعم الواسع، سیکون التحدی هو حمایه المستهلک الفقیر من الاستنزاف أو مزید من الاستنزاف.
تعرض الدول العربیه لصدمات أسعار القمح یؤکد ضروره التفکیر على المدى البعید فی کیفیه تقلیل تعرضها للصدمات الخارجیه، من خلال زیاده الإنتاج والإحلال المحلی للواردات حسب رؤیه الخبیر الاقتصادی أحمد ذکر الله.
ویرى المتحدث نفسه أن الخطر بالنسبه للدول العربیه لا یتمثل فی سعر القمح وحده، وإنما فی اجتماع ارتفاع القمح مع ارتفاع الطاقه والنقل، وتراجع العملات المحلیه، وکلما طال أمد هذه الصدمه أصبحت تأثیراتها أکبر على التضخم، وعلى المالیه العامه، وعلى الأمن الغذائی، خصوصا فی الدول العربیه الأکثر اعتمادا على الاستیراد".
حلول إستراتیجیه
تشیر المؤشرات الحالیه إلى أن سوق القمح العالمیه ستظل عرضه لمستوى مرتفع من التقلبات فی الأشهر المقبله، فالعوامل المناخیه، وعلى رأسها مخاطر الجفاف والظواهر المناخیه المتطرفه، لا تزال تمثل مصدر قلق رئیسیا للأسواق العالمیه، إلى جانب التوترات الجیوسیاسیه واضطرابات التجاره الدولیه.
ویقول الخبیر الاقتصادی سلیم بسباس إنه وفقا للمؤشرات فإن السیناریو الأکثر ترجیحا یتمثل فی استمرار الأسعار عند مستویات مرتفعه نسبیا، مع تسجیل تقلبات دوریه مرتبطه بالمحاصیل الزراعیه والظروف المناخیه والأسواق المالیه.
أما السیناریو الأکثر تشددا، فهو استمرار حدوث اختلالات إضافیه فی الإمدادات العالمیه أو ارتفاع جدید فی أسعار الطاقه والأسمده، بسبب تصاعد حده التوترات فی مناطق إنتاج الطاقه والقمح (الشرق الأوسط وأوروبا)، وهو ما قد یؤدی إلى تقلص الإمدادات وتترتب عنه موجه جدیده من الضغوط التضخمیه الغذائیه فی المنطقه العربیه.
وفی حال استمرار الأسعار العالمیه عند مستویات مرتفعه، فإن المستهلک العربی سیواجه زیاده فی تکلفه جزء معتبر من إنفاقه الغذائی، خاصه بالنسبه للأسر ذات الدخل المحدود التی تخصص نسبه مرتفعه من میزانیتها للغذاء.
والتأثیر الحقیقی لا یقاس فقط من خلال سعر الرغیف، بل من خلال الارتفاع التدریجی فی تکلفه السله الغذائیه کلها. ویرى بسباس أن الحکومات العربیه تمتلک مجموعه من الأدوات التی تسمح بتخفیف آثار ارتفاع أسعار القمح على المستهلکین والاقتصاد تتمثل فی:
استخدام المخزونات الإستراتیجیه للقمح، والتی تشکل خط الدفاع الأول ضد التقلبات العالمیه قصیره الأجل. زیاده مخصصات دعم القمح والخبز للحفاظ على استقرار الأسعار الداخلیه وتجنب انتقال الارتفاعات مباشره إلى المواطنین. اللجوء إلى إجراءات جبائیه، مثل تخفیض أو تعلیق الرسوم الجمرکیه والضرائب المفروضه على واردات الحبوب والمواد الغذائیه الأساسیه. تنویع مصادر التورید للحد من مخاطر الترکیز على عدد محدود من الموردین أو المناطق الجغرافیه. استهداف الفئات الأکثر هشاشه عبر التحویلات النقدیه المباشره، باعتبارها أکثر کفاءه من أنظمه الدعم الشامل فی بعض الحالات. ویؤکد بسباس أن النجاح فی احتواء الأزمه یعتمد فی النهایه على الموازنه بین حمایه القدره الشرائیه للمواطنین والحفاظ على استدامه المالیه العمومیه، خاصه فی الدول التی تعتمد بشکل کبیر على دعم المواد الأساسیه.
المصدر: الجزیره