وکاله آریا للأنباء - حاویات تعبر مضیق البوسفور فی إسطنبول ترکیا (غیتی)
تظهر فی البوسفور سفن بهیئه غیر مألوفه خلال الموسم الجاری. إذ غطت بعض أطرافها شباک وهیاکل معدنیه، وثُبتت على أخرى خزانات میاه وإطارات فی محاولات بدائیه للحد من أضرار المسیرات. تصل هذه السفن إلى المضیق بعد عبور البحر الأسود، حیث اقتربت الهجمات الروسیه والأوکرانیه من طرق التجاره ومرافق تصدیر الحبوب، ووصل بعضها إلى المیاه الترکیه متضررا وتحت مرافقه خفر السواحل. بدا البوسفور کما لو أنه یرسم الحد الفاصل بین بحر تتسع فیه مخاطر الحرب وممر تستطیع ترکیا داخله فرض قواعد أکثر وضوحا.
وفی 31 أغسطس/آب 2026، وقف وزیر الخارجیه الترکی هاکان فیدان أمام الصحفیین فی إسطنبول متحدثا عن الأزمه الأوکرانیه، التی امتدت آثارها إلى الأسواق العالمیه. وکانت الهجمات الروسیه والأوکرانیه قد اقتربت أکثر من السفن التجاریه ومنشآت تصدیر الحبوب فی البحر الأسود، وقال فیدان إن دولا متضرره بدأت تطلب من ترکیا التدخل. وأعلن أن أنقره أعدت عملا تتواصل بشأنه مع موسکو وکییف، وأنهما یطمحان إلى ما یشبه اتفاق الحبوب السابق إذا توافرت الشروط اللازمه. تستطیع ترکیا إذن تقدیم المقترح، أما الاتفاق فیحتاج إلى طرفین یملکان القدره على قبول الرحله أو تهدیدها.
قصص مقترحه
list of 2 items قبل أربعه أعوام، أخذت هذه القدره شکلا أوضح على متن سفینه راسیه قباله المدینه نفسها. ففی صباح 3 أغسطس/آب 2022، صعد مفتشون من ترکیا وروسیا وأوکرانیا والأمم المتحده إلى السفینه التجاریه "رازونی"، التی غادرت أودیسا قبل یومین محمله بأکثر من 26 ألف طن من الذره ووصلت سواحل إسطنبول. وقد فحص الفریق المشترک الحموله والطاقم، ثم أجیز للسفینه استکمال طریقها. کانت "رازونی" أول سفینه تخرج من میناء أوکرانی ضمن مبادره حبوب البحر الأسود، ووصفت الأمم المتحده رحلتها بأنها اختبار عملی لإمکانیه تنفیذ الترتیب الذی أُبرِم فی إسطنبول.

"رازونی" تعبر مضیق البوسفور فی إسطنبول بعد خضوعها للتفتیش، کأول سفینه تخرج من میناء أوکرانی ضمن مبادره حبوب البحر الأسود 2022 (الأوروبیه) اجتمع ممثلو موسکو وکییف داخل سفینه واحده لإنجاز مهمه محدده، فیما استمر القتال بینهما خارجها. وتفسر هذه الصوره جانبا من الموقع الذی اکتسبته ترکیا خلال الحرب. فهی تستطیع توفیر مکان للتفاوض، والمشارکه فی بناء إجراءات تجعل الملاحه ممکنه، لکنها لا تستطیع وحدها منع روسیا أو أوکرانیا من تغییر حساباتهما العسکریه.
تقع إسطنبول عند البوسفور الذی یصل البحر الأسود ببحر مرمره، ثم یقود الدردنیل السفن إلى بحر إیجه والمتوسط، ما یعنی أن الرحله تمر من بوابه ترکیه، أما أمنها قبل بلوغ تلک البوابه فیتوقف على مساحه أوسع بکثیر. ولم یکن هذا الموقع مصدر راحه لحکام إسطنبول طوال تاریخه. فقد جعل قرب المضائق من العاصمه العثمانیه أمن الدوله مرتبطا بصراع القوى الکبرى علیها، ثم ورثت الجمهوریه الترکیه الناشئه ممرات بقیت أجزاء من سواحلها منزوعه السلاح وتولت لجنه دولیه بعض وظائف الإشراف على نظامها. واحتاج الأمر إلى أکثر من قرن من الصراع والتفاوض حتى انتقلت ترکیا من حمایه موقع تخشى فقدان السیطره علیه إلى إداره نظام یمنحها صلاحیات لا تستطیع الأساطیل الروسیه أو الغربیه تجاهلها.
"انتقلت ترکیا من حمایه موقع تخشى فقدان السیطره علیه إلى إداره نظام یمنحها صلاحیات لا تستطیع الأساطیل الروسیه أو الغربیه تجاهلها"
نشأ النفوذ الذی تمارسه أنقره الیوم من اجتماع عناصر لم تکن متاحه لها بالقوه نفسها فی الفترات السابقه، إذ وضعتها الجغرافیا على الطریق، ومنحتها اتفاقیه مونترو سلطه قانونیه محدده على إداره العبور، ثم أتاحت علاقاتها مع أطراف متعارضه تحویل بعض هذه الصلاحیات إلى مساحه للمساومه والوساطه. وقد وسَّع ذلک قدرتها على التأثیر فی بیئه البحر الأسود، من دون أن یجعلها صاحبه القرار فی الحرب الدائره داخله. وبین إداره شروط الوصول والقدره على فرض النتائج تقع المسافه التی رسمت قوه المضائق وحدودها معا.

استعاده السیاده
مع توسُّع الإمبراطوریه الروسیه جنوبا خلال القرن التاسع عشر وترسُّخ وجودها على سواحل البحر الأسود، ازدادت أهمیه الطریق الذی یصل موانئها بالبحر المتوسط. کانت السفن الروسیه تستطیع التحرک داخل البحر، لکن خروج أسطولها إلى المیاه الأبعد یمر قرب العاصمه العثمانیه. وفی المقابل، خشیت بریطانیا وفرنسا وقوى أوروبیه أخرى من أن یؤدی حصول روسیا على امتیاز دائم فی البوسفور والدردنیل إلى تغییر میزان القوى فی شرق المتوسط. ولذا دخلت المضائق فی قلب ما عرف بـ"المسأله الشرقیه"، وهو الاسم الذی أطلق على تنافس القوى الأوروبیه حول مصیر أراضی الدوله العثمانیه مع تراجع قدرتها على الدفاع عنها.
ظهرت حساسیه هذه المعادله خلال أزمه محمد علی باشا، والی مصر الذی کادت قواته تهدد العاصمه العثمانیه فی ثلاثینیات القرن التاسع عشر. وقد استعان السلطان محمود الثانی بروسیا، وانتهت المساعده بتوقیع معاهده "هُنکار إسکَلَه سی" عام 1833، التی تضمَّن ملحقها السری ترتیبا یقضی بأن تغلق الدوله العثمانیه الدردنیل أمام السفن الحربیه الأجنبیه عند تفعیل التزاماتها تجاه روسیا، وهو امتیاز أقلق لندن وباریس. وبعد 8 سنوات جاءت اتفاقیه لندن للمضائق ووضعت قاعده الإغلاق فی زمن السلم ضمن اتفاق دولی تشارک فیه القوى الکبرى.
"کانت الدوله العثمانیه صاحبه الأرض والممر، بینما أصبح تنظیم استخدامهما العسکری مرتبطا بتوازنات تتجاوز قرارها المنفرد"
یکشف الانتقال بین الاتفاقین حقیقه المشکله بالنسبه للدوله العثمانیه. فقد کانت صاحبه الأرض والممر، بینما أصبح تنظیم استخدامهما العسکری مرتبطا بتوازنات تتجاوز قرارها المنفرد. وحتى القاعده التی توفر لها حمایه من أسطول معاد قد تصبح قیدا عندما تحتاج إلى مساعده بحریه من الخارج. کانت أهمیه المضائق تضاعف اهتمام القوى ببقاء الدوله العثمانیه، لکنها تمنحها فی الوقت نفسه سببا إضافیا للتدخل فی شؤونها.

حصون الدردنیل فی ترکیا خلال القرن التاسع عشر، عند الممر الذی یربط بحر إیجه ببحر مرمره (غیتی) تغیَّرت القواعد أکثر من مره مع تغیُّر میزان القوه. فبعد حرب القرم، التی قاتلت فیها الدوله العثمانیه إلى جانب بریطانیا وفرنسا ضد روسیا، جاءت تسویه باریس عام 1856 لتجرد البحر الأسود من الوجود البحری العسکری الروسی والعثمانی على نطاق واسع. وبعد 15 عاما، نجحت موسکو فی التخلص من قیود التحیید ضمن تسویه لندن لعام 1871.
وفی 1915، انتقلت أهمیه المضائق من الوثائق الدبلوماسیه إلى میدان القتال. حین حاولت بریطانیا وفرنسا اختراق الدردنیل والوصول إلى إسطنبول، وفتح طریق بحری إلى حلیفهما الروسی فی الحرب العالمیه الأولى عبر البحر الأسود. أوقفت الألغام والتحصینات الهجوم البحری، ثم انتهت حمله غالیبولی البریه بالفشل والانسحاب. وأظهر القتال أن السیطره على هذا الشریط المائی الضیق تضمن عزل روسیا بحریا عن حلفائها فی المتوسط، وأن أمن العاصمه العثمانیه یبدأ من القدره على منع الأسطول المعادی من اجتیازه.
"اقترحت معاهده سیفر عام 1920 نظاما واسعا لتدویل المضائق، لکنها سقطت مع حرب الاستقلال الترکیه"
خرجت الدوله العثمانیه من الحرب مهزومه، واقترحت معاهده سیفر عام 1920 نظاما واسعا لتدویل المضائق، لکنها سقطت مع حرب الاستقلال الترکیه ولم تصبح الإطار الذی حکم الممر. وجاء النظام الفعلی مع تسویه لوزان عام 1923 التی اعترفت بالدوله الترکیه الجدیده وحدودها، ووضعت فی الوقت نفسه ترتیبا خاصا للمضائق. وهذه النقطه مهمه لأن مونترو ستعید بعد 13 عاما تعدیل النظام الذی أنشأته لوزان، لا النظام الذی اقترحته سیفر.
أبقت اتفاقیه المضائق فی لوزان السیاده الإقلیمیه لترکیا، لکنها فرضت نزع السلاح على مناطق محدده على جانبی البوسفور والدردنیل وفی عدد من الجزر. وأنشأت "لجنه المضائق" فی إسطنبول برئاسه ممثل ترکی وعضویه ممثلی دول أخرى، وکلفتها بمراقبه تطبیق الأحکام الخاصه بمرور السفن الحربیه تحت مظله عصبه الأمم. کان بإمکان ترکیا تحریک أسطولها فی میاهها، لکنها لم تکن حره فی إقامه التحصینات ونشر القوات التی تریدها فی أحد أکثر أقالیمها حساسیه.
اعتمد هذا النظام على تصور أن القیود العسکریه المفروضه على ترکیا یمکن تعویضها بضمان جماعی ضد أی تهدید. لکن أوروبا الثلاثینیات لم تکُن تشبه أوروبا التی وقعت لوزان. فقد أعادت ألمانیا النازیه التسلُّح، وتوسعت إیطالیا الفاشیه فی المتوسط وهاجمت إثیوبیا، وتراجعت قدره عصبه الأمم على ردع الدول التی تستخدم القوه. وبالنسبه إلى أنقره، بقی نزع السلاح التزاما ملموسا، بینما أصبحت الحمایه التی یفترض أن تعوضه أقل إقناعا.

توقیع معاهده سیفر عام 1920 (غیتی) اختارت ترکیا المطالبه بتعدیل النظام عبر التفاوض. وفی 20 یولیو/تموز 1936 وقعت اتفاقیه مونترو فی سویسرا، وسمح البروتوکول الملحق بها لأنقره بإعاده تسلیح منطقه المضائق فورا. وانتقلت وظائف لجنه المضائق إلى الحکومه الترکیه، ودخلت الاتفاقیه حیز التنفیذ النهائی فی 9 نوفمبر/تشرین الثانی من العام نفسه. واستعادت الدوله بذلک أدوات الدفاع عن الممر والوظیفه التنفیذیه التی تراقب قواعد عبوره.
أعادت مونترو لترکیا سلطه واسعه، لکنها لم تمنحها حق التعامل مع المضائق کطریق داخلی تغلقه وتفتحه متى شاءت. فالسفن التجاریه تتمتع بحریه المرور وفق الأحکام المقرره، بینما تخضع السفن الحربیه لنظام أکثر تعقیدا یُفرِّق بین الدول المطله على البحر الأسود والدول القادمه من خارجه. وتتلقى أنقره إخطارات مسبقه بشأن المرور، وتطبق حدودا تتعلق بعدد السفن وحمولتها وأنواعها.
هنا تظهر أهمیه التمییز بصوره أوضح فی وضع الدول غیر المشاطئه، ومنها الولایات المتحده ودول أوروبیه عدیده، إذ إن إجمالی قواتها البحریه الموجوده فی البحر الأسود یخضع لسقوف محدده، ولا یمکن لسفنها البقاء فیه أکثر من 21 یوما. کما لا یجوز أن یتجاوز عدد السفن الحربیه الأجنبیه التی تعبر المضائق معا 9 سفن، بحد إجمالی قدره 15 ألف طن فی الحالات التی تشملها القاعده. وبهذه القیود جعلت الاتفاقیه الوصول العسکری إلى البحر الأسود مختلفا عن الإبحار فی بحار مفتوحه، وأعطت ترکیا موقع الجهه التی تطبق هذه الحدود.
"أعادت مونترو لترکیا سلطه واسعه، لکنها لم تمنحها حق التعامل مع المضائق کطریق داخلی تغلقه وتفتحه متى شاءت"
تغیَّرت بذلک علاقه الدوله بالمکان أکثر مما تغیَّر المکان نفسه. فالمضائق التی دفعت الدوله العثمانیه إلى طلب الحمایه أو الخضوع لترتیبات تضعها القوى الأخرى، أصبحت محمیه بقوات ترکیه وتُدار وفق اتفاق دولی تتولى أنقره تنفیذه. ولکن استعاده هذه السلطه لم تُنه الخطر الروسی، وسرعان ما اکتشفت الجمهوریه أن حمایه النظام الذی استعادته تحتاج أیضا إلى میزان قوه أوسع.

حارس التوازن
قدَّمت الحرب العالمیه الثانیه أول اختبار کبیر لمونترو. فقد بقیت ترکیا خارج القتال معظم سنوات الحرب، واستخدمت أحکام الاتفاقیه لتقیید مرور سفن الدول المتحاربه. ولکن التطبیق لم یکن عملیه إداریه بسیطه، حیث دار خلاف حول سفن ألمانیه وإیطالیه قدمت بوصفها سفنا تجاریه أو مساعده، بینما رأى الحلفاء والاتحاد السوفیاتی أنها تؤدی وظائف عسکریه.
ووصل الخلاف إلى مجلس العموم البریطانی عام 1944، عندما تحدث وزیر الخارجیه أنتونی إیدن عن زوارق إنزال ألمانیه مرت عبر المضائق فی صوره صنادل تجاریه، وعن تحرک ترکی لمنع استمرار ذلک. وأظهرت الحادثه أن امتلاک القاعده لا یلغی النزاع على تفسیرها. فالحارس یحتاج إلى معرفه ما تحمله السفینه وما هی وظیفتها، وکل قرار فی زمن الحرب قد یثیر اعتراض الطرف الذی یرى أن خصمه حصل على منفعه لا تسمح بها الاتفاقیه.
وبعد انتهاء الحرب، أصبحت ترکیا نفسها هدفا لضغط أشد. ففی مارس/آذار 1945 أبلغ الاتحاد السوفیاتی أنقره أنه لن یجدد معاهده الصداقه وعدم الاعتداء الموقعه عام 1925. ثم قدمت موسکو فی أغسطس/آب 1946 مقترحا یجعل ترکیا والاتحاد السوفیاتی مسؤولین بصوره مشترکه عن الدفاع عن الممر، بما یعنی منح قوه سوفیاتیه دورا عسکریا فی المنطقه التی استعادت أنقره حق تحصینها قبل عقد واحد.
رفضت الحکومه الترکیه الاقتراح، واعتبرت أن الدفاع المشترک یؤدی إلى تقاسم السیاده مع قوه أجنبیه. وساندت واشنطن موقفا یقوم على بقاء المسؤولیه الأساسیه عن الدفاع فی ید ترکیا. لم یکن الخلاف فی هذه المرحله حول عدد السفن التی تستطیع المرور فحسب، بل ووصل إلى السؤال المتعلق بمن یملک القوات التی تحمی المضائق.
وقد أسهم الضغط السوفیاتی فی تسریع توجه ترکیا نحو الغرب، ضمن مجموعه أوسع من الاعتبارات الأمنیه والسیاسیه التی تشکلت مع بدایه الحرب البارده. وقدمت الولایات المتحده مساعدات لترکیا بعد إعلان الرئیس هاری ترومان سیاسته لدعمها والیونان عام 1947، ثم انضمت أنقره إلى حلف شمال الأطلسی (الناتو) فی 18 فبرایر/شباط 1952. وأصبح الدفاع عن الأراضی الترکیه مرتبطا بتحالف جماعی تقوده الولایات المتحده، بینما بقی نظام المرور فی المضائق محکوما باتفاقیه منفصله.

ترکیا انضمت إلى الناتو عام 1952 سعیا إلى تثبیت موقعها داخل النظام الغربی، فیما رأى الحلف فیها جیشا کبیرا ومضائق تتحکم فی العبور (غیتی) من هذا الجمع نشأت واحده من أکثر خصائص السیاسه الترکیه فی البحر الأسود استمرارا، إذ تمنحها عضویه الناتو ضمانه أمنیه فی مواجهه التهدید الخارجی، بینما تفرض مونترو قیودا أیضا على الأساطیل التابعه لحلفائها. فالولایات المتحده، مثل أی دوله غیر مطله على البحر الأسود، لا تستطیع إرسال ما تشاء من السفن أو إبقاءها هناک للمده التی تریدها. وبذلک لم یتحول البحر إلى امتداد بحری مفتوح للحلف لمجرد دخول ترکیا إلیه.
وجدت أنقره مصلحه فی استمرار هذه الصیغه. فهی لا ترید عوده روسیا إلى موقع تستطیع من خلاله فرض ترتیبات خاصه بالمضائق، ولا ترغب فی الوقت نفسه بتحول البحر الأسود إلى مسرح انتشار بحری غیر محدود بین روسیا والولایات المتحده. ویمنحها تطبیق اتفاقیه معترف بها طریقه لتقیید الطرفین بقواعد لا تضطر إلى اختراعها عند کل أزمه.
ظهر ذلک خلال الحرب الروسیه الجورجیه فی أغسطس/آب 2008، حین أرادت واشنطن إیصال مساعدات بحریه إلى جورجیا. وجرى النقاش حول أحجام السفن الأمریکیه وتوافقها مع نظام مونترو، ومرت فی النهایه سفن أصغر بینها المدمره "ماکفول" وسفینه خفر السواحل "دالاس" وسفینه القیاده "ماونت ویتنی". وازدادت المعادله صعوبه بعد أن ضمت موسکو شبه جزیره القرم عام 2014 وعززت وجودها العسکری فیها. وقد رفضت ترکیا الضم ووسعت تعاونها مع أوکرانیا، لکنها لم تتعامل مع الردع الروسی باعتباره سببا لإفراغ مونترو من قیودها على الأساطیل غیر المشاطئه. فالتوسع الروسی داخل البحر یخلق حاجه إلى الردع، بینما قد یؤدی انتشار غربی مفتوح إلى زیاده الاحتکاک عند حدود ترکیا وإضعاف قیمه النظام الذی یمنحها دورا مرکزیا فی التحکم بمستوى الدخول العسکری من الخارج.
دخلت ترکیا حرب أوکرانیا بهذا الإرث. کانت حلیفا للغرب، وجارا لروسیا، وشریکا دفاعیا لأوکرانیا، وحارسا لنظام بحری یضع حدودا للجمیع. وما ظل لعقود وسیله ضبط احتمالات المواجهه، سرعان ما تحوَّل بعد فبرایر/شباط 2022 إلى قاعده یجری تطبیقها أثناء حرب واسعه داخل البحر الأسود نفسه.
حدود القوه الترکیه
بعد نشوب الحرب الروسیه الأوکرانیه فی 24 فبرایر/شباط 2022، طلبت کییف من أنقره منع السفن الحربیه الروسیه من استخدام المضائق. وکان على الحکومه الترکیه أن تحدد أولا الوصف القانونی للقتال، لأن صلاحیاتها تختلف بحسب ما إذا کانت هناک حرب، وما إذا کانت ترکیا طرفا فیها. وفی 27 فبرایر/شباط أعلن وزیر الخارجیه آنذاک مولود جاویش أوغلو أن أنقره تعتبر ما یجری حربا، وهو ما جعل الماده 19 من مونترو أساس التعامل مع سفن الدول المتحاربه.
تحظر الماده مرور السفن الحربیه التابعه للدول المتحاربه عندما تکون ترکیا خارج الحرب، لکنها تتضمن استثناءات، أبرزها حق السفینه التی انفصلت عن قاعدتها فی العوده إلیها. أما الماده 20 فتمنح الحکومه الترکیه سلطه أوسع إذا أصبحت ترکیا نفسها طرفا فی الحرب، وتتناول الماده 21 الحاله التی ترى فیها أنقره نفسها مهدده بخطر حرب وشیک. ولهذا کانت عباره "إغلاق المضائق" المتداوله إعلامیا تختصر وضعا قانونیا أکثر دقه. اقتصر التطبیق القانونی على سفن الدول المتحاربه وفق أحکام مونترو واستثناءاتها، ثم طلبت أنقره سیاسیا من جمیع الدول تجنب إرسال قطع حربیه حتى لا یتسع التصعید.
ظهرت آثار القرار بسرعه. کانت روسیا قد أخطرت أنقره برغبتها فی تمریر 4 سفن حربیه فی أواخر فبرایر/شباط، وقال جاویش أوغلو إن 3 منها لم تکن مسجله فی قواعد البحر الأسود، وهو ما أضعف إمکانیه الاستناد إلى استثناء العوده إلى القاعده. طلبت ترکیا من موسکو سحب طلب العبور ففعلت. وقدمت الواقعه مثالا مباشرا على ما تستطیع مونترو فعله عندما یتحول النص إلى قرار تنفیذی عند البوسفور والدردنیل.
لکن أثرها بقی محددا بنطاقها. فقد کان أسطول البحر الأسود الروسی موجودا أصلا فی قواعده، ولم تمنع الاتفاقیه الطائرات والصواریخ والأسلحه البریه أو السفن الموجوده داخل البحر من العمل. کما أن الخسائر التی تکبدتها البحریه الروسیه لاحقا ارتبطت بالضربات الأوکرانیه بالصواریخ والمُسیَّرات البحریه وتطور وسائل القتال الأوکرانیه. وبحلول عام 2024، کان قائد البحریه الأوکرانیه یتحدث عن نقل موسکو جانبا کبیرا من نشاطها بعیدا عن سیفاستوبول، عاصمه القرم، تحت ضغط تلک الهجمات. ولذلک یصح القول إن مونترو أغلقت أحد طرق تعزیز القوات البحریه، لکنها لم تملک تغییر مسار الحرب البحریه کلها.
"مونترو أغلقت أحد طرق تعزیز القوات البحریه، لکنها لم تملک تغییر مسار الحرب البحریه کلها"
فی ینایر/کانون الثانی 2024 ظهر وجه آخر لهذه القاعده عندما أعلنت ترکیا أنها لن تسمح لکاسحتی ألغام نقلتهما بریطانیا إلى البحریه الأوکرانیه بالعبور إلى البحر الأسود أثناء استمرار الحرب. فالقاعده التی قیدت خیارات روسیا لم تتحول إلى استثناء مفتوح لمصلحه أوکرانیا. إذ کان على أنقره أن تحافظ على قابلیه الدفاع عن تطبیقها بوصفها نظاما قانونیا، لا قرارا یتغیر بحسب هویه المستفید.

ناقله النفط الروسیه "فلادیمیر مونوماخ" تعبر البوسفور فی إسطنبول یوم 6 یولیو/تموز 2023 (رویترز) ساعد هذا الفصل بین تطبیق مونترو وبقیه السیاسه الخارجیه على إبقاء قنوات ترکیا مفتوحه مع الطرفین. فقد رفضت أنقره ضم القرم عام 2014، ودعمت وحده الأراضی الأوکرانیه بعد الحرب، وطوَّرت مع کییف تعاونا دفاعیا شمل المُسیَّرات والصناعات العسکریه. وفی الوقت نفسه ظلت روسیا شریکا رئیسیا لترکیا فی الطاقه والتجاره والسیاحه، واستمر مشروع محطه أکُّویو النوویه، کما لم تنضم ترکیا إلى منظومه العقوبات الغربیه الشامله المفروضه على موسکو.
لم یجعل ذلک الموقف الترکی متساویا بین الطرفین، لکنه ترک لکل منهما هامشا للتحدث مع أنقره. ومن هذه المساحه خرج اتفاق الحبوب الذی أعاد "رازونی" إلى البحر فی أغسطس/آب 2022. ففی 22 یولیو/تموز من ذلک العام، اجتمع ممثلون عن ترکیا والأمم المتحده وروسیا وأوکرانیا فی إسطنبول لإطلاق مبادره حبوب البحر الأسود. جاءت المبادره فی صیغه تجنَّبت اتفاقا روسیا أوکرانیا ثنائیا مباشرا، وعملت الأمم المتحده بالتوازی على ملف تسهیل صادرات الغذاء والأسمده الروسیه. لم تنشئ مونترو هذا الممر، ولم تمنح ترکیا سلطه على الموانئ الأوکرانیه. وجاءت الصله بین الملفین من موقع أنقره وعلاقاتها وقدرتها على توفیر بنیه للتنفیذ.
بعد 5 أیام، أنشئ "مرکز التنسیق المشترک" فی إسطنبول بعضویه ممثلین عن الأطراف الأربعه. وراقب المرکز حرکه السفن من موانئ أودیسا وتشورنومورسک وبیفدینی الأوکرانیه، وتابع مرورها فی المسار المتفق علیه، ونظمت فرق مشترکه عملیات تفتیش للتأکد من مطابقه الحموله والطاقم للإجراءات. کانت کل دوله تتولى التواصل مع سلطاتها العسکریه والجهات المعنیه لضمان تنفیذ ما التزمت به. بهذا المعنى لم تحم ترکیا السفن بقوتها البحریه، لکنها شارکت فی بناء نظام یجعل کل طرف یعرف ما الذی تفعله السفینه وأین تتحرک.
تحولت رحله "رازونی" إلى أول اختبار عملی للنظام الجدید. وانحصرت مهمه المفتشین فی التحقق من حموله السفینه وطاقمها والتزامها بالمسار والإجراءات المتفق علیها. ونجح الترتیب لأنه حصر التعاون فی مهمه قابله للتنفیذ والتحقق، بعیدا عن القضایا التی تدور حولها الحرب نفسها. واستطاع الطرفان بذلک إداره ملف ملاحی محدد، رغم استمرار خلافهما على الحدود ومسار الحرب وشروط إنهائها.

الأمین العام للأمم المتحده أنطونیو غوتیریش والرئیس الترکی أردوغان خلال مراسم توقیع مبادره النقل الآمن للحبوب والمواد الغذائیه من الموانئ الأوکرانیه عام 2022 (الفرنسیه) وعلى مدى قرابه عام، خرج من الموانئ الأوکرانیه المحدده نحو 32.8 ملیون طن من الحبوب والمواد الغذائیه فی أکثر من ألف رحله. وشحن برنامج الأغذیه العالمی أکثر من 725 ألف طن من القمح لدعم عملیاته الإنسانیه. وساعدت عوده الإمدادات على تخفیف بعض الضغط على أسعار الغذاء العالمیه، مع بقاء الأسعار مرتبطه أیضا بالطاقه والإنتاج والأسمده والطقس والتجاره. ولذا کانت فائده المبادره أوسع من وجهه کل سفینه، لأن زیاده المعروض فی السوق تنعکس على مشترین لا یستوردون مباشره من الموانئ الأوکرانیه.
وفی 17 یولیو/تموز 2023 انتهى الترتیب عندما رفضت روسیا تجدید مشارکتها، محتجه بأن العراقیل التی تواجه صادراتها الغذائیه والأسمده لم تعالج وفق مطالبها. وعند تلک النقطه ظهر السقف الذی لا تستطیع الوساطه تجاوزه. کان فی مقدور ترکیا والأمم المتحده جمع الأطراف حول مرکز وإجراءات تفتیش ومسار ملاحی، لکنهما لم تملکا وسیله تجبر موسکو على إبقاء الضمانات التی وافقت علیها إذا قررت الانسحاب.
لم تتوقف التجاره الأوکرانیه مع سقوط الاتفاق. فقد أنشأت کییف بعد ذلک ممرا بحریا خاصا بها، وساعدت ضرباتها ضد الأسطول الروسی وقدراتها الساحلیه على تخفیض مستوى التهدید فی أجزاء من الطریق. واستعادت السفن تدریجیا حریه حرکه واسعه من الموانئ الأوکرانیه. وکانت التجربه دلیلا على أن الوصول إلى البوسفور یمکن تأمینه بترتیبات مختلفه، وأن ترکیا لا تحتکر قرار الملاحه داخل البحر الأسود حتى لو بقیت المضائق طریق الخروج الطبیعی إلى المتوسط.
تصاعدت الهجمات على السفن ومرافق التصدیر الروسیه والأوکرانیه فی صیف 2026، وحاولت أنقره فی أغسطس/آب الماضی دفع الطرفین نحو وقف الهجمات على الملاحه، لکن موسکو رفضت فی 14 أغسطس/آب فکره وقف منفصل لإطلاق النار فی البحر الأسود، وقالت إنها لا ترى مبررا لما وصفته بـ"أنصاف الحلول". وبعد نحو أسبوعین أعلن فیدان العمل الترکی الجدید. وفی 2 سبتمبر/أیلول قال نائب وزیر الخارجیه الروسی ألکسندر غروشکو إن موسکو لا ترى أساسا لاستئناف اتفاق الحبوب السابق، مکررا اعتراض بلاده على طریقه تنفیذ الجزء المتعلق بصادراتها.

Iالسفینه الروسیه "أومسکی-107" المتضرره بعد هجوم بمسیّره، وقد جرفتها المیاه إلى شاطئ ألاکالی فی إسطنبول 2026 (غیتی) ورقه المضائق.. الأداه وحدودها
تکشف حرب أوکرانیا حدود القوه التی صنعتها المضائق لترکیا بقدر ما تکشف قیمتها. فقد منحت مونترو أنقره أداه فعلیه لتقیید انتقال السفن الحربیه أثناء الحرب، بینما أتاحت علاقاتها مع موسکو وکییف تحویل موقعها إلى منصه لممر الحبوب. ثم أظهر انهیار المبادره فی یولیو/تموز 2023 أن القدره على تنظیم العبور لا تمنح ترکیا سلطه على حسابات الأطراف داخل البحر الأسود. فإذا قررت موسکو الانسحاب من ترتیب بحری، أو رأت کییف أن استمرار عملیاتها یخدم موقعها العسکری، فلا تستطیع أنقره نقل صلاحیاتها فی البوسفور إلى الموانئ والقواعد ومساحات القتال الممتده وراءه.
" تبدو المضائق الیوم أداه قوه من نوع خاص"
لهذا تبدو المضائق الیوم أداه قوه من نوع خاص. فترکیا لا تحتاج إلى امتلاک البحر الأسود کی تؤثر فی التوازن داخله، لأنها تدیر البوابه التی تصل هذا البحر بالعالم الخارجی وفق قواعد تستطیع فرضها على السفن العابره. قبل قرنین، جعل الموقع نفسه الدوله العثمانیه أکثر عرضه لضغوط القوى التی تنافست على الوصول إلیه. وبعد لوزان قبلت الجمهوریه الناشئه قیودا على تحصینه، ثم استعادت مونترو عام 1936 السلاح والوظیفه التنفیذیه إلى أنقره. ومنذ ذلک الوقت أصبحت القوى الروسیه والغربیه مضطره إلى حساب القیود التی تدیرها ترکیا قبل إرسال قطعها البحریه إلى البحر الأسود أو إخراجها منه.
ومع اتساع الحرب وازدیاد عسکره البحر الأسود، ترتفع قیمه هذه الوظیفه وتزداد الضغوط التی ترافقها. وقد أثبتت التجربه الترکیه أن قوه المضائق تظهر عندما یضطر أسطول إلى تعدیل خطته بسبب قواعد العبور، أو یحتاج خصمان إلى إسطنبول لإنشاء ممر تستطیع سفنهما استخدامه. أما ما یحدث بعد تجاوز البوابه، فیبقى خاضعا لموازین حرب أوسع من قدره أنقره على إدارتها. وهنا تحدیدا تکمن قوه المضائق وحدودها.
المصدر: الجزیره