
وکاله آریا للأنباء -
تکشف قراءه خطاب أمیر دوله قطر الشیخ تمیم بن حمد آل ثانی فی ضوء التطورات الإقلیمیه أن الدوحه تسعى إلى تثبیت معادله دقیقه: الدفاع عن السیاده دون الانجرار إلى الحرب، ومواصله الوساطه رغم الاعتداءات، والتمسک بالقانون الدولی فی مواجهه محاولات فرض الأمر الواقع بالقوه.
وتکتسب هذه المعادله أهمیتها من تزامن الضغوط الأمنیه مع تداعیات اقتصادیه تتجاوز حدود المنطقه، فضلا عن تعثر المساعی الدبلوماسیه لإنهاء المواجهه الأمریکیه الإیرانیه، وفی هذا السیاق، تبرز رسائل الخطاب باعتبارها تحدیدا لأولویات قطر فی مرحله مفتوحه على احتمالات متعدده.
قصص مقترحه
list of 2 items وربط مراسل الجزیره هیثم أبو صالح بین توصیف الأمیر المرحله بأنها استثنائیه، وتأکیده قدره مؤسسات الدوله على إداره الأزمات بکفاءه ومسؤولیه، مشیرا إلى أن الخطاب تناول کذلک مسؤولیات قطر المتزامنه تجاه أمنها الوطنی واستقرار أسواق الطاقه وإبقاء الدبلوماسیه حاضره.
واستهل الأمیر خطابه باستذکار مسیره الأمیر الوالد الشیخ حمد بن خلیفه آل ثانی ، وما شهدته البلاد فی عهده من نهضه شامله، مؤکدا أن صون الإنجازات والإرث الوطنی یمثل وفاء لتلک المسیره، فی إشاره إلى استمراریه مشروع الدوله رغم التحدیات.
ویرى أستاذ العلاقات الدولیه المساعد بجامعه قطر عبد الله باعبود أن الخطاب امتداد للمواقف التی طرحها أمیر قطر فی الأمم المتحده ، ویؤکد أن الحوار لیس خیارا ظرفیا تفرضه الأزمه، بل توجه سیاسی ینبغی أن یحکم العلاقات الإقلیمیه.
لکن باعبود شدد على أن تغلیب الدبلوماسیه لا یعنی التهاون فی السیاده أو الدفاع عن الأرض، معتبرا أن التجربه القطریه تقوم على الجمع بین حمایه الدوله ومواصله التواصل مع الخصوم، بدلا من تحویل الاعتداءات إلى مدخل لمواجهه أوسع.
السیاده وحسابات الردع
تتمثل الرساله الأولى فی رفض الفصل بین التهدئه وحمایه السیاده؛ فحسب باعبود، تعاملت قطر مع الاعتداءات الإیرانیه عبر مسارات متوازیه، شملت الدفاع عن البلاد، والتحرک القانونی، والإبقاء على قنوات التواصل، بما یمنع تحویل الأزمه إلى صراع مفتوح.
وفی هذا السیاق، أشار باعبود إلى أن مخاطبه الأمم المتحده وتوثیق الاعتداءات یمثلان جزءا من التعامل مع الأزمه، لأن مثل هذه الهجمات لا ینبغی أن تمر دون مساءله، حتى مع استمرار المساعی الرامیه إلى تجنب المواجهه العسکریه.
وتبرز هنا دلاله التشدید على استعداد قطر لمواجهه الاحتمالات الأسوأ؛ إذ رأى باعبود أن التصدی للهجمات والاستعدادات السابقه فی مجالات الأمن الغذائی والمائی یعکسان وجود خطط للتعامل مع الطوارئ، لا مجرد استجابه آنیه لتطورات الأزمه.
وأشار إلى أن التخطیط لاحتمال إغلاق مضیق هرمز شمل ترتیبات بدیله لضمان استمرار الإمدادات الأساسیه، بما یعزز قدره الدوله على الصمود إذا طال أمد الاضطراب، ویعکس ذلک، فی تقدیره، أهمیه الاستعداد الداخلی بالتوازی مع التحرک الدبلوماسی الخارجی.
وتحمل هذه المقاربه رساله إلى الأطراف الإقلیمیه مفادها أن الانفتاح على الحوار لا یعنی غیاب أدوات الدفاع أو التهاون فی الحقوق، بل یهدف إلى منع تکرار المواجهات التی تهدد أمن دول المنطقه وتستنزف قدراتها الاقتصادیه.
الوساطه ومأزق التفاوض
فی المقابل، لا تبدو فرص الوساطه مضمونه، إذ رأى الأکادیمی والخبیر بسیاسات الشرق الأوسط محجوب الزویری أن إحدى العقبات الأساسیه تتمثل فی عدم ظهور مؤشرات کافیه على جدیه الولایات المتحده وإیران فی الوصول إلى اتفاق، وهو ما قد یطیل أمد المساعی.
ویضع هذا التقدیر الوساطه أمام معضله تتجاوز قدره الوسیط على تقریب وجهات النظر؛ فنجاح المسار الدبلوماسی یتطلب استعداد الأطراف نفسها لتحمل کلفه التسویه، والتعامل مع الخلافات عبر التفاوض بدلا من استخدام التصعید لتحسین شروط التفاوض.
لکن باعبود رأى أن استمرار تبادل الرسائل بین واشنطن وطهران یمثل مؤشرا إیجابیا، حتى إن لم ینتج عنه اتفاق فوری، لأنه یبقی قنوات الاتصال قائمه ویمنح الدبلوماسیه فرصه لاحتواء التوتر قبل انتقاله إلى مواجهه جدیده.
وحذر باعبود من أن الحسابات الداخلیه لدى الطرفین تؤثر فی فرص التقدم، موضحا أن التوصل إلى تفاهمات یحتاج إلى ظروف سیاسیه تسمح لکل طرف بتسویق أی تقدم، دون أن یظهر وکأنه قدم تنازلات تحت الضغط.
ومن هنا تبرز أهمیه التنسیق الخلیجی والعربی الذی تحدث عنه باعبود، إذ إن اتساع دائره المتضررین من الحرب یمکن أن یشکل أساسا لموقف إقلیمی مشترک یضغط باتجاه التهدئه، ویمنع التعامل مع الأزمه باعتبارها مواجهه محصوره بین واشنطن وطهران.
ودعا باعبود إلى تجاوز الحلول المؤقته التی لا تعالج أسباب الاضطراب، مشددا على أن استدامه الاستقرار تتطلب حوارا إقلیمیا أوسع، یضع المصالح المشترکه فی المقدمه، ویحد من تکرار الصراعات التی یدفع الجمیع أثمانها.
الطاقه والقانون الدولی
ولا تنفصل هذه الحسابات عن البعد الاقتصادی للأزمه؛ فقد أوضح باعبود أن تعطل صادرات الغاز القطری ینعکس على الأسواق الدولیه، بالنظر إلى حصه قطر الکبیره من تجاره الغاز الطبیعی المسال ، وهو ما یجعل أمن الطاقه مصلحه دولیه مشترکه.
وتکشف هذه النقطه أن حمایه الاقتصاد القطری لیست مسأله داخلیه فحسب، بل ترتبط باستقرار سلاسل الإمداد والأسعار وقدره المستهلکین على تأمین احتیاجاتهم. ومن ثم، فإن تأمین الملاحه والمنشآت المدنیه یتجاوز کونه مطلبا وطنیا إلى ضروره اقتصادیه دولیه.
وفی الملف الفلسطینی، رأى الزویری أن إصرار أمیر قطر على وصف ما جرى فی غزه بأنه إباده جماعیه یکتسب دلاله سیاسیه وقانونیه، لأنه یرفض تطبیع الانتهاکات أو التعامل معها باعتبارها نتیجه جانبیه للصراعات الإقلیمیه.
وأشار الزویری إلى أن الحرب بین الولایات المتحده وإیران لا یمکن فصلها عن تداعیات ما بعد السابع من أکتوبر، معتبرا أن إسرائیل تسهم فی تغذیه التوتر وتعطیل المسارات الدبلوماسیه، مستفیده من التصعید لدفع أجندتها الإقلیمیه.
وربط الزویری بین الموقف القطری من غزه والضفه الغربیه والدفاع عن المؤسسات القضائیه الدولیه، مؤکدا أن تقویض هذه المؤسسات أو استهدافها یضعف ما تبقى من أدوات المساءله الدولیه، فی وقت تتواصل فیه الانتهاکات بحق الفلسطینیین.
المصدر: الجزیره