وکاله آریا للأنباء -
بیروت – حین غادرت ریما شراره بنت جبیل تحت وطأه الحرب، لم تتسع حقیبتها لکل ما تملک. اختارت جهاز حاسوب وأقراصا صلبه، وترکت خلفها الملابس والمقتنیات الشخصیه. کانت تعرف ما الذی ترید إنقاذه: سنوات من الصور والوثائق والتسجیلات والحکایات التی جمعتها مکتبه بنت جبیل العامه.
لم تکن تحمل أجهزه إلکترونیه فحسب، بل ما بقی من ذاکره مکان تعرف أنه قد لا یصمد. خلف جدران المکتبه قرأ أبناء المدینه، والتقى أهلها، وحُفظت صور وحکایات وأصوات من بنت جبیل وقراها. لذلک، حین اشتدت الحرب، بدا إخراج تلک الملفات أشبه بإخراج جزء من المکتبه نفسها من المکان قبل أن یطاله الدمار.
قصص مقترحه
list of 2 items وبعد أشهر، دُمّرت المکتبه بالکامل، وضاعت آلاف الکتب والمعدات، لکن جزءا من محتواها کان قد غادر المبنى قبل أن ینهار، بقیت الصور والوثائق والتسجیلات فی أجهزه حملتها ریما معها، لتنجو الذاکره الرقمیه حین لم تنجُ الجدران.
لم تکن ریما تتصرف للمره الأولى تحت هذا الهاجس، ففی حرب عام 2006، فقدت المکتبه جزءا من موادها المحفوظه على أجهزه الحاسوب بعدما طال القصف المکان وأتلف جانبا من محتویاته. ومنذ ذلک الحین، تغیّرت طریقه حفظ المواد؛ صارت الملفات تُنسخ فی أکثر من مکان، وتُحفظ نسخ احتیاطیه تحسبا للحظه التی قد لا یکون فیها الوقت کافیا للعوده.
درس الحرب
تأسست مکتبه بنت جبیل العامه عام 2001، فی مرحله إعاده بناء المدینه بعد انتهاء الاحتلال الإسرائیلی عام 2000، ثم انتقلت فی عام 2013 إلى مبنى قدیم فی السوق التجاری، کان فی الأصل سرایا تاریخیه ثم استُخدم سجنا قبل ترمیمه وتحویله إلى مکتبه.
على مدى سنوات، لم تعد المکتبه مجرد مکان لاستعاره الکتب، کبرت مجموعتها لتصل إلى نحو 15 ألف کتاب مفهرس، إضافه إلى آلاف الکتب التی کانت تنتظر التصنیف، بینها کتب عربیه وفرنسیه وإنجلیزیه قدیمه ونادره وموسوعات ووثائق ودوریات ومجموعات ثقافیه. وفی المکان نفسه وجد طلاب ومدرسون وأطفال ونساء مساحه للقراءه والتعلم والأنشطه واللقاء.
هذا الدور جعل خساره المکتبه تتجاوز الجدران والأرفف، فقد کانت مساحه تجمع سکان بنت جبیل والبلدات المحیطه، وتستقبل أنشطه للأطفال وورشا للنساء ولقاءات ثقافیه، وتتیح لأشخاص من خلفیات مختلفه أن یلتقوا فی مکان واحد.

صور توثق ملامح بنت جبیل قبل الحرب وخلالها (الجزیره) أصوات الجنوب
ومن بین أکثر ما حرصت ریما على إخراجه التسجیلات التی توثق التاریخ الشفهی المحلی، فقد جمعت المکتبه 24 روایه صوتیه من 24 بلده وقریه فی قضاء بنت جبیل، استمعت خلالها إلى نساء ورجال مسنین یستعیدون حکایات وأغانی وتجارب تناقلتها الأجیال.
بالنسبه إلى ریما، لم تکن تلک التسجیلات مجرد ملفات صوتیه، کانت أصوات أشخاص قد لا تترک الحرب وراءهم صورا کثیره، لکن حکایاتهم یمکن أن تبقى إذا حُفظت. وکان للنساء حضور بارز فی جمع هذه الروایات، کما کانت المکتبه نفسها مساحه التقت فیها نساء من قرى مختلفه وتبادلن الخبرات وبنین علاقات استمرت حتى خارج المکان.
لهذا، عندما غادرت ریما، لم تحمل معها أرشیفا إداریا فحسب، بل حملت تفاصیل مجتمع کامل کما ظهرت فی صور الناس وملفاتهم وأصواتهم وحکایاتهم.

مکتبه بنت جبیل بعد تدمیر مبناها بالکامل (الجزیره) عوده أولى
کانت الحرب فی عام 2024 قد أعطت المکتبه تجربه مختلفه، تضررت تجهیزاتها، لکن العمل استؤنف بعد إصلاح ما أمکن وإعاده الکهرباء والإنترنت، وفتحت أبوابها خلال أقل من أسبوع. وفی وقت انقطعت فیه خدمات کثیره عن المنازل، وجد مدرسون وطلاب فیها مکانا لمتابعه دروسهم عبر الإنترنت.
تتذکر ریما أن أکثر من مئه شخص کتبوا تعلیقات بعد عوده المکتبه، ووصف بعضهم سرعتها فی استئناف العمل بأنها أعطتهم أملا. یومها، لم تکن عوده الأبواب مجرد عوده إلى العمل؛ کانت إشاره صغیره إلى أن الحیاه تستطیع استعاده إیقاعها بعد الحرب.
لکن الحرب التی بدأت عام 2026 کانت مختلفه، هذه المره لم یبقَ المبنى قائما، دُمّرت المکتبه بالکامل، وفُقدت آلاف الکتب والمعدات، واختفت المساحه التی خدمت أجیالا من سکان بنت جبیل ومحیطها، بقی ما استطاعت ریما إخراجه معها.
صوره أخیره
فی 28 فبرایر/شباط 2026، التُقطت آخر صوره للمکتبه قبل اندلاع الحرب بیوم واحد، وفق توثیق الأمم المتحده ، کان المکان یومها لا یزال قائما؛ رفوف وکتب ومساحه اعتاد علیها سکان المدینه… بعد أیام، تغیر المشهد.
یمکن لصور الأقمار الصناعیه أن تُظهر حجم الدمار، لکنها لا تستطیع أن تُظهر ما کان یحدث داخل تلک الجدران: أطفال جلسوا للقراءه، ونساء التقین فیه، وطلاب لجؤوا إلیه للدراسه، وأشخاص ترکوا أصواتهم فی تسجیلات تحفظ حکایات بلداتهم.
هنا تکتسب الملفات التی حملتها ریما معنى یتجاوز قیمتها الأرشیفیه، فالمبنى یمکن إعاده ترمیمه، والکتب یمکن جمعها من جدید، لکن بعض التفاصیل التی صنعت علاقه الناس بالمکان لا یمکن استعادتها بسهوله إذا اختفت معها.

جزءٌ من الأرشیف نجا من تحت الرکام (الجزیره) أرشیف بلا جدران
لم تغادر کل الحکایه مع المبنى، بقیت لجنه النساء، وبقیت العلاقات التی تشکلت على مدى سنوات، وبقیت المواد التی خرجت قبل تدمیر المکتبه.
تتذکر ریما أن النساء فی بنت جبیل والجنوب فقدن جزءا مهما من حیاتهن بفقدان المکتبه، لکنها لا ترى فی ذلک نهایه القصه، تستعید ما قالته بعد حرب عام 2006: "سنعود کالشعله التی لا تنطفئ".
بالنسبه إلیها، إعاده البناء لا تبدأ دائما بالحجر. أحیانا تبدأ بما یحمله الناس معهم من المکان الذی فقدوه.
لم تستطع ریما أن تحمل الرفوف ولا آلاف الکتب ولا المبنى نفسه. حملت بدلا منها ما استطاعت إنقاذه من الصور والوثائق والتسجیلات والحکایات.
وعندما یأتی یوم إعاده البناء، لن تبدأ الحکایه من الصفر، سیکون هناک أرشیف خرج من المکتبه قبل أن یصل إلیها الدمار، یحمل أصوات أهلها وصورهم وتفاصیل حیاتهم، ویثبت أن المبنى الذی اختفى لم یکن مجرد جدران، وأن المکان الذی جمع أبناء بنت جبیل سنوات طویله کان له تاریخ یستحق أن یبقى.
المصدر: الجزیره