وکاله آریا للأنباء - بقایا بشریه داخل أکیاس بعد نبش مقابر شهداء خلال العدوان على غزه (الجزیره)
غزه- أربع شاحنات مخصصه لتبرید المثلجات، تقف عند بوابه مجمع الشفاء الطبی وسط مدینه غزه ، تحمل فی أحشائها حموله بشریه ثقیله، من بقایا جثث قذفتها إسرائیل عبر اللجنه الدولیه للصلیب الأحمر فی حضن المدینه، تفتح بابها على فصل شنیع من المأساه والقسوه.
ومن 66 کیسا من الأعضاء البشریه تفوح رائحه تشبه المقابر المفتوحه، ویقف أمامها عشرات العاملین فی الطب الشرعی والجنائی بخبراتهم بکل ذهول، وتحوی الأکیاس جماجم وعظاما، یظهر على بعضها آثار قص من أداه طبیه بغرض التشریح وفحص الحمض النووی (دی إن إیه) من الاحتلال.
وکان مع أکیاس الأعضاء 54 جثه، بعضها متحلله منذ مده، یُرجَّح أنها من مقابر نبشها الاحتلال أثناء حربه على غزه ، وفی بعضها جثث لنساء، وفی کیس آخر جثه لفتى لا یتجاوز عمره 14 عاما، وجثث بملامح واضحه لم تتحلل بعد، لکنْ لا أحد یعرف هویه مَن فی الأکیاس ولا کیف أو أین قضوا، لذا فإن کل کیس من الأعضاء والجثث یُعَد لغزا یحتاج إلى مختصین لفکه.
بلا هویه
وکانت هذه الدفعه الـ16 التی یُسلّمها الاحتلال إلى الصلیب الأحمر خارج أی صفقه أو اتفاق أو مقابل، تضاف إلى 15 دفعه سبقتها ضمن صفقه تبادل الأسرى ، کان مجموعها 360 جثه، لم یُعرَف منها سوى 101 فقط، بینما دُفنت 244 جثه مجهوله الهویه فی مقبره الوسطى ب دیر البلح .
ومُنحت الجثث المدفونه أرقاما وملفا، لیتمکن الأهالی لاحقا من التعرف على أقربائهم، کما حدث مع 5 حالات نجح الأهالی فی التعرف علیهم بعد مواراتهم الثرى، بحسب ما أفادت مصادر للجزیره نت.
وفی "صاله الاستعراف" (التحقق من هویه مجهول) للتعرف على الجثث فی مجمع الشفاء الطبی، تُعرَض صور الدفعه الأخیره التی تضم 15 شهیدا سلَّمهم الاحتلال إلى الصلیب الأحمر مقابل استعاده جثه الجندی الإسرائیلی الأخیر ران غویلی، ومعظم الشهداء کانوا ممَّن قُتلوا یوم 7 أکتوبر/تشرین الأول 2023، أو من أسرى قضوا داخل السجون الإسرائیلیه .
ووصف عضو دائره الأدله الجنائیه فی مجمع الشفاء عمر أبو سلیمان وضع الجثث التی تُعرَض صورها حالیا قائلا "حاله غیر مسبوقه من التحلل المتقدم والتعفن"، ومعظمها وصل بلا ملابس، مما صعَّب مهمه التعرف علیها، إذ إن الوجوه مطموسه والأجساد مشوَّهه.
وقال أبو سلیمان للجزیره نت إن غیاب فحوص الحمض النووی تماما عن غزه یجعل التعرف على هذه الجثث شبه مستحیل، ویحوّل الجریمه إلى انتهاک طویل الأجل لا یقتصر على القتل نفسه.

"صاله الاستعراف" التی تُعرَض فیها صور جثث الشهداء الأسرى الذین سلَّمهم الاحتلال الإسرائیلی (الجزیره) وجع الغیاب والفقد
والتقت الجزیره نت بالأهالی الذین حضروا بحثا عن أبنائهم، إذ کانت الصور المعروضه بلا ملامح واضحه، والوجوه متفجره والمعالم ذائبه، ویحاول الأهالی التمییز عبر الفک أو الأسنان أو الأصابع أو ندوب سابقه قد تقودهم إلى تأکید هویه أحبّتهم.
ومع تتابع الصور القاسیه على الشاشه، تختلف الردود بین من یحبس أنفاسه ومن ینهار، وکان بین الحضور رجل ستینی جلس فی الصف الأول، رصدت الجزیره نت ارتجاف عینیه المشتعلتین کجمرتین، یرفع رأسه ثم یخبئه بین یدیه، یحبس الدمع، ویتمتم "لا حول ولا قوه إلا بالله". وبعد نحو 10 دقائق، لم یحتمل، فوقف وقال بصوت مکسور "ربنا لا تحمّلنا ما لا طاقه لنا به".
وبالقرب منه، کانت أم أشرف تتفحص الصور بارتباک تام، تبحث عن أی أثر یدل على أولادها، وقالت للجزیره نت "الأسنان والحاجب واللحیه، سأعرفهم حتما إذا رأیتهم".
وتضیف، وهاتفها یرن باستمرار دون أن تجیب "خرجتُ سرا دون علم زوجی، فهو یرفض قدومی هنا". وتتابع "لم أنم اللیله، أدور فی الغرفه کالروح التی تلف بحثا عما فقدته، کیف یکون هناک احتمال أن أتعرف على ولدَیَّ بین الشهداء وأضیّعه؟".
وفقدت أم أشرف اثنین من أبنائها فی "أحداث 7 أکتوبر"، هما أشرف (31 عاما) وأیمن (28 عاما)، اللذان اختفیا فی الیوم نفسه وتلاشى أثرهما. وقالت للجزیره نت "استشهد کل أصحابهم، ولا یمکن لأحد أن یساعدنی فی الاستدلال علیهم".
وأردفت "کان الطریق بالنسبه لی موتا من نوع آخر، وکنت مرعوبه"، لکنَّ امرأه جلست قربها -فقدت 4 من أبنائها- هوَّنت علیها الطریق ومصابها.
أما أم جهاد فکانت تقف عند باب الصاله، تهاب الاقتراب، وترتجف بین خوفین؛ أحدهما أن تجد جثه ابنها والآخر عدم العثور علیه. وقالت للجزیره نت "لیتنی أتأکد أنه فی عداد الشهداء، هذا أهون علیَّ من أن أعرف أنه أسیر"، وتتنهد قبل أن تکمل "الله رحیم، أما إسرائیل وجیشها فمعدومو الرحمه".
وتمد أم جهاد رأسها قلیلا، تدقق فی الصور تبحث عن سنّه المکسوره، أو ندبه وجهه القدیمه، أو بدلته العسکریه التی خرج بها، أو أی شیء قد یُظهر لها ملامح ابنها الذی ربّته لیصیر سندا، ثم صار فجأه سؤالا معلَّقا بین الحیاه والموت. وأضافت بصوت منکسر "أنا أبحث عن أی علامه، لکن لا ملامح، کیف سأعرفه یا بنتی؟"، ثم تتمتم "قلبی محروق، والله قلبی محروق".

الأهالی تتفتح جراحهم وهم ییحثون بین الجثث عن أی طرف خیط یعطیهم الأمل أن یجدوا أبناءهم (الجزیره) تحدیات قضائیه
وفی ممرات القضاء الشرعی، لا تبدو معاناه زوجات المفقودین أقل قسوه من انتظارهن الطویل عند أبواب "الاستعراف"، فغیاب الرجل عامین لا یجعل منه میتا، ولا یعیده حیّا، بل یبقى معلَّقا بین الحالین، وتظل أسرته معلَّقه معه، حتى ثبوت العکس.
وشرح رئیس محکمه الشیخ رضوان الشرعیه القاضی محمود فروخ أن القانون لا یمنح الزوجه حق إعلان وفاه زوجها المفقود مباشره، مهما طال غیابه، ما دام لا یُعرف إن کان حیّا أم أسیرا أم مدفونا تحت الرکام.
ووفقا للماده (119) من قانون حقوق العائله، لا یمکن بدء أی إجراء قبل مرور عام کامل من تاریخ انتهاء الحرب. وبما أن نهایه الحرب فی غزه تُحتسب -نظریا- یوم 10 أکتوبر/تشرین الأول 2025، فإن أول یوم تستطیع فیه الزوجه التقدم إلى المحکمه لإثبات الوفاه هو 10 أکتوبر 2026، حسب قوله.
وأضاف القاضی فروخ أن الأمر یختلف عندما یکون الزوج شهیدا معروفا، ودُفن فی قبر معلوم ولم یُسجَّل وصوله إلى مستشفیات القطاع بسبب الوضع المیدانی، ففی هذه الحاله، یکفی أن تتقدم الزوجه إلى المحکمه مع شخصین یشهدان أمام القاضی أن زوجها قد استُشهد ودُفن، لتصدر المحکمه بعدها محضرا قضائیا یتیح استخراج شهاده وفاه رسمیه.
وفی حین تُغلَق هذه الدائره، لکن دائره العدّه الشرعیه تبدأ، فلا زواج جدیدا قبل انقضاء عدّتها الشرعیه، مهما صدر من أحکام أو إثباتات.
وفی غیاب حکم الوفاه، تبقى حیاه الأسره معلَّقه أیضا من الناحیه المالیه، لذلک -أضاف فروخ- تلجأ المحاکم إلى إصدار وصایه مؤقته على الأطفال، إن کان الجدّ أو أحد الأقارب موجودا، تُمنح له ولایه مؤقته، تسمح للزوجه بالحصول على نفقات ومساعدات وحقوق أساسیه یحتاج إلیها القاصر، وهو لیس حلّا جذریا لکنه جسر هش یقی الأسره الانهیار الکامل.
ومع الارتفاع الهائل لأعداد المفقودین، واجه القضاء تحدیا غیر مسبوق، فقد جرى تنظیم أکثر من 11 ألف محضر قضائی لإثبات وفاه شهداء مُتیقَّن استشهادهم.
أما من لم یکن له شاهدان أو قبر معلوم، فقد تُرک معلَّقا فی خانه المفقودین الذین ینطبق علیهم نص الماده (119)، وتُترک عائلاتهم تنتظر عاما آخر فوق کل ما انتظرته من قبل.
المصدر: الجزیره