وکاله آریا للأنباء -
الخرطوم- تجمع مئات السکان فی أطراف منطقه أمبده غرب مدینه أم درمان ، فی دوائر واسعه حول ساحه معروفه محلیا باسم میدان "الصراع" لمتابعه مباریات منافسات المصارعه الشعبیه ، بعد أن عادت الحلبه الرملیه لتستقبل المصارعین بعد توقف دام 3 سنوات بسبب الحرب.
داخل الحلبه الرملیه، کانت الطبول تقرع لتعلن بدء المنافسه بین فریق شرق النیل وفریق أم درمان، بمشارکه فئتی الشباب والأطفال. وقف المصارعون فی مواجهه بعضهم وسط تشجیع الجمهور الذی أحاط بالساحه.
یقول أبکر آدم بخیت (75 عاما)، وکان یتابع منافسات المصارعه الشعبیه منذ طفولته فی منطقه جبال النوبه بولایه جنوب کردفان ، إن شغفه بهذه اللعبه ازداد بعد انتقاله إلى الخرطوم قبل نحو 40 عاما، حیث أصبحت المیادین لا تستوعب أعداد الجمهور المتزایده.
وأوضح بخیت فی حدیثه للجزیره نت أن المصارعه تمثل ثقافه وتراثا فی جبال النوبه، لکنها تطورت لتصبح ریاضه رسمیه، حتى صارت الریاضه الثانیه فی السودان بعد کره القدم. وأضاف أن عوده المنافسات بعد 3 سنوات من الحرب تعنی استمرار هذه الثقافه وانتقالها من جیل إلى جیل.

عوده المصارعهبعد توقف الحرب فی الخرطوم (الجزیره) جذور المصارعه الشعبیه
یوضح بخیت أن المصارعه الشعبیه لم تعد مقتصره على مناطق جبال النوبه وحدها، بل انتقلت إلى مدن کبرى مثل الخرطوم وأم درمان، حیث أصبحت جزءا من الفعالیات الریاضیه الرسمیه. وتأسست اتحادات محلیه لتنظیم المنافسات، ما ساعد على انتشارها بین فئات عمریه مختلفه.
وتعود جذور المصارعه الشعبیه فی السودان إلى مناطق جبال النوبه بولایه جنوب کردفان، حیث کانت تمارس منذ قرون کجزء من الطقوس الاجتماعیه والاحتفالات المحلیه.
وارتبطت المصارعه هناک بالتنشئه الاجتماعیه للشباب، إذ کانت وسیله لإظهار القوه والمهاره، کما لعبت دورا فی تعزیز قیم الانضباط والشجاعه داخل المجتمع. وانتقلت مع أبناء النوبه إلى ولایات السودان الأخرى، حیث تأثرت تلک المناطق بتراثهم بعد إقامه منافسات فیها.
وتکوّن أول اتحاد للمصارعه فی سبعینیات القرن الماضی، بینما تأسس أول اتحاد للمصارعه الشعبیه عام 2001، وأقیمت منافسات عده لکنها لم تستمر بسبب اندلاع الحرب بین الجیش السودانی وقوات الدعم السریع فی أبریل/نیسان 2023، حسب نائب رئیس اتحاد الخرطوم للمصارعه إبراهیم کادقلی.
وأشار کادقلی، فی حدیثه للجزیره نت، إلى أن انطلاق المنافسات المحلیه بعد 3 سنوات من الحرب یُعد إعاده ترتیب للأکادیمیات المحلیه، مؤکدا أن الأنشطه ستتواصل بصوره طبیعیه بعد استئنافها.
ویوجد فی الخرطوم الیوم 21 نادیا للمصارعه الشعبیه، و6 أکادیمیات للناشئین، إضافه إلى حلبتین رئیسیتین للبطولات هما حلبه أمبده وحلبه شرق النیل، ما یعکس اتساع قاعده هذه الریاضه الشعبیه وارتباطها بالهویه الثقافیه السودانیه.

یوجد فی الخرطوم الیوم 21 نادیا للمصارعه الشعبیه، و6 أکادیمیات للناشئین(الجزیره) رساله طمأنه
ومع مرور الوقت، تجاوزت المصارعه الشعبیه إطارها التقلیدی لتصبح منافسات منظمه تُقام فی میادین عامه بحضور جماهیری واسع، مع احتفاظها بجذورها الثقافیه والتراثیه.
وقال مدرب المصارعه محمد عبر بخیت، إن الرساله التی یسعى المصارعون لإیصالها من خلال مشارکتهم فی المنافسات هی رساله طمأنه للمجتمع بأن الوضع آمن.
وأوضح بخیت، فی حدیثه للجزیره نت، أن عوده المصارعه الشعبیه إلى الحلبات بعد توقف طویل تعنی أن الریاضه ما زالت حیه فی وجدان الناس، وأنها قادره على جمع الجماهیر من مختلف مکونات المجتمع حولها رغم الظروف التی تمر بها البلاد.
بدوره قال الأمین العام لاتحاد المصارعه السودانیه محمد فضل المولى، إنهم واجهوا تحدیات عدیده فی سبیل استئناف النشاط بعد الحرب، من بینها تعرض الحلبات للدمار وتوقف الأکادیمیات عن العمل.
وأوضح أن الاتحاد أصرّ على عوده المنافسات رغم الظروف الصعبه، بجهود شعبیه وحکومیه مشترکه لإعاده بناء البنیه الأساسیه، مؤکدا أن المصارعه الشعبیه تمثل جزءا من الهویه الثقافیه التی لا یمکن التفریط فیها.
وأضاف فضل المولى فی حدیثه للجزیره نت أن التعمیر یبدأ من الفرد، وهو ما دفعهم إلى مواصله العمل والحفاظ على هذه الثقافه الریاضیه، مشیرا إلى أن عوده المنافسات لیست مجرد نشاط ریاضی، بل هی رساله بأن المجتمع السودانی قادر على تجاوز التحدیات وإعاده ترتیب صفوفه، وأن المصارعه الشعبیه ستظل رمزا للصمود والاستمراریه، ووسیله لترسیخ الاستقرار الاجتماعی فی البلاد.

تستمر المصارعه الشعبیه کجزء من مشهد ثقافی فی السودان تنتقل من جیل لجیل(الجزیره) جزء من المشهد الاجتماعی والثقافی
وتعتمد منافسه المصارعه الشعبیه على إسقاط الخصم أرضا باستخدام الأرجل والأیدی، حیث یُعد من ینجح فی طرح منافسه أرضا هو الفائز بالجوله. هذا الأسلوب البسیط یجعل المباریات مفهومه بالنسبه للجمهور، ویزید من حماس المتابعین الذین یترقبون لحظه الحسم فی کل مواجهه.
وعند سقوط أحد اللاعبین، یعلو صوت الجمهور بالهتاف والتصفیق، بینما یتقدم الفائز بخطوات واثقه داخل الحلبه الرملیه. یُصدر أصواتا تشبه الزئیر، فی مشهد یرمز إلى القوه والانتصار، ویؤدی رقصات استعراضیه أمام الجماهیر التی تحیط بالساحه، لتتحول لحظه الفوز إلى احتفال جماعی یشارک فیه الجمیع.
ویشیر المنظمون إلى أن هذه الطقوس تحمل دلالات رمزیه تتجاوز حدود الحلبه. فهی تعکس ارتباط المصارعه الشعبیه بالذاکره الجمعیه، وتجسد روح الجماعه التی تتشارک الفرح والاحتفال بالنصر، لتصبح جزءا من المشهد الاجتماعی والثقافی فی السودان.
کما یؤکدون أن استمرار هذه الطقوس یمثل رساله صمود وإصرار على الحفاظ على التراث. فالمصارعه الشعبیه بالنسبه لهم لیست مجرد ریاضه، بل هی مرآه لهویه المجتمع السودانی، وإعلان متجدد بأن الثقافه قادره على البقاء والتجدد مهما کانت التحدیات.
المصدر: الجزیره