وکاله آریا للأنباء - تعطیل الملاحه فی باب المندب یهدد إمدادات النفط العالمیه (رویترز)
لم یکد الشرق الأوسط یستوعب تداعیات المواجهه العسکریه المتصاعده بین الولایات المتحده وإیران، حتى فتحت جماعه أنصار الله (الحوثیون) فی الیمن جبهه جدیده فی البحر الأحمر عبر فرض حظر بحری على صادرات النفط السعودیه واستهداف ناقلات النفط عند مضیق باب المندب ، مما تسبب فی قفزه سریعه لأسعار النفط العالمیه وأعاد رسم خریطه المخاطر الجیوستراتیجیه فی واحد من أهم الممرات المائیه فی العالم.
وأظهرت بیانات ملاحیه أن ناقلتی النفط "إنسیلیا" (ENCELIA) و"لیلى" (LAYLA) -اللتین أعلن الحوثیون لیل الأربعاء استهدافهما بالصواریخ والطائرات المسیّره- کانتا تحملان معا نحو 2.85 ملیون برمیل من النفط السعودی، وتبحران قباله سواحل جازان.
اقرأ أیضا
list of 2 items list 1 of 2 صور من السماء تحرج واشنطن وتل أبیب.. إیران تعید بناء قوتها list 2 of 2 بعد محطه الفضاء الدولیه.. هل تحاول الصین أن تصبح "المیناء الفضائی" الجدید للعالم؟ end of list وقد أعلن المتحدث العسکری باسم الحوثیین یحیى سریع استهداف الناقلتین، بدعوى مخالفتهما قرار "الحظر البحری" الذی أعلنته الجماعه ضد السعودیه.
جبهه مواجهه جدیده
تأتی هذه التطورات المیدانیه المتسارعه فی لحظه حرجه تشهد فیها المنطقه صراعا متعدد الجبهات؛ فوفقا لما أوردته صحیفه وول ستریت جورنال، قرر الحوثیون الدخول المباشر على خط المواجهه الإقلیمیه بعد أشهر من البقاء فی الکوالیس بینما کانت إیران تتعرض لضربات أمریکیه وإسرائیلیه مکثفه.
وجاءت الشراره المباشره للتصعید عقب تعرض مطار صنعاء الدولی لضربه جویه اتهم الحوثیون الریاض بالوقوف خلفها لمنع هبوط طائره کانت تقل وفدهم العائد من جنازه المرشد الأعلى الإیرانی الراحل علی خامنئی، وهو ما نفته الحکومه الیمنیه المعترف بها دولیا، والتی حملت على عاتقها المسؤولیه عن العملیه فی إطار إنفاذ حظر جوی.
ورأت وول ستریت جورنال فی تقریرها أن تحرک الحوثیین یفتح "جبهه جدیده" فی الحرب الأمریکیه الإیرانیه، إذ یضیف نقطه اختناق بحریه ثانیه إلى جانب مضیق هرمز ، الذی شهد اضطرابات واسعه منذ اندلاع المواجهه بین واشنطن وطهران.
وأشارت إلى أن الجماعه باتت تستغل سیطرتها على الساحل الیمنی المطل على باب المندب لفرض ضغوط على حرکه التجاره الدولیه وتهدید صادرات النفط السعودیه.
وحذرت من أن إقدام الحوثیین على هذا الفعل ینذر بجر أطراف إقلیمیه أخرى إلى أتون الصراع، مثل السعودیه وباکستان وإسرائیل.
وورد فی التقریر أیضا أن الحوثیین أمضوا أشهرا على هامش المواجهه، بینما کانت إیران، الداعم الرئیس لهم، تتعرض لضربات أمریکیه وإسرائیلیه مکثفه. غیر أن محللین فی شؤون الشرق الأوسط استأنست وول ستریت جورنال بآرائهم، یرون أن الجماعه الیمنیه قررت الانخراط فی الصراع الآن لعده أسباب، من بینها اعتقادهم بأن "الفرصه مواتیه لاختبار الحصار الذی تقوده السعودیه على الموانئ الخاضعه لسیطرتهم، إلى جانب قناعتهم بأن إیران تواجه تهدیدا جدیدا یتمثل فی الحمله الجویه الأمریکیه".
کما شکّل القصف السعودی المزعوم لمطار صنعاء الدولی الأسبوع الماضی الشراره التی دفعتهم إلى الدخول فی المواجهه بصوره فعلیه، بحسب الصحیفه.
خیار إیران النووی
ونقلت وول ستریت جورنال عن الباحث فی مؤسسه "نیو أمریکا" (New America) آدم بارون قوله إن الحوثیین أصبحوا بالنسبه لإیران "الخیار النووی"، موضحا أنهم "قوه غیر بحریه قادره على تنفیذ حصار بحری وإبقاء الاقتصاد العالمی رهینه"، فی إشاره إلى قدرتهم على تعطیل الملاحه حتى دون الحاجه إلى إغراق السفن، إذ یکفی أن تتصاعد المخاطر الأمنیه حتى تحجم شرکات الشحن عن استخدام الممر.
کما نقلت عن السفیر الأمریکی السابق لدى السعودیه مایکل راتنی القول إن "الأمر لا یتطلب إطلاق صاروخ أو طائره مسیّره لوقف حرکه الملاحه التجاریه، فإذا قررت شرکات الشحن عدم العبور، یصبح الحصار واقعا فعلیا"، وهو ما انعکس سریعا على الأسواق، إذ تجاوز سعر خام برنت حاجز 100 دولار للبرمیل للمره الأولى منذ شهرین.
ویکتسب مضیق باب المندب أهمیه استثنائیه فی المرحله الحالیه، بعدما أصبح المنفذ الرئیس لصادرات النفط السعودیه إلى الأسواق الآسیویه عقب تعطل جانب کبیر من حرکه الشحن عبر مضیق هرمز.
وتشیر بیانات إداره معلومات الطاقه الأمریکیه إلى أن نحو 8% من تجاره النفط العالمیه تمر عبر المضیق، فیما یمر عبره أکثر من سته ملایین برمیل یومیاً، یشکل النفط السعودی نحو ثلثیها.
وفی تحلیل إخباری على موقعها الإلکترونی، أفادت مؤسسه ستراتفور الأمریکیه للدراسات الإستراتیجیه والأمنیه بأن الحوثیین یدرکون حجم هذه الورقه الإستراتیجیه، خصوصا بعدما ضاعفت السعودیه صادراتها من میناء ینبع على البحر الأحمر إلى نحو 4 ملایین برمیل یومیا، معتمده على خط الأنابیب الممتد من شرق المملکه إلى غربها.
وترى المؤسسه أن الجماعه "تسعى إلى استغلال تردد الریاض فی العوده إلى حرب واسعه لتحقیق مکاسب سیاسیه"، فی مقدمتها إنهاء القیود المفروضه على الموانئ والمطارات فی المناطق التی تسیطر علیها.

دوریه عسکریه حوثیه على ساحل باب المندب خلال التصعید المرتبط بحرب إیران (رویترز-أرشیف) باب المندب ساحه صراع جدیده
من جانبه، رکّز موقع ذا هیل الأمریکی على التداعیات الاقتصادیه والإستراتیجیه الناجمه عن الهجمات التی استهدفت ناقلتی نفط سعودیتین فی البحر الأحمر، ومن بینها الارتفاع الفوری فی أسعار النفط والوقود.
وأوضح الموقع فی تقریره نقلا عن المدیر التنفیذی لـ وکاله الطاقه الدولیه ، فاتح بیرول، تحذیره من أن التهدیدات التی تطال باب المندب تزید المخاوف بشأن أمن إمدادات النفط العالمیه، وتفاقم حاله عدم الیقین فی الأسواق.
وأضاف التقریر أن الهند ستکون من أکثر الدول تضررا إذا استمر تعطیل الملاحه عبر باب المندب، نظرا لاعتمادها الکبیر على واردات النفط الخلیجی، بینما ستواجه المصافی الآسیویه تحدیات لوجستیه متزایده فی تأمین احتیاجاتها من الخام.
کما أشار إلى أن شرکات الشحن قد تضطر إلى اللجوء لمسارات أطول عبر قناه السویس ثم الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح للوصول إلى آسیا، وهو ما قد یضاعف زمن بعض الرحلات.
ونقل ذا هیل عن شرکه کبلر، المتخصصه فی تتبع حرکه الشحن البحری، أن رحله ناقلات النفط المتجهه من ینبع إلى کوریا الجنوبیه قد ترتفع من نحو 24 یوما إلى 54 یوما، بما یعنی زیاده کبیره فی تکالیف النقل والتأمین.
ولفت الموقع کذلک إلى دعوه سلطنه عمان جمیع الأطراف إلى تجنب أی تصعید جدید یهدد حریه الملاحه فی البحر الأحمر، فی وقت تتزاید فیه المخاوف من تحول الأزمه إلى صراع إقلیمی مفتوح.
وربط التحرک الحوثی بما وصفه بـ"الخطوط الحمراء" التی أعلنتها الجماعه فی مارس/آذار الماضی، والتی تضمنت رفض مشارکه أی دوله عربیه فی العملیات العسکریه ضد إیران، ورفض استخدام البحر الأحمر منصه لشن هجمات على طهران، إلى جانب المطالبه بوقف ما وصفته بالحصار المفروض على الیمن، وهو ما یفسر-وفق مراقبین- انتقال الجماعه من مرحله التهدید إلى تنفیذ عملیات بحریه مباشره.
یبدو أن البحر الأحمر دخل مرحله جدیده من عدم الیقین، بعدما تحول من ممر تجاری عالمی إلى ساحه اشتباک رئیسیه فی الصراع الإقلیمی
الاحتمالات الثلاثه
فی المقابل، حذر الرئیس الأمریکی دونالد ترمب من أن بلاده ستحمل إیران المسؤولیه عن أی هجمات حوثیه جدیده على الملاحه فی البحر الأحمر، مؤکدا أن "عقابا عسکریا کبیرا" سیطال إیران والحوثیین إذا استمرت الاعتداءات.
لکن، رغم هذه التحذیرات، تشیر صحیفه وول ستریت جورنال إلى أن واشنطن تبدو حذره من الانخراط فی جبهه جدیده، فی وقت تواصل فیه عملیاتها العسکریه المرتبطه بالحرب مع إیران، ولا تملک حالیا سوى وجودا بحریا محدودا فی البحر الأحمر مقارنه بحجم قواتها فی بحر العرب والخلیج.
ورسمت مؤسسه ستراتفور -من جانبها- 3 سیناریوهات لمستقبل أمن المنطقه، مبیّنه أن طبیعه الرد السعودی ستکون العامل الأکثر حسما فی تحدید مسار الأزمه. فإذا اقتصر على استهداف منصات إطلاق الصواریخ والبنیه العسکریه للحوثیین، فقد یبقى التصعید محدودا.
وإذا توسعت الضربات لتشمل الموانئ أو المطارات أو القیادات السیاسیه -وهو السیناریو الثانی- فمن المرجح أن ترد الجماعه باستهداف منشآت الطاقه والموانئ والمطارات السعودیه، مما قد یدفع الولایات المتحده إلى التدخل بصوره مباشره.
أما السیناریو الثالث فهو أن تلجأ الأطراف إلى خفض التصعید مدفوعه بالمخاطر الاقتصادیه العالیه، وتفعیل قنوات التواصل عبر وسطاء إقلیمیین لتخفیف الحصار الجوی والبحر مقابل وقف استهداف الناقلات.
کما لا تستبعد المؤسسه احتمال عوده المواجهات البریه داخل الیمن إذا استغلت القوات الحکومیه إعاده انتشار الحوثیین على بعض الجبهات، الأمر الذی قد یعید إشعال الحرب فی الیمن بعد سنوات من الهدوء النسبی.
خلاصه القول، یبدو أن البحر الأحمر دخل مرحله جدیده من عدم الیقین، بعدما تحول من ممر تجاری عالمی إلى ساحه اشتباک رئیسیه فی الصراع الإقلیمی.
وبینما تراهن الأطراف المختلفه على أدوات الردع والضغط السیاسی، تبقى الملاحه الدولیه وأسواق الطاقه أمام اختبار صعب، قد تتحدد نتائجه وفق حدود الرد السعودی، ومدى استعداد الولایات المتحده وحلفائها لمنع تحول باب المندب إلى بؤره صراع طویله الأمد.
المصدر: الجزیره + ستراتفور + هیل + وول ستریت جورنال