وکاله آریا للأنباء - إلغاء الرسوم بموجب قانون الطوارئ أفقد الخزانه الأمریکیه إیرادات متوقعه بنحو 1.7 تریلیون دولار خلال العقد المقبل (الفرنسیه)
تکشف عوده إداره الرئیس الأمریکی دونالد ترمب إلى الماده 301 من قانون التجاره لعام 1974 أن ما یجری لا یقتصر على استبدال أساس قانونی بآخر، بل یمثل انتقالا من مرحله الرسوم الجمرکیه المؤقته والقابله للإبطال إلى بناء نظام حمائی أکثر استقرارا واستدامه، قد یرسم ملامح السیاسه التجاریه الأمریکیه لسنوات مقبله.
فبعدما أسقطت المحکمه العلیا الأمریکیه فی فبرایر/شباط 2026 معظم الرسوم التی فرضها ترمب استنادا إلى قانون الصلاحیات الاقتصادیه فی حالات الطوارئ، لم تتراجع الإداره عن نهجها، بل أعادت تصمیمه عبر أدوات قانونیه أکثر رسوخا، لتتحول الرسوم من إجراءات استثنائیه مرتبطه بالطوارئ إلى سیاسه تجاریه مؤسسیه تستند إلى تحقیقات رسمیه یصعب إسقاطها قضائیا.
اقرأ أیضا
list of 3 items list 1 of 3 فایننشال تایمز: رسوم ترمب تتحول من التهدید إلى واقع ملزم list 2 of 3 لولا: الرسوم الأمریکیه الجدیده خطأ إستراتیجی یضر بالبلدین list 3 of 3 رویترز: رسوم ترمب الجمرکیه تدخل مرحله أکثر رسوخا والمزید فی الطریق end of list ولا یتعلق الأمر فقط بالحفاظ على الرسوم الحالیه، بل بتهیئه الأرضیه القانونیه لموجات جدیده من الرسوم خلال الأشهر المقبله، مع استمرار تحقیقات مکتب الممثل التجاری الأمریکی فی ملفات فائض الطاقه الإنتاجیه وسلاسل التورید والاقتصادات المنافسه.
التحول الحمائی
اعتمدت إداره ترمب خلال العام الماضی على قانون الطوارئ الاقتصادیه لفرض رسوم واسعه على الواردات، باعتباره أسرع طریق لتنفیذ أجندتها التجاریه دون المرور بإجراءات تحقیق طویله.
لکن هذه المقاربه واجهت انتکاسه کبیره عندما قضت المحکمه العلیا بأن القانون لا یمنح الرئیس سلطه فرض رسوم جمرکیه واسعه، باعتبار أن فرض الضرائب والرسوم من الاختصاصات التی منحها الدستور للکونغرس.
دفع الحکم الإداره الأمریکیه إلى اللجوء مؤقتا إلى الماده 122 من قانون التجاره لعام 1974، التی سمحت بفرض رسم عالمی مؤقت بنسبه 10%، لکنها کانت بطبیعتها حلا انتقالیا، فهی لا تسمح باستمرار الرسوم أکثر من 150 یوما من دون موافقه الکونغرس، کما تحدد سقفا أقصى للرسوم.
ویقول الخبیر الاقتصادی مصطفى یوسف إن إداره ترمب لم تتخل عن مشروعها الحمائی بعد الحکم القضائی، وإنما "غیرت الغلاف القانونی" الذی تستند إلیه.
ویوضح للجزیره نت أن الرسوم المفروضه بموجب قانون الطوارئ کانت "أداه سیاسیه سریعه الحرکه لکنها هشه قانونیا"، فی حین تمنح الماده 301 إطارا قانونیا أکثر صلابه لأنها تقوم على تحقیقات رسمیه وإجراءات مؤسسیه ولا ترتبط بسقف زمنی محدد.
ویرى أن هذا التحول یعنی أن واشنطن انتقلت من استخدام "إجراء طارئ" إلى بناء ما یشبه "البنیه التحتیه الحمائیه "، بما یجعل الرسوم أکثر استدامه حتى بعد انتهاء ولایه ترمب.

غطاء قانونی
تکمن أهمیه الماده 301 فی أنها تمنح الإداره مسارا قانونیا مختلفا تماما عن قوانین الطوارئ، فالماده تشترط أن یُجری مکتب الممثل التجاری الأمریکی تحقیقا رسمیا لإثبات وجود ممارسات تجاریه غیر عادله أو تمییزیه تضر بالتجاره الأمریکیه، مع نشر النتائج، وإتاحه جلسات استماع، واستقبال تعلیقات من الشرکات والحکومات، قبل إصدار القرار النهائی.
وهذا المسار -وإن کان أطول وأکثر تعقیدا- یمنح الرسوم حمایه أکبر أمام القضاء مقارنه برسوم الطوارئ التی أبطلتها المحکمه العلیا.
ویشیر مصطفى یوسف إلى أن الماده 301 أصبحت من أکثر الأدوات التجاریه الأمریکیه اختبارا أمام القضاء، بعدما استخدمها ترمب خلال ولایته الأولى ضد الصین ، ثم أبقت علیها إداره الرئیس السابق جو بایدن ، وهو ما منحها رصیدا من السوابق القانونیه والسیاسیه یصعب تجاهله.
ویلفت -فی الوقت نفسه- إلى أن ذلک لا یعنی حصانتها الکامله، إذ لا تزال الطعون القضائیه ممکنه، لکنها ستسلک مسارا أطول وأکثر تعقیدا، بما یسمح للإداره بالإبقاء على الرسوم لفترات أطول قبل صدور أی أحکام نهائیه.
ویتفق أستاذ الاقتصاد والعلاقات الدولیه کمیل الساری مع هذا التقدیر، موضحا أن فریق ترمب یدرک مسبقا أن أی قانون جدید سیواجه طعونا، لکنه یراهن على عامل الوقت.
ویقول للجزیره نت إن الهدف لا یتمثل فقط فی کسب القضایا، بل فی دفع الدول إلى التفاوض وإبرام اتفاقیات ثنائیه مع الولایات المتحده قبل انتهاء النزاعات القضائیه، بما یمنح واشنطن مکاسب سیاسیه وتجاریه حتى لو استمرت المعارک داخل المحاکم.
رسوم أوسع
جاءت أولى ثمار هذا التحول فی 24 یولیو/تموز الجاری، عندما دخلت حیز التنفیذ رسوم جدیده بموجب الماده 301 على واردات من 60 اقتصادا تمثل نحو 99.4% من الواردات الأمریکیه.
وتراوحت الرسوم بین 10% للدول التی تعهدت بتشدید الرقابه على الواردات المرتبطه بالعمل القسری، و12.5% للدول التی اعتبرت واشنطن أنها لم تتخذ إجراءات کافیه.
وبررت الإداره هذه الرسوم بأنها تستهدف مکافحه العمل القسری فی سلاسل الإمداد العالمیه، لکن عددا من خبراء التجاره رأوا أنها تمثل فی جوهرها بدیلا قانونیا للرسوم التی أسقطتها المحکمه العلیا، أکثر من کونها سیاسه مرتبطه بحقوق الإنسان .
ولا تقتصر التحرکات الأمریکیه على هذه الجوله، إذ یواصل مکتب الممثل التجاری تحقیقات جدیده تشمل 16 شریکا تجاریا رئیسیا فی ملف فائض الطاقه الإنتاجیه، وهو ما قد یمهد لرسوم إضافیه تستهدف قطاعات مثل أشباه الموصلات والبطاریات والسیارات والکیماویات والمعدات الصناعیه.
ویرى کبیر الخبراء الاقتصادیین فی مؤسسه "کیبلینغر" دیفید باین أن انتقال إداره ترمب إلى الماده 301 جاء نتیجه مباشره لسقوط الرسوم السابقه أمام المحکمه العلیا، موضحا أن الإداره لجأت أولا إلى الماده 122 باعتبارها حلا مؤقتا، لکنها کانت تدرک أنها لا تسمح باستمرار الرسوم إلا لفتره محدوده، مما فرض علیها البحث عن أساس قانونی أکثر استدامه.
ویضیف باین -فی حدیثه للجزیره نت- أن الماده 301 توفر هذا الأساس لأنها تستند إلى تحقیقات رسمیه بشأن الممارسات التجاریه غیر العادله، وهو ما یجعلها أکثر قدره على الصمود أمام الطعون القضائیه، لکنه أشار إلى أن هذا المسار أکثر بطئا وتعقیدا، إذ یتطلب جمع بیانات وإجراء تحقیقات تفصیلیه لتحدید المنتجات والقطاعات المشموله بالرسوم قبل إقرارها.
ویشیر إلى أن هذا التعقید یفسر لجوء إداره ترمب فی بعض الحالات إلى أدوات قانونیه أخرى، مثل الماده 338 من قانون الرسوم الجمرکیه لعام 1930 فی التعامل مع کندا ، رغم أن نطاقها اقتصر على نحو 5% من صادراتها إلى الولایات المتحده، لافتا إلى أن أهمیه هذه الخطوه لا تکمن فی حجمها بقدر ما تتمثل فی إعاده إحیاء نص قانونی لم یُستخدم منذ ثلاثینیات القرن الماضی.
فی حین یرى مصطفى یوسف أن الإداره تتجه إلى نموذج "هجین" یجمع بین قاعده واسعه من الرسوم المفروضه على معظم الشرکاء التجاریین، ورسوم أعلى تستهدف دولا أو قطاعات محدده عندما ترید واشنطن ممارسه ضغوط سیاسیه أو صناعیه.
ویضرب مثالا بما حدث مع البرازیل، التی فرضت علیها إداره ترمب رسوما إضافیه بموجب الماده 301، وکندا التی تعرضت لتهدیدات باستخدام الماده 338، وهو ما یعکس -بحسب قوله- أن الولایات المتحده لم تعد تمیز کثیرا بین الحلفاء والخصوم عندما یتعلق الأمر بأدوات الضغط التجاری.

الرسوم الجمرکیه الجدیده المفروضه بموجب الماده 301 قد تدر نحو 950 ملیار دولار حتى عام 2036 (غیتی) رهان اقتصادی
تراهن إداره ترمب على أن النظام الجدید سیحقق ثلاثه أهداف رئیسیه:
زیاده الإیرادات الجمرکیه. تحفیز إعاده التصنیع داخل الولایات المتحده. تقلیص العجز التجاری. کما تسعى الإداره إلى توفیر حمایه سعریه للصناعات التی تعدها إستراتیجیه، مثل الصلب والألمنیوم والسیارات وأشباه الموصلات والبطاریات، بهدف تشجیع الشرکات على نقل جزء من إنتاجها إلى الداخل الأمریکی.
وتقدّر لجنه المیزانیه الفیدرالیه المسؤوله أن الرسوم الجدیده المفروضه بموجب الماده 301، إلى جانب الرسوم المفروضه على کندا بموجب الماده 338، قد تدر نحو 950 ملیار دولار حتى عام 2036، فی حین قد یصل إجمالی إیرادات الرسوم التی فرضتها إداره ترمب منذ مطلع 2025 إلى نحو 1.9 تریلیون دولار إذا بقیت هذه الإجراءات ساریه.
لکن هذه الإیرادات تبقى أقل بکثیر مما کانت تعوّل علیه الإداره قبل إبطال رسوم الطوارئ، إذ تشیر تقدیرات لجنه المیزانیه الفیدرالیه المسؤوله إلى أن الحکم القضائی الذی أسقط الرسوم المفروضه بموجب قانون الطوارئ الاقتصادیه حرم الخزانه الأمریکیه من إیرادات تُقدَّر بنحو 1.7 تریلیون دولار خلال العقد المقبل، وهو ما یعنی أن الرسوم الجدیده تغطی أقل من 60% من الإیرادات التی کانت الإداره تتوقع تحصیلها مع قانون الطوارئ.
وتشیر بیانات التجاره الأمریکیه إلى أن الرسوم السابقه لم تحقق حتى الآن انخفاضا ملموسا فی العجز التجاری، کما لم تؤد إلى انتعاش واسع فی التوظیف الصناعی، فی حین أعادت تشکیل سلاسل التورید أکثر مما أعادت المصانع إلى الولایات المتحده.
ویرى کمیل الساری أن الرسوم قد توفر دخلا إضافیا للخزانه الأمریکیه، لکنها لا تعنی بالضروره نجاح مشروع إعاده التصنیع.
ویشیر إلى أن جزءا کبیرا من الصناعات التی انتقلت إلى آسیا خلال العقود الماضیه استفاد من انخفاض تکالیف الإنتاج والعماله، وهی مزایا یصعب تعویضها بمجرد فرض رسوم جمرکیه.
ویضیف أن التجربه خلال ولایه ترمب الأولى أظهرت أن العجز التجاری لم ینخفض بصوره جوهریه رغم الرسوم، فی حین ظل الاستثمار الصناعی أقل کثیرا من التوقعات.
فاتوره مرتفعه
فی المقابل، یحذر خبراء من أن التحول إلى نظام جمرکی أکثر استدامه قد یرفع کلفته الاقتصادیه داخل الولایات المتحده نفسها، إذ تشیر الدراسات إلى أن المستوردین الأمریکیین یتحملون جزءا من الرسوم عبر تقلیص هوامش أرباحهم، لکن النسبه الأکبر تنتقل فی النهایه إلى المستهلک الأمریکی عبر ارتفاع الأسعار.
وتشیر تقدیرات "مختبر المیزانیه" بجامعه ییل إلى أن متوسط الرسوم الفعلی ما زال أعلى بکثیر من مستواه قبل عوده ترمب إلى البیت الأبیض ، وأن استمرار السیاسه الحالیه قد یضیف أکثر من ألف دولار سنویا إلى أعباء الأسره الأمریکیه.
ویؤکد مصطفى یوسف أن نحو 90% من کلفه الرسوم تنتقل إلى الأسعار خلال عام واحد، وهو ما یبقی الضغوط التضخمیه مرتفعه ویحد من قدره الاحتیاطی الفیدرالی على خفض أسعار الفائده .
کما یحذر من أن توسیع الرسوم قد یدفع بعض الشرکاء التجاریین إلى الرد بإجراءات مماثله، خصوصا الصین، وهو ما قد یعید إشعال دوره جدیده من الحرب التجاریه ویزید اضطراب سلاسل الإمداد العالمیه.
من جهته یرى الساری أن الاقتصاد العالمی أصبح أکثر تشابکا من أن تسمح الرسوم بإعاده رسم الصناعه الأمریکیه بسهوله.
ویوضح أن الصناعات الحدیثه تعتمد على مکونات تُنتج فی عشرات الدول، ومن ثَم فإن فرض رسوم على جزء من هذه السلسله یرفع تکلفه الإنتاج حتى على الشرکات الأمریکیه نفسها، کما یحدث فی قطاعات الطیران والإلکترونیات والسیارات.
المصدر: الجزیره