
وکاله آریا للأنباء -
تعود صادرات النفط الخلیجی عبر مضیق هرمز تدریجیا إلى مستویات مرتفعه رغم استمرار المخاطر الأمنیه، فی مفارقه تعکس قدره السوق على التکیف مع الحرب، ویعتمد هذا الانتعاش على خصومات کبیره یتحملها المنتجون لجذب المشترین وتعویض کلفه المخاطر.
ووفقا لبیانات نقلتها "جولدمان ساکس"، یتراوح تدفق الخام والمنتجات النفطیه عبر المضیق حالیا بین 15 و16 ملیون برمیل یومیا، أی نحو ثلثی المستوى المعتاد قبل الحرب، بعدما هبطت التدفقات فی مارس/آذار إلى 5-6 ملایین برمیل یومیا.
وعلى الشاشه التفاعلیه، أوضح الزمیل عبد القادر عراضه أن الروایات بشأن حرکه الملاحه تختلف بین الأطراف، إذ تحدث البیت الأبیض عن مرور نحو 1500 سفینه تحمل قرابه 750 ملیون برمیل من النفط تحت حمایه أمریکیه منذ استئناف العبور.
فی المقابل، تشیر بیانات شرکه "کیبلر" إلى أرقام أقل، مع مرور نحو 460 إلى 500 سفینه خلال أغسطس/آب، وتوزعت السفن بین مسارات مختلفه، بینها المسار الإیرانی ومسار غیر محدد، بینما عبر عدد محدود المسارین العمانی والدولی.
ولا تزال المخاطر قائمه رغم تحسن حرکه الشحن، إذ تشیر المنظمه البحریه الدولیه إلى بقاء نحو 400 سفینه تحمل قرابه 6000 بحار عالقه فی المنطقه، فی وقت یستمر فیه البحث عن ترتیبات تضمن عوده الملاحه الآمنه والمستدامه.
خصومات المخاطر
ویکشف الرئیس التنفیذی لشرکه "توتال إینرجی" باتریک بویان عن الجانب الاقتصادی لهذه المعادله، موضحا أن المنتجین یبیعون الخام داخل الخلیج بنحو 50 إلى 60 دولارا للبرمیل، بدلا من تسعیره وفق مستویات خام برنت التی تتجاوز 90 دولارا.
ویتیح هذا الخصم للمشترین تحمل کلفه المخاطر المرتبطه بالنقل والتأمین، إذ تقدر کلفه عبور ناقله عملاقه محمله بنحو ملیونی برمیل ذهابا وإیابا عبر المضیق بنحو 20 ملیون دولار، أی قرابه 10 دولارات إضافیه للبرمیل.
ویشرح الخبیر بشؤون النفط والطاقه عامر الشوبکی أن المنتجین یتحملون جزءا من هذه الکلفه عبر خفض السعر، بما یحافظ على تنافسیه الخام الخلیجی فی الأسواق، ویمنع تراکم الشحنات أو خروجها من دائره التداول لفترات طویله.
وتشمل الکلفه الإضافیه أیضا عملیات النقل من سفینه إلى أخرى خارج المضیق، أو ما یعرف بالنقل المکوکی، إلى جانب ارتفاع أسعار التأمین واستئجار السفن. وکلما ارتفعت هذه النفقات، اتسع نطاق الخصومات المطلوبه للحفاظ على تدفق الصادرات.
ویرى الشوبکی أن هذه الآلیه ساعدت على إعاده کمیات کبیره من النفط الخلیجی إلى الأسواق، حتى بلغت مستویات تقترب من ثلثی التدفقات الطبیعیه أو تتجاوزها، وهو ما ساهم فی إبقاء أسعار الخام دون القفزات التی کانت متوقعه.
أزمه المشتقات
لکن المعادله تتغیر بصوره حاده عند الانتقال من الخام إلى البنزین والدیزل، وفقا للشوبکی، لأن هذه الشحنات تعتمد عاده على ناقلات أصغر، ما یجعل کلفه المخاطر موزعه على عدد أقل من البرامیل ویرفع کلفه النقل بصوره کبیره.
وتشیر تقدیرات نقلها الشوبکی إلى أن کلفه نقل المشتقات قد ترتفع بنحو 50 دولارا للبرمیل، فی وقت وصلت فیه أسعار الدیزل فی الولایات المتحده إلى مستویات تقارب 180 دولارا، بفعل تراجع طاقات التکریر واضطراب الإمدادات.
وتتفاقم الضغوط مع القیود المفروضه على صادرات الدیزل الروسیه حتى نهایه سبتمبر/أیلول، مما یضغط على أسواق الولایات المتحده وأوروبا وآسیا، کما ارتفعت هوامش تکریر البنزین والدیزل إلى مستویات تفوق کثیرا متوسطاتها التاریخیه.
وتعنی هذه الفجوه أن انخفاض أسعار الخام لا یترجم بالضروره إلى تراجع مماثل فی أسعار الوقود للمستهلکین، إذ تحتاج الأسواق إلى استعاده طاقات التکریر واستقرار إمدادات المنتجات النفطیه قبل أن تنعکس وفره الخام على الأسعار النهائیه.
وفی ظل استمرار الأزمه، یبدو أن السوق نجح حتى الآن فی ابتکار مسارات للتکیف مع المخاطر، من الخصومات الکبیره إلى النقل المکوکی وتغییر مسارات السفن، لکن هذه الحلول تفرض کلفه اقتصادیه یتحملها المنتجون والمستهلکون بدرجات مختلفه.
وتبقى استدامه هذه المعادله مرتبطه بمستقبل الوضع الأمنی فی المضیق؛ فبحسب الشوبکی، فإن أی اتفاق یضمن حریه الملاحه ویعید المرور الآمن سیقلص الحاجه إلى النقل المکوکی والخصومات، بینما سیبقی استمرار التصعید هذه التکالیف حاضره فی السوق.
المصدر: الجزیره